محمد خليل عليان: قصة الغول لجميل السلحوت والتربية الحديثة

Nov 14

 لا يجد القارئ أية صعوبة في فهم الأبعاد التربوية في قصة الغول للكاتب جميل السلحوت والصادرة عام 2007 عن منشورات مركز بعثة الطفولة الفلسطينية في رام الله فلسطين . فالقصة كما أشار الكاتب في العنوان، وكما يوحي لنا اسم دار النشر كتبت للأطفال ومن اجل الأطفال، وتحمل رسائل تربوية للأطفال . وهي لذلك كتبت بلغة بسيطة ومفهومة وبخط كبير وواضح ومشكول، وهي تناسب الأطفال من مختلف الأعمار والمستويات ، ومرفقة بالرسومات الملونة الجميلة والمعبرة والتي ترافق تسلسل النص، وتساهم في تنمية تخيل الطفل للأحداث من خلال الايحاءات بالمكان والزمان .
ورغم أن القصة قصيرة جدا (16 صفحة من القطع المتوسط لا تحتوي الصفحة سوى عدة أسطر ) الا أن تحليلها والوقوف على مغازيها وأبعادها يطول، وربما يتجاوز عدة صفحاتها بكثير . وتوخيا للاختصار وعدم تكرار ما قد يتعرض له الزملاء في الندوة فإنني أرغب في التطرق الى ما يلي :
1. الخرافة والطفولة : تناول الكاتب في قصته موضوع الخرافة من خلال قصة الغول التي روتها الجدة لخديجة الطفلة الصغيرة التي لم يشأ الكاتب ان يفصح عن عمرها ليترك لنا حرية الاجتهاد من خلال الحدث والرسومات . ويبدو أن الجدة أسهبت في وصف الغول أمام الطفلة الى درجة الرعب والخوف، ونتيجة لذلك حلمت به، وشاهدته في الحلم على نحو أكثر رعبا من رواية الجدة، الى درجة أنها بالت في ملابسها، واستيقظت خائفة مرتجفة . من الواضح أن الكاتب يريد القول هنا أن الخرافة لم تعد أسلوبا لتربية الأطفال، ولا مصدرا لثقافته مثلما كانت في زمن سابق . ولم تعد تحتل موقعها في حديثنا اليومي وكفت ان تكون وسيلة لتنمية خيالنا . لقد ارتبطت الخرافة في طفولتنا بالجدة أو الأمّ التي تجمع أحفادها أو أطفالها في ليلة من ليالي الشتاء حول موقد الحطب، أو تحت الغطاء لتحدثهم عن ” حديدون والغولة ” أو عن ليلى والذئب، أو العجوز الساحرة وغيرها من الخرافات التي كان بطلها امرأة أو رجل أو طفل وقع في حبائل خديعة إنسان أو حيوان أو مخلوق خرافي شرير، يوصف عادة بأوصاف غير واقعية بل وغير منطقية من حيث الشكل أو القوة أو القدرة على التحول من شكل الى اخر لخداع الناس . والخرافة هي رواية غير واقعية تناقلها الناس عبر الزمان، وكانت في بدايتها تعكس واقعا اجتماعيا ، اقتصاديا ، فكريا ، وكانت تحمل رسائل اجتماعية لم يكن من الممكن في حينه التعبير عنها سوى بالخرافة، وأهمها رسالة الخير والشر والصراع الطبقي وغير ذلك . وقد صدق الكاتب عندما صور الخرافة بهذا النحو من الرعب، وكأنني به يقول إن زمن الغول والساحرات والحيوانات التي تتحول الى انسان قد ولّى ، ولم يعد الطفل يصدق هذه الروايات الخرافية، لذلك لم يعد بحاجة اليها، ولا يجب أن نفرضها عليه، ونجعلها وسيلة للتربية، أو حتى التسلية وجاء ذلك على لسان المعلمة التي أوضحت للطفلة بأن الغول مجرد خرافة لا أساس له في الواقع . واذا كان الكاتب يرفض استخدام الخرافة كوسيلة لتربية الطفل، فإنه يطرح البديل الأنسب في هذا الزمان، وهو تعريف الطفل على الواقع الذي يعيش فيه وربطه بشكل مباشر بحاضر وثقافة مجتمعه، وذلك لمواكبة التطور الثقافي العلمي السريع . وهذه رسالة عميقة في الزمن الذي يعيش فيه الطفل الفلسطيني في خضم احداث سياسية اجتماعية عسكرية، يعجز الكبار عن استيعابها فما بالكم الاطفال؟ . فاذا كانت خديجة قد ارتجفت وبالت في فراشها إثر رؤيتها حلما يصور الغول أنه كجبل الزيتون، فالطفل الفلسطيني كما تقول الدراسات النفسية يبول في فراشه اثر رؤية أعمال القتل والتدمير التي يقوم بها الاحتلال يوميا، وتطال الأطفال أيضا . واذا كان الغول في قصة السلحوت خرافة، فإن غول الاحتلال واقع يعيشه الطفل الفلسطيني كل يوم .
2. قد لا يكون هذا جديدا في قصة الغول، ولكنه ظاهرة فنية بارزة تثري القصة، وتتيح للطفل التخيل والتصور كما يشاء . إنها الرسومات التي ترافق النص كلمة بكلمة، فاذا كان الطفل لا يستطيع تخيل خديجة من خلال النص، فيكفي أن يلقي نظرة سريعة على الرسم، ليعرف أنها صغيرة وحزينة وخائفة وغير ذلك . وقد أضفت الرسومات في قصة السلحوت بعدا فنيا آخر على القصة وأثرتها من الناحية الجمالية، وجعلت شكلها مقبولا لدى الأطفال، وخاصة الألوان الجميلة والمعبرة جدا . ولكن من أجل أن تعطي الرسومات الإيحاءات التي يقصدها النص، يجب أن تكون أقرب الى التصوير الذي يعنيه الكاتب، ويقصد نقله الى القارئ، وربما يكون ذلك ممكنا لو كان الكاتب هو نفسه الرسام، أمّا اذا كان الرسام غير الكاتب، فإننا نكون أمام حالتين فنيتين لكل واحدة منهما خصوصية وثقافة وأسلوب . وهذا ما لاحظناه في الرسومات التي رافقت النص في قصة الغول التي لم تكن منسجمة تماما مع النص، مثلا صورة الغول في الرسم تشبه صورة التنين برأسه وعنقه ، في الوقت الذي تصور فيه الخرافة الغول بأنه عجوز شمطاء تتحول كما تشاء من أجل ان توقع بالضحية ،وفي خرافات أخرى كان الغول يشبه حيوانا ذا رأس كبير، ولكن ليس بعنق طويل . وفي الوقت الذي أظهر فيه الرسام الجدة العجوز في غرفة مسقوفة بألواح الخشب يتوسطها عامود خشبي داعم ، إيحاءا منه بالقدم والتأخر، فإن رسم الغرفة التي تظهر فيها الأمّ إضافة الى الحمام ، يوحي بأن المنزل مبني على الطراز الحديث . ورغم أن الكاتب صور الأمّ بانها قاسية توبخ طفلتها على عمل لا يستحق هذا التوبيخ، فقد اظهرها الرسام على نحو مغاير عندما ظهرت تمشط ابنتها في غرفة أمام مكتبة مليئة بالكتب، مما يعني أنها أمّ تعيش وسط عائلة مثقفة وقارئة .
3. لقد مثلت المعلمة الشريحة المتعلمة والمثقفة في المجتمع .. تلك الشريحة التي تلعب دورا كبيرا وفاعلا في تربية الطفل . ولكن الكاتب تجاهل هنا دور العائلة في التربية فجعل من الجدة وسيلة للتربية قديمة ومرفوضة ، متمسكة بالخرافة ولا تعي التطور الثقافي والعلمي الذي طرأ على المجتمع . وقد يكون هذا مبررا ومنطقيا خاصة عندما يكون ثمة ضرورة لإظهار الصراع بين الأجيال، والذي تدور حوله الكثير من القصص والروايات في العصر الحديث . وجاء دور الأّ السلبي تجسيدا لتجاهل الكاتب دور العائلة ، لقد وبختها الأمّ ولم تصغ لتوسلاتها بان تسمعها وتمنحها فرصة لتبرير ما جرى لها بشكل غير إرادي أصلا . والأكثر من ذلك عاقبتها بان سكبت عليها الماء البارد في الحمام . اعتقد أن الكاتب بالغ كثيرا في تصوير دور الأمّ السلبي، وهي بهذا الدور لا تمثل دور الأمّ النمطي في مجتمع اليوم الذي يعتمد في ثقافته على التلفاز والانترنيت، والذي انفتح على العالم، وحطم جميع الحواجز الجغرافية والسياسية بين مختلف الشعوب .
4. في الختام اقدر هذا العمل أشد تقدير وهو حقا يثري مكتبة الطفل الفلسطيني، ويبث رسائل تربوية ثقافية نحن بحاجة لإرسائها وترسيخها في المعركة الثقافية متعددة الأبعاد التي نخوضها كل يوم.



اترك تعليق