“أمّ الشرايط” مونودراما تحمل وجهة نظر عن النكبة الكبرى

Nov 13

عندما قرأت اسم المسرحية “أم الشرايط” تبادر إلى ذهني منطقة “أم الشرايط” الواقعة في جنوب رام الله، التي دكتها الطائرات والمدفعية الإسرائيلية أكثر من مرة في السنوات القليلة الماضية، وهي المنطقة المحاذية لحدود بلدية القدس حسب التقسيمات الإدارية للمحتلين، وهي في نفس الوقت المنطقة القريبة جدا إلى القدس الشريف والتي أصبحت بعيدة جدا نتيجة لجدار العزل العنصري التوسعي الاحتلالي، وحواجز الاحتلال التي تغلق المنافذ التي لم يغلقها الجدار سيء الصيت، حتى أصبح التنقل بين مدينة فلسطينية وأخرى هو أشبه ما يكون بالنقاط الحدودية بين الدول المتحاربة.
وبعد مشاهدة المسرحية على خشبة المسرح الوطني الفلسطيني في القدس تبين أن “أم الشرايط” هي امرأة فلسطينية متزوجة حديثا في النكبة الأولى في العام 1948 فيخرج زوجها وتنقطع أخباره، فلم تعد تعرف أن كان لاجئا أو شهيدا، لكنها تعيش أحلامها الوردية في انتظاره وعلى أمل عودته، ويهدم المحتلون بيتها الذي لم تخرج منه سوى بعض الملابس المستعملة التي يطلق عليها العامة “شرايط” تحملها في سلّة عادية، وفي حقيبة سفر صغيرة مهترئة تجوب فيها الشوارع والطرقات تسأل عن زوجها الحاضر في قلبها ووجدانها، والغائب عن عينيها وعن وجودها، إنها جزء من عذابات الشعب الفلسطيني، وفصل من مأساة بدأت منذ أكثر من نصف قرن ولا تزال مستمرة.
الأداء الفني:
بالتأكيد أن الفنانة سلوى نقارة حداد لها باع طويل في الأعمال المسرحية، فهي فنانة ذات قدرات عالية، تقدم دورها بعفوية تامة، تحلق فيه من خلال لغة الجسد والتعابير التي تخرج من قلبها فترتسم لوحة رائعة على خشبة المسرح، لقد رأيناها في هذا العمل الفني امرأة شعبية بلباسها وحديثها وتصرفاتها وأدائها الفني، وإن خلطت في هذه المسرحية ما بين التمثيل ودور الحكواتي، وهذه قضية لا يكاد ينجو منها فنان في مسرح “مونودراما” أي المسرحيات التي يؤديها ممثل واحد.
غير انه يؤخذ على الفنانة في هذا العمل أنها خلطت ما بين اللهجة القروية والمدينية، مع أن دورها هو دور فلاحة قروية فلسطينية.
النص ماله وما عليه :
اعتمد النص الذي كتبه الأستاذ محمود صبح على الرواية الشفوية للذاكرة الفلسطينية عن النكبة الكبرى في العام 1948، ومع أن أي عمل فني هو عبارة عن وجهة نظر إلا أن نهاية المسرحية الدرامية تبقى موضع نقاش، فالكاتب الذي قدم لنا مأساة عاشتها امرأة شعبية، بلغة انسيابية تصل إلى حد الشعر، وضعها في الموقع الصحيح بقصيدة ” تسع تشهر” للشاعر الشعبي السوري المبدع عمر الفرا.
هذه المرأة التي تبكي المشاهد على إنسانيتها الذبيحة، وتضحكه في نفس الوقت لتعابيرها الطريفة التي تصل في النهاية إلى درجة “التطهر” من ماضيها، لتبدأ حياة جديدة أوصلتها إلى أحضان جلاديها، وهي تلبس نفس ثوب الزفاف الذي زفت فيه إلى زوجها الذي انتظرته طويلا ولم يعد، فارتدته لتحضر به جنازة شهيد، و” لتزف ” فيه من جديد سبعة أشخاص من عساكر جلاديها وشتان ما بين الزفافين، وتبقى هذه النهاية موضع نقاش، كما يحق للمشاهد أن يتساءل لماذا الاستحمام والتطهر من ماضيها، فهل كان هذا الماضي نجسا إلى درجة التطهر منه، وهي هي مقدمة بعده على عمل شريف كي تتطهر قبل الوصول إليه ؟ ؟ أم انه رمز إلى الأرض بالمرأة فلم يعد أبناؤها إليها فتقبلت باحتضان مغتصبيها ربما إنها المأساة والضياع، وتبقى وجهات نظر ولكل مجتهد نصيب.
الديكور :
كان من البساطة بمكان: برميل كبير مع عارضة تتكيء على عامود، وبضعة دواليب من الكاوتشوك، إنها حاجز حدودي أو عسكري كالتي نشاهدها في كل مكان في حياتنا اليومية.
الاضاءة :
عادية جدا، وان كان الضوء الأبيض العادي هو الغالب عليه، لقد كانت الدائرة الضوئية، التي تسلط على الممثلة عندما يراها الجنود لافتة للانتباه ومؤثرة، خصوصا وان استعمال اشعه الليزر في مناظير بنادق الجنود قد أصبحت سمة تكنولوجيا العصر.
الإخراج :
لقد استعمل المخرج الملابس المستعملة في سلة بلاستيكية عادية، وحقيبة صغيرة مهترئة، ولباس الممثلة للتدليل على موضوع المسرحية، وان كانت كل قطعة ملابس أو قماش ذات دلالة معينة في ذهنية بطلة المسرحية الحقيقية وليست الممثلة، كما انه استعمل احد البراميل المملوءة بالماء ” لتطهر” الممثلة فيه واعتقد أن هذا الفهم متأثر بالتطهر في المغطس عند أتباع الديانة المسيحية. وحقيقة انه يتعامل مع ممثلة قديرة وذات باع طويل في هذا المجال، فقد نجح في استخراج مكنونات القدرات من اجل أداء رائع لشخصية مثيرة ورسم صور جذابة في عمل مسرحي متكامل .



اترك تعليق