ابراهيم جوهر:ما الذي يريده جميل السلحوت في سداسيته”كلب البراري”للأطفال

Nov 14

 

 

 

 

 

 

في سداسيته الجديدة للأطفال يدخل الكاتب جميل السلحوت عالم الأطفال مدفوعا بحب التغيير والتأصيل، وفتح الآفاق أمام قارئه بوضع نماذج أمامه ليقتدي بها بعد أن يتعلم منها ويحبها ويذوّتها .

ولنترك محاولة النظر إلى العمل الفني الموجّه للأطفال على أساس من فهم الواقع السياسي أو الاجتماعي هنا، مع أن ذلك مشروع وممكن وذو سند تاريخي أدبي حملته إلينا(كليلة ودمنة) منذ أكثر من ألف عام. فهناك إشارات لافتة تصلح ليأخذ الكبار العبرة من أحداثها(الذئاب، هدى، وقضى ربك) .

الكاتب في هذه المجموعة المكوّنة من ست قصص خاطب الطفل وهو في مراحله العمرية المتعاقبة، بدءا من مرحلة الطفولة المبكرة، وانتهاء بمرحلة المراهقة،ناقلا إليه، ومن خلاله قيما وفنا ولغة وخيالا ومضامين في عالم رحب جميل، يمكن تخيّله في امتداده وغناه وجماله، وكأنه يقول لقارئه: إن لنا عالما جميلا، وبيئة جميلة، وموسيقى طبيعية جميلة. وإن العالم القبيح الظالم الذي نحيا فيه لا بد زائل … وإذا كان علي أبو غالية قد استشهد ظلما مع عائلته، فإن ابنته هدى ما زالت تنادي، وأفراخ الحمام ما زالت تبني عشها قرب البيت، وإناث الذئاب لن تعود قادرة على الغواية والإغواء.

يدخل الكاتب غير هيّاب مرحلة شائكة من عمر الطفل، هي مرحلة الطفولة المبكرة التي تتقرر فيها شخصيته، وتتحدد معالمه المستقبلية من خلال سنواتها الأولى. إنها مرحلة يجمع الباحثون على أهميتها في بناء الإنسان وتثقيفه وتقوية دعائمه النفسية والاجتماعية والثقافية، وعلى هداها تنبني شخصيته المستقبلية .

وفي مجتمعنا المحلي – كما العربي – تبرز أهمية هذه المرحلة، مع باقي مراحل حياة الطفل، في سبيل بناء شخصية سوية متكاملة منتمية إيثارية ذات اعتزاز بأمجاد الأمة، وانتماء لوطنها وقيمها وهويتها، مشخّصة لواقعها الذي تتكيف معه دون أن تذوب فيه، بل تسعى لتغييره نحو الأفضل .

ولعله من نافل القول قولي: إن قصة واحدة لن تتحمّل كل هذا العبء في التربية والبناء والإفادة والإمتاع، وليس مطلوبا منها وحدها القيام بهذا العبء، ولا من كاتبها، بل إن ذلك يتطلب تضافر جهود المهتمين من أصحاب التربية والإبداع الفني الموجه للأطفال. ولن يكون في قدرة كاتب وحده إصلاح مجتمع بأكمله، تتضاد فيه الاتجاهات، وتتصارع المصالح وتعلو الأنانية، وباتت القيم السلبية تنزرع في تربته المعطاء، في محاولة إقصاء مبرمج للقيم الإيجابية التي حملت هويته وحمته من التشوه والذوبان، بل إن هذا الأمر يدعو مؤسستنا الرسمية الثقافية إلى التعاون مع المؤسسات المدنية الاجتماعية الصادقة، ذات العلاقة والاستفادة من عمل الأفراد القادرين المؤهلين كل في مجال اختصاصه وقدرته على العمل والعطاء والإفادة، من أجل السير معا في مسيرة التغيير والبناء والإنتاج والاعتماد على الذات، وتربية الذوق العام عن طريق الاهتمام بتنمية الذوق الفردي، وفتح آفاق الإبداع والتخيّل والانتماء وحب المعرفة.

لقد أوحت القصة الأولى من سداسية زميلنا الكاتب جميل السلحوت إليّ بهذا التقديم، لأنها دخلت إحدى المنطقتين / المرحلتين اللتين يهرب الكتّاب من الاقتراب من حماهما خوفا أو رهبة أو صعوبة … وإذا دخلوا إحداهما فإنما يدخلونها على استحياء ومحاولة تجريب وتقليد وتنظير أو وعظ وإرشاد بعيدا عن فهم عالم الطفل ونفسيته واهتماماته ولغته وعشقه وتحدّيه؛ ألا وهما مرحلتا الطفولة المبكرة والمراهقة.

جاءت قصص سداسية(كلب البراري) لتخاطب الطفل ابتداء من مرحلته الطفولية المبكرة، في قصة(المرة الأولى) وانتهاء بمرحلة المراهقة التي يخالط متطلباتها العاطفية وميولها الجنسية محاولة إثبات الذات، وحب السيطرة والمغامرة التي تنسحب إليها من المرحلة التي تسبقها في عمر الطفل، ابتداء من سن تسع سنوات التي يطلق عليها ( مرحلة المغامرة والبطولة ) وفق تقسيمات الدارسين، والمتغيرات التي يلحظها المهتمون العاملون في الميدان التربوي أو الاجتماعي مع الأطفال، لهذا كانت قصة(كلب البراري)التي حملت المجموعة اسمها، حيث يجد القارىء شخصية(يوسف)النموذج النشط الذي يحمل قيما وصفات يحبها الطفل، ويحب أن يقتدي بها. فـ (يوسف) في(كلب البراري) محبّ للطبيعة، رياضي، متفوّق دائما، محبوب، شجاع،لا يهاب الضبع(رمز كل حيوان مفترس ورمز كل خطر يواجه الطفل) وينتصر عليه بشجاعته وحسن تدبيره وإعمال عقله. وكأني بالكاتب هنا يجمع بين قوة العقل وقوة العضل كمكوّنين أساسين لتحقيق الانتصار والفوز.

ولزيادة التحبيب بشخصية(يوسف)القدوة في هذه القصة قدّم الكاتب وصفا جميلا للطبيعة الجميلة لافتا إلى الجمال الذي قد لا نشعر به ونحن نعيش فيه، أو الذي يجب أن نلتفت إليه لجماله المنسي … فالطبيعة / البيئة التي عاش(يوسف) فيها واستمدّ قوته ورجاحة عقله منها، ومن عشقه لها ومراقبته لحركة المياه المتدفقة شتاء، حين تنجرف التربة بفعل سيولها، وتتراقص حصاها تحت الماء، فيركض ليختبىء حين اشتداد هطول الأمطار” باتجاه الحاجب الصواني الذي يحيط بقمة الجبل، ويقف تحت تجويف صخري مراقبا حركة السيول”(صفحة 3 من القصة) ثم يأتي فصل الربيع وزهوره وأعشابه وألعابه وأسماء أعشابه التي يورد الكاتب بعضا منها للتعريف بها والإشارة إليها، ولفوائدها للإنسان .

إنه يصف للقارىء جزءا من الوطن الجغرافي والمعنوي، الوطن ، شجاعة وأرض وجمال ومغامرة وانتصار.وهذا هو(يوسف) الطفل الشجاع / القدوة للأطفال الذين سيحبونه لشجاعته، ولأنه نبت من تربة هذا الوطن وجماله، ولأنه حمل اسما يدلّ على الجمال الزائد(يوسف).

إن جمال(يوسف) الشخص يكتمل ويتداخل بجمال الوطن بأرضه وطوبوغرافيتها وموسيقى شتائه وعمل أهله المتكيّف مع ظروف البيئة ومناخها، ويزداد اكتمالا وجمالا بصفاته الجسمية والعقلية والوجدانية من حيث شجاعته، وحب اكتشافه وتعلّمه من الطبيعة وتعلّقه بها.

لقد خاطب الكاتب جانبا مهما في شخصية الفتى القارىء، وقدّم له نموذجا من بين أقرانه ليقتدي به، كما قدّم له معلومات معرفية عن الأعشاب والألعاب والأمكنة، ولفت نظره إلى أهمية مراقبة مظاهر الطبيعة، ودعاه إلى ممارستها لما فيها من متعة وفائدة.

أما القصة الأولى من بين هذه السداسية القصصية للأطفال فهي قصة(المرة الأولى) التي قدّمت لقارئها الطفل نموذجا لطفل في مثل سنّه(خمس سنوات) وأشارت إلى دور الأم في المتابعة والدعم والتعزيز والمواظبة، لكي يتعلم الطفل ولا يستسلم لمشاعر اليأس والإحباط والنزق بعد المحاولة الأولى للكتابة، أو القيام بأي عمل يطلب منه القيام به، أو يسعى هو نفسه ليقوم به.

(المرة الأولى) هي قصة الخطوة الأولى في حياة الطفل، وهي المرحلة الأولى، والمهمة الأولى، والدرجة الأولى على سلّم حياته اللاحقة، ومحاولاته ومواجهاته اللاحقة مع مصاعب الحياة، والإشارة الوعظية غير المباشرة بضرورة تحدّيها والانتصار عليها وعدم الاستسلام لها، تماما كما انتصر(بكر) على عجزه عن الكتابة بتشجيع أمّه والورقة نفسها التي صارت شخصا يحثّ ويشجّع لأنها تحب العمل ومن يعمل، وكما انتصر( يوسف)على عدوه الضبع، وهزم أقرانه في لعبة المصارعة المحلية(المباطحة) باستخدام عقله وفكره وتخطيطه.

(بكر) هنا الذي يكرّر محاولات الكتابة ينتصر في النهاية. والكتابة عمل هنا، ومهمة، وأمنية بالنسبة له، إنها عمل يقوم به، ومهمة تقوم أمامه وعليه أن يؤديها بنجاح. ولكنه يحاول ثم ما يلبث أن يملّ ويشعر بالفشل والغضب، وتكاد ثقته بنفسه تتدنى وتهتزّ، إنه يحاول أن يتعلم أسس الحياة والنجاح فيها، فكما هو في مرحلة التهيئة والاستعداد للمواجهة المنتظرة، فإن الأمر الآن بات يحتاج إلى عمل وجهد ومواظبة وتدريب ومتابعة … وهو في النهاية ينجح، والكل يفرح لنجاحه، نجاحه الذي حققه بنفسه، فيكتب اسمه، لقد نجح(بكر) في النهاية معتمدا على نفسه ومحاولاته التي شعر أنها أنتجت أخيرا عملا ونجاحا.

في هذه القصة شخصيات أليفة يحبها القارئ، بكر الطفل المحاول الشغوف بتقليد معلمته المنتبه لكيفية إمساكها بالقلم، والأمّ الصبورة الواعية لدورها المتابعة المشجّعة، والصفحة الطيبة التي تصادق بكرا وتحبه، وتدعوه إلى الكتابة على صدرها وتعينه وتواسيه، والمعلمة التي مرّ طيفها كشخصية يجب تقليد أدائها.

هنا يوجد أكثر من معلمة واحدة، وهنّ معلمات رحيمات ودودات، المعلمة الحقيقية في المدرسة، والأمّ في البيت، والصفحة في الدفتـر، وجميعهن يحببن أن يتعلم(بكر)وأن ينجح، حتى ينجح بالفعل بفعل الدعم واعتماده على نفسه.

هذا ما تقوله القصة(المرة الأولى): حاولوا، ثم حاولوا، أيها الأطفال، ولا تيأسوا ولا تستسلموا، فهناك أصدقاء يحبونكم، أمّهاتكم، ومعلماتكم، وصفحات دفاتركم وأقلامكم.

إنها دعوة إلى مصادقة وسائل الكتابة والقراءة، فكم نحن في حاجة إلى غرسها في نفوس أطفالنا.

وبالعودة إلى بقية قصص هذه السداسية للأطفال أستطيع الإجابة عن سؤال أطرحه هنا: ما صورة الطفل التي يريدها الكاتب ويشير لطفلنا ليكونها أو يكون في إطارها؟

لقد حملت قصص هذه المجموعة إشارات وقيما أرادها الكاتب،ونتمناها معه، ليكون طفلنا الجديد:

محاولا غير يائس

واثقا من كون النجاح قادما لا محالة

مخطّطا يعمل تفكيره لحل المشكلات

مستفيدا من أخطائه

ومن أخطاء الآخرين(قصة الذئاب)

جادا وقت الجد

غير لاهٍ ولا تستعبده غرائزه

مقدّرا قيمة الجنس الآخر وأهميته لاستمرارية الحياة(قصة ذكر وأنثى)

عطوفا بارّا بوالديه

محبا لوطنه

حالما بمستقبل أفضل

عارفا أعداءه …

هذه قيم إيجابية سعت قصص سداسية جميل السلحوت للأطفال إلى إثباتها وإيصالها إلى الطفل القارىء بأسلوب اتسم في كل قصة منها بسمات العمر الافتراضي للطفل القارىء، وبالمضمون القصصي ذي التوجه القيمي الخاص.

وقد حملت القصص صورا فنية لغوية رشيقة، لتوقف الطفل على جمال اللغة وجمال الوطن،

كما نوّع الكاتب بين الأفعال الماضية والمضارعة في القصة الواحدة، وفي القصص جميعها، واستفاد من أسلوب الحكاية الشعبية ولغتها السردية الوصفية، ونوّع بين الجمل الاسمية والفعلية وفق مقتضى الحال والقصّ والعمر، فحين كتب(المرة الأولى)جاءت الجمل الاسمية لتقدّم القصة وتنهض بها، وحين قصّ وحكى جاءت جمله فعلية إخبارية ناقلة حدثا ومقدّمة شخصيات.

هذه باقة سداسية الأجزاء، أمّا سابعها لتكتمل المعادلة، فهو الطفل نفسه.

كلب البراري مجموعة قصص للأطفال لكاتبها جميل السلحوت . منشورات دار غدير في القدس، سنة 2009 م. رسم رسومها الفنان شاكر عبد الله، وضمّت ست قصص هي: المرة الأولى – الذئاب– ذكر وأنثى – كلب البراري – وقضى ربك – هدى .

في سداسيته الجديدة للأطفال يدخل الكاتب جميل السلحوت عالم الأطفال مدفوعا بحب التغيير والتأصيل، وفتح الآفاق أمام قارئه بوضع نماذج أمامه ليقتدي بها بعد أن يتعلم منها ويحبها ويذوّتها .

ولنترك محاولة النظر إلى العمل الفني الموجّه للأطفال على أساس من فهم الواقع السياسي أو الاجتماعي هنا، مع أن ذلك مشروع وممكن وذو سند تاريخي أدبي حملته إلينا(كليلة ودمنة) منذ أكثر من ألف عام. فهناك إشارات لافتة تصلح ليأخذ الكبار العبرة من أحداثها(الذئاب، هدى، وقضى ربك) .

الكاتب في هذه المجموعة المكوّنة من ست قصص خاطب الطفل وهو في مراحله العمرية المتعاقبة، بدءا من مرحلة الطفولة المبكرة، وانتهاء بمرحلة المراهقة،ناقلا إليه، ومن خلاله قيما وفنا ولغة وخيالا ومضامين في عالم رحب جميل، يمكن تخيّله في امتداده وغناه وجماله، وكأنه يقول لقارئه: إن لنا عالما جميلا، وبيئة جميلة، وموسيقى طبيعية جميلة. وإن العالم القبيح الظالم الذي نحيا فيه لا بد زائل … وإذا كان علي أبو غالية قد استشهد ظلما مع عائلته، فإن ابنته هدى ما زالت تنادي، وأفراخ الحمام ما زالت تبني عشها قرب البيت، وإناث الذئاب لن تعود قادرة على الغواية والإغواء.

يدخل الكاتب غير هيّاب مرحلة شائكة من عمر الطفل، هي مرحلة الطفولة المبكرة التي تتقرر فيها شخصيته، وتتحدد معالمه المستقبلية من خلال سنواتها الأولى. إنها مرحلة يجمع الباحثون على أهميتها في بناء الإنسان وتثقيفه وتقوية دعائمه النفسية والاجتماعية والثقافية، وعلى هداها تنبني شخصيته المستقبلية .

وفي مجتمعنا المحلي – كما العربي – تبرز أهمية هذه المرحلة، مع باقي مراحل حياة الطفل، في سبيل بناء شخصية سوية متكاملة منتمية إيثارية ذات اعتزاز بأمجاد الأمة، وانتماء لوطنها وقيمها وهويتها، مشخّصة لواقعها الذي تتكيف معه دون أن تذوب فيه، بل تسعى لتغييره نحو الأفضل .

ولعله من نافل القول قولي: إن قصة واحدة لن تتحمّل كل هذا العبء في التربية والبناء والإفادة والإمتاع، وليس مطلوبا منها وحدها القيام بهذا العبء، ولا من كاتبها، بل إن ذلك يتطلب تضافر جهود المهتمين من أصحاب التربية والإبداع الفني الموجه للأطفال. ولن يكون في قدرة كاتب وحده إصلاح مجتمع بأكمله، تتضاد فيه الاتجاهات، وتتصارع المصالح وتعلو الأنانية، وباتت القيم السلبية تنزرع في تربته المعطاء، في محاولة إقصاء مبرمج للقيم الإيجابية التي حملت هويته وحمته من التشوه والذوبان، بل إن هذا الأمر يدعو مؤسستنا الرسمية الثقافية إلى التعاون مع المؤسسات المدنية الاجتماعية الصادقة، ذات العلاقة والاستفادة من عمل الأفراد القادرين المؤهلين كل في مجال اختصاصه وقدرته على العمل والعطاء والإفادة، من أجل السير معا في مسيرة التغيير والبناء والإنتاج والاعتماد على الذات، وتربية الذوق العام عن طريق الاهتمام بتنمية الذوق الفردي، وفتح آفاق الإبداع والتخيّل والانتماء وحب المعرفة.

لقد أوحت القصة الأولى من سداسية زميلنا الكاتب جميل السلحوت إليّ بهذا التقديم، لأنها دخلت إحدى المنطقتين / المرحلتين اللتين يهرب الكتّاب من الاقتراب من حماهما خوفا أو رهبة أو صعوبة … وإذا دخلوا إحداهما فإنما يدخلونها على استحياء ومحاولة تجريب وتقليد وتنظير أو وعظ وإرشاد بعيدا عن فهم عالم الطفل ونفسيته واهتماماته ولغته وعشقه وتحدّيه؛ ألا وهما مرحلتا الطفولة المبكرة والمراهقة.

جاءت قصص سداسية(كلب البراري) لتخاطب الطفل ابتداء من مرحلته الطفولية المبكرة، في قصة(المرة الأولى) وانتهاء بمرحلة المراهقة التي يخالط متطلباتها العاطفية وميولها الجنسية محاولة إثبات الذات، وحب السيطرة والمغامرة التي تنسحب إليها من المرحلة التي تسبقها في عمر الطفل، ابتداء من سن تسع سنوات التي يطلق عليها ( مرحلة المغامرة والبطولة ) وفق تقسيمات الدارسين، والمتغيرات التي يلحظها المهتمون العاملون في الميدان التربوي أو الاجتماعي مع الأطفال، لهذا كانت قصة(كلب البراري)التي حملت المجموعة اسمها، حيث يجد القارىء شخصية(يوسف)النموذج النشط الذي يحمل قيما وصفات يحبها الطفل، ويحب أن يقتدي بها. فـ (يوسف) في(كلب البراري) محبّ للطبيعة، رياضي، متفوّق دائما، محبوب، شجاع،لا يهاب الضبع(رمز كل حيوان مفترس ورمز كل خطر يواجه الطفل) وينتصر عليه بشجاعته وحسن تدبيره وإعمال عقله. وكأني بالكاتب هنا يجمع بين قوة العقل وقوة العضل كمكوّنين أساسين لتحقيق الانتصار والفوز.

ولزيادة التحبيب بشخصية(يوسف)القدوة في هذه القصة قدّم الكاتب وصفا جميلا للطبيعة الجميلة لافتا إلى الجمال الذي قد لا نشعر به ونحن نعيش فيه، أو الذي يجب أن نلتفت إليه لجماله المنسي … فالطبيعة / البيئة التي عاش(يوسف) فيها واستمدّ قوته ورجاحة عقله منها، ومن عشقه لها ومراقبته لحركة المياه المتدفقة شتاء، حين تنجرف التربة بفعل سيولها، وتتراقص حصاها تحت الماء، فيركض ليختبىء حين اشتداد هطول الأمطار” باتجاه الحاجب الصواني الذي يحيط بقمة الجبل، ويقف تحت تجويف صخري مراقبا حركة السيول”(صفحة 3 من القصة) ثم يأتي فصل الربيع وزهوره وأعشابه وألعابه وأسماء أعشابه التي يورد الكاتب بعضا منها للتعريف بها والإشارة إليها، ولفوائدها للإنسان .

إنه يصف للقارىء جزءا من الوطن الجغرافي والمعنوي، الوطن ، شجاعة وأرض وجمال ومغامرة وانتصار.وهذا هو(يوسف) الطفل الشجاع / القدوة للأطفال الذين سيحبونه لشجاعته، ولأنه نبت من تربة هذا الوطن وجماله، ولأنه حمل اسما يدلّ على الجمال الزائد(يوسف).

إن جمال(يوسف) الشخص يكتمل ويتداخل بجمال الوطن بأرضه وطوبوغرافيتها وموسيقى شتائه وعمل أهله المتكيّف مع ظروف البيئة ومناخها، ويزداد اكتمالا وجمالا بصفاته الجسمية والعقلية والوجدانية من حيث شجاعته، وحب اكتشافه وتعلّمه من الطبيعة وتعلّقه بها.

لقد خاطب الكاتب جانبا مهما في شخصية الفتى القارىء، وقدّم له نموذجا من بين أقرانه ليقتدي به، كما قدّم له معلومات معرفية عن الأعشاب والألعاب والأمكنة، ولفت نظره إلى أهمية مراقبة مظاهر الطبيعة، ودعاه إلى ممارستها لما فيها من متعة وفائدة.

أما القصة الأولى من بين هذه السداسية القصصية للأطفال فهي قصة(المرة الأولى) التي قدّمت لقارئها الطفل نموذجا لطفل في مثل سنّه(خمس سنوات) وأشارت إلى دور الأم في المتابعة والدعم والتعزيز والمواظبة، لكي يتعلم الطفل ولا يستسلم لمشاعر اليأس والإحباط والنزق بعد المحاولة الأولى للكتابة، أو القيام بأي عمل يطلب منه القيام به، أو يسعى هو نفسه ليقوم به.

(المرة الأولى) هي قصة الخطوة الأولى في حياة الطفل، وهي المرحلة الأولى، والمهمة الأولى، والدرجة الأولى على سلّم حياته اللاحقة، ومحاولاته ومواجهاته اللاحقة مع مصاعب الحياة، والإشارة الوعظية غير المباشرة بضرورة تحدّيها والانتصار عليها وعدم الاستسلام لها، تماما كما انتصر(بكر) على عجزه عن الكتابة بتشجيع أمّه والورقة نفسها التي صارت شخصا يحثّ ويشجّع لأنها تحب العمل ومن يعمل، وكما انتصر( يوسف)على عدوه الضبع، وهزم أقرانه في لعبة المصارعة المحلية(المباطحة) باستخدام عقله وفكره وتخطيطه.

(بكر) هنا الذي يكرّر محاولات الكتابة ينتصر في النهاية. والكتابة عمل هنا، ومهمة، وأمنية بالنسبة له، إنها عمل يقوم به، ومهمة تقوم أمامه وعليه أن يؤديها بنجاح. ولكنه يحاول ثم ما يلبث أن يملّ ويشعر بالفشل والغضب، وتكاد ثقته بنفسه تتدنى وتهتزّ، إنه يحاول أن يتعلم أسس الحياة والنجاح فيها، فكما هو في مرحلة التهيئة والاستعداد للمواجهة المنتظرة، فإن الأمر الآن بات يحتاج إلى عمل وجهد ومواظبة وتدريب ومتابعة … وهو في النهاية ينجح، والكل يفرح لنجاحه، نجاحه الذي حققه بنفسه، فيكتب اسمه، لقد نجح(بكر) في النهاية معتمدا على نفسه ومحاولاته التي شعر أنها أنتجت أخيرا عملا ونجاحا.

في هذه القصة شخصيات أليفة يحبها القارئ، بكر الطفل المحاول الشغوف بتقليد معلمته المنتبه لكيفية إمساكها بالقلم، والأمّ الصبورة الواعية لدورها المتابعة المشجّعة، والصفحة الطيبة التي تصادق بكرا وتحبه، وتدعوه إلى الكتابة على صدرها وتعينه وتواسيه، والمعلمة التي مرّ طيفها كشخصية يجب تقليد أدائها.

هنا يوجد أكثر من معلمة واحدة، وهنّ معلمات رحيمات ودودات، المعلمة الحقيقية في المدرسة، والأمّ في البيت، والصفحة في الدفتـر، وجميعهن يحببن أن يتعلم(بكر)وأن ينجح، حتى ينجح بالفعل بفعل الدعم واعتماده على نفسه.

هذا ما تقوله القصة(المرة الأولى): حاولوا، ثم حاولوا، أيها الأطفال، ولا تيأسوا ولا تستسلموا، فهناك أصدقاء يحبونكم، أمّهاتكم، ومعلماتكم، وصفحات دفاتركم وأقلامكم.

إنها دعوة إلى مصادقة وسائل الكتابة والقراءة، فكم نحن في حاجة إلى غرسها في نفوس أطفالنا.

وبالعودة إلى بقية قصص هذه السداسية للأطفال أستطيع الإجابة عن سؤال أطرحه هنا: ما صورة الطفل التي يريدها الكاتب ويشير لطفلنا ليكونها أو يكون في إطارها؟

لقد حملت قصص هذه المجموعة إشارات وقيما أرادها الكاتب،ونتمناها معه، ليكون طفلنا الجديد:

محاولا غير يائس

واثقا من كون النجاح قادما لا محالة

مخطّطا يعمل تفكيره لحل المشكلات

مستفيدا من أخطائه

ومن أخطاء الآخرين(قصة الذئاب)

جادا وقت الجد

غير لاهٍ ولا تستعبده غرائزه

مقدّرا قيمة الجنس الآخر وأهميته لاستمرارية الحياة(قصة ذكر وأنثى)

عطوفا بارّا بوالديه

محبا لوطنه

حالما بمستقبل أفضل

عارفا أعداءه …

هذه قيم إيجابية سعت قصص سداسية جميل السلحوت للأطفال إلى إثباتها وإيصالها إلى الطفل القارىء بأسلوب اتسم في كل قصة منها بسمات العمر الافتراضي للطفل القارىء، وبالمضمون القصصي ذي التوجه القيمي الخاص.

وقد حملت القصص صورا فنية لغوية رشيقة، لتوقف الطفل على جمال اللغة وجمال الوطن،

كما نوّع الكاتب بين الأفعال الماضية والمضارعة في القصة الواحدة، وفي القصص جميعها، واستفاد من أسلوب الحكاية الشعبية ولغتها السردية الوصفية، ونوّع بين الجمل الاسمية والفعلية وفق مقتضى الحال والقصّ والعمر، فحين كتب(المرة الأولى)جاءت الجمل الاسمية لتقدّم القصة وتنهض بها، وحين قصّ وحكى جاءت جمله فعلية إخبارية ناقلة حدثا ومقدّمة شخصيات.

هذه باقة سداسية الأجزاء، أمّا سابعها لتكتمل المعادلة، فهو الطفل نفسه.

كلب البراري مجموعة قصص للأطفال لكاتبها جميل السلحوت . منشورات دار غدير في القدس، سنة 2009 م. رسم رسومها الفنان شاكر عبد الله، وضمّت ست قصص هي: المرة الأولى – الذئاب– ذكر وأنثى – كلب البراري – وقضى ربك – هدى .

 



اترك تعليق