(اكليل من شوك) في ندوة اليوم السابع

Jul 21

القدس:18-5-2009 من جميل السلحوت استضافت ندوة اليوم السابع في المسرح الوطني الفلسطيني الدكتور محمد شتيه،حيث ناقشت مجموعته القصصية (اكليل من شوك) الصادرة في العام 2008 عن (الدار العربية للعلوم ناشرون)في بيروت. يدأ النقاش مشرف الندوة جميل السلحوت فقال: عرفنا الدكتور محمد شتيه استاذاً جامعياً ورجل اقتصاد وسياسة ـ شغل عدة مناصب رفيعة منها وزير الأشغال العامة في السلطة الوطنية الفلسطينية ، وهو الآن رئيس المجلس الاقتصادي الفلسطيني ( بكدار ) وها هو الآن يفاجئنا بمجموعته القصصية ( اكليل من شوك ) والمفاجأة في هذه المجموعة القصصية هي المضامين والأسلوب في غالبية هذه القصص ، والتي يبدو من خلالها أن الكاتب رغم مشاغله الكثيرة إلا أنه واسع الاطلاع على أعمال أدبية لكثير من الأدباء العرب والأجانب،اضافة الى التاريخ والفلسفة والاقتصاد وحتى الفنون ، ويستدل على ذلك من خلال استشهاداته غير المقحمة في مجموعته التي نحن بصددها . ويبدو واضحاً أن كاتبنا قد استفاد كثيراً من رحلاته الخارجية ، حيث شارك في العديد من المؤتمرات واللقاءات والندوات ، فكان يلتقط بعض الأحداث والموروثات التي يمر بها بعيني صقر ، فيصوغها لوحات جميلة في نصوصه . ففي قصة ” نزهة على القمر ” عاد الكاتب الى الانجاز العلمي الهائل عندما نزلت عام 1969 سفينة الفضاء الأمريكية ” أبولو11 ” على سطح القمر ، واستغل بعض المشاهد التي رآها أو قرأ عنها على الأرض ، فعجنها على شكل قصة لافتة شكلاً ومضموناً ، فإذا كان مئات الشعراء والقاصين والروائيين قد كتبوا عن تلك الحادثة متعجبين أو ساخرين أو متسائلين عن مواقفهم ومواقف سابقيهم الذين شبهوا وجوه حبيباتهم بالقمر ، على اعتبار أن أحداً لن يدُس بقدميه سطح هذا القمر ، فإن كاتبنا وضع نفسه على سطح القمر مع رواد المركبة الفضائية ووصفه بأنه ” كأنه انفتق عن الأرض ، صحراء من صخر تغرق في السكون ، لا صوت ، لا ضجيج سيارات ، لا هدير دبابات وطائرات ، وبلا زقزقة عصافير ، امتداد واسع ، لا حواجز ، لا حدود ، الاتجاهات متشابهة ، بلا ملامح ” ص 4 . ومن على سطح القمر انشغل السارد الذي جاء بلسان ضمير المتكلم “أنا” بالأرض ، فماذا أشغله ؟ ويجيب على ذلك ” أنا انشغلت بلونا كانت لونا تحب القمر ، وتقول لي : يا قمر ” ص4 . ولونا حبيبة السارد كلمة روسية معناها القمر أيضاً ، فها هو أعطاها اسم القمر تماماً مثلما كانت تقول له هي الأخرى : يا قمر . ويتذكر السارد أن القمر يدور ليؤكد معلومة الشهور القمرية المرتبطة بدوران القمر فيقول عن القمر : ” هو شهورنا ، في دورانه عمرنا ” ص4 ومعروف أن الشهور العربية هي شهور قمرية. واذا كان البشر ينظرون الى القمر ، فإن السارد ينظر الى الأرض من على القمر . ” لبست نظارتي الخارقة ، ومن فوق الفوق ، بعيني نسر ، أخذتُ أنظر الى الأرض ، أفتش عن لونا ” ص 5 فماذا رأى ؟ لقد وقع بصره على ” نيوزلندا ” حيث قبائل ” الماريز ” والسكان البيض الذين أرسلهم التاج البريطاني من سجون بريطانيا لاستئجار نيوزلندا من القبائل لمدة مائتي عام ، فتساءلت هل يُستأجر القمر ” ؟ وهذه معلومة تاريخية صحيحة وليست متخيلة ، فمن المعروف تاريخياً أن الدول الأوروبية كانت تنفي مجرميها الى الأمريكيتين بدلاً من سجنهم في بلدانهم ، وهذه بداية استيطان البيض الأوروبيين لأمريكا ،حيث شنوا حروب الابادة ضد الهنود الحمر مواطني البلاد الأصليين . وبعد ذلك يقول السارد ” زحت عيني باحثاً عن لونا ، صار ضوء القمر هلالاً ، فكشف عن قرية صغيرة في الهند ” ص5، وهناك رأى بيتاً خشبياً فقيراً تسكنه أسرة بائسة ، وربة البيت تطبخ العدس لأطفالها الذين ملّوه ، ولا يمكنهم أن يستبدلوه بحليب البقر أو أحد مشتقاته ، خوفاً من أن تحل عليهم اللعنة لأنهم يقدسون البقر . وفي الحوار بين المرأة وطفلها ، يقول الطفل : ” وطني يطعم ناساً وينسى ناساً آخرين ” وتقول الوالدة : ” ليس ذنب الهند ، وراء كل ألف جائع ، ثري بلا قلب ” ص6 وفي هذا نقد لاذع لبعض العادات والتقاليد والمعتقدات ، كما فيه نقد واضح للأنظمة الرأسمالية ، ولسوء توزيع الموارد الاقتصادية ، ويبدو في ذلك تأثر واضح بإجابة الفيلسوف البريطاني برنارد شو عندما أجاب عن أسباب المجاعة في العالم إن كانت ناتجة عن قلة في الموارد الاقتصادية : ” غزارة في الانتاج ، وسوء في التوزيع ” وأشار الى لحيته الكثة والى رأسه الأصلع . وبعدها أعاد السارد النظر الى الأرض وهذه المرة الى سنغافورة ، رأى فيها سانغ يو طالبة متفوقة في الصف العاشر تنحدر من أصول ماليزية ، وتقود حملة للنظافة في بلادها وهي تردد ” الذي يحب سنغافورة يحافظ على نظافتها ” ص7 وحملتها هذه قادتها الى رفع شعار ” الوطن لمن يستحقه لا لجنس أو لون أو ملّة ” ص 7 وعندما تساءل السارد ” من يستحق القمر ” ؟ ص7 جاءه الجواب ” علينا أن نكون خليطاً بشرياً مسلمين ومسيحيين وبوذيين وهندوس نستحق سنغافورة ، إنها مثل القمر ” ص7 ويجيء رد والد الطالبة سانغ يو الأستاذ الجامعي ” حياة بلا قمر كحياة بلا حساب ، بلا زمن ، وبلا رياضيات ، هل تكون سنغافورة كما هي الآن دون رياضيات ؟ ” ص 7 وواضح أن الكاتب هنا لم يأت بسنغافورة عبثاً فهذا البلد يعيش حياة اقتصادية متقدمة ولذلك أسبابه منها التعايش بين مواطنيه بغض النظر عن أصولهم العرقية أو معتقداتهم الدينية ، كما أنه يعيش ثورة علمية هي التي ساهمت في بنائه ، فإذا كان تكامل الطبيعة لا يستغني عن القمر ، فإن أساس العلوم هو الرياضيات ، ولا نهوضاً علمياً بدون الرياضيات . ويعاود السارد النظر الى الأرض مرة أخرى ، من على سطح القمر الذي أصبح بدراً ” فيرى قلب العالم .. يرى النقطة الأقرب الى السماء ” حيث عرج النبي محمد الى السماء ، كان واضحاً لي ” آه رأى مدينة ذهبية تشع حزناً ، قبة مشعة قرب كنيسة لها بريق ، جنود يدوسون الأمكنة ببساطيرهم منذ سنتين ” ص7 وهكذا فإنه يرى القدس التي مر عليها سنتان تحت الاحتلال عندما داس أول انسان سطح القمر ، يرى فيها قبة الصخرة وكنيسة القيامة ، انها تشكل قلب الكرة الأرضية ، وهي تبكي حالها ، وتعد بأنها لن تقبل غير الفلسطينيين في حضانتها لأنها ترى فيهم قمر الدنيا، ولا يمكن أن تستغني الدنيا عن القمر ،أي لا يمكن ان يستقر العالم وخصوصا الشرق الاوسط ما لم يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه، ويستذكر السارد تساؤل جولدا مائير رئيسة وزراء اسرائيل في حينه ،عندما أنكرت وجود الشعب الفلسطيني وتساءلت : أين هم الفلسطينيون ؟ لكن النتيجة كانت غياب جولدا مائير وبقاء الشعب الفلسطيني . ويتذكر الكاتب “بريطانيا التي لا يعرف أحد سرّ عظمتها ” ص8 ويرى في أحد شوارع لندن عربياً يلبس دشداشة بيضاء ويدخن النارجيلة ” وكلما مرّت شقراء قال ” قمر والله قمر ” وكأني بالكاتب يقول أن الشعوب مشغولة ببناء أوطانها ، وأثرياء العرب مشغولون بشبقهم الجنسي . ثم يجول السارد بنظره من على سطح القمر فيرى كيب تاون في جنوب أفريقيا ويرى جزيرة روبين حيث كانت قيادة حزب المؤتمر الجنوب أفريقي وعلى رأسهم نيلسون مانديلا معتقلة ، ويرى بأن قتل وسجن هؤلاء هو سجن للقمر . ويختتم الكاتب قصته بسؤال رائد الفضاء نيل أرمسترونج للسارد :” هل ترغب أن تكون حياة هنا ” ؟ فيجيب:” لا يهمني ان كان هنا حياة أم لا ، ما أرجوه أن لا تموت الحياة حيث هي الآن ” ص10 وهذا موقف انساني من الكاتب الذي يتخوف من التقدم العلمي الذي أوصل الانسان الى سطح القمر ،فربما سيكون هو المسؤول عن تدمير الحياة على الكرة الأرضية . أما في نص ( النعجة دوللي ) فهذه أقرب ما تكون الى الخاطرة ، فيها تساؤلات عن الاكتشافات والاختراعات العلمية ، وأن الاستنساخ ليس عملية خلق بل هي اختراع علمي ، وتتلخص الخاطرة بالتساؤل الذي ورد في آخرها وهو ” هل تتزاوج الرومانسية مع التكنولوجيا ” . وسأكتفي بهذين النموذجين مع التأكيد أن بعض النصوص لا تتوافر فيها شروط القص ، وبعضها يطغى عليه أسلوب الحكاية ، وبعضها يطغى عليه السرد العلمي ، وان كانت القصص فيها لغة أدبية خالطتها بعض الأخطاء النحوية، ولكننا في المحصلة أمام نصوص بعضها غير مسبوق لا بالشكل ولا بالمضمون ، ومن هنا تنبع أهمية هذه المجموعة التي تشكل اضافة نوعية للمكتبة العربية . “ورقة مقدمة لندوة اليوم السابع في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس″. 17-5-2009 وقال محمد خليل عليان: إذا كان للإبداع قواعد فنية تعتمد على الموهبة والخبرة والثقافة ودرجة امتلاك الأداة فان للنقد الأدبي أيضا قواعده ومدارسه، وهو مهمة لا تقل صعوبة عن العمل موضوع النقد، ويحتاج إلى الخبرة النقدية والثقافة الأدبية والأداة الفنية، وإلا فانه بجانبك الصواب في نقدك وتحليلك فترفع من مستوى العمل أو تقلل من شأنه. وفي البدء أقول انه طالما أننا أمام عمل خرج بهذا القدر أو ذاك عن القواعد الفنية للقصة القصيرة (وهذا ما عرف به الكاتب مجموعة أكليل من شوك) فإنني التمس العذر لتجاوز أحكام و قواعد النقد الأدبي، ولن التزم بتحليل القيمة الفنية والأدبية لهذا العمل ومكانته بين الأعمال القصصية الفلسطينية المحلية والعربية. محمد شتيه الاقتصادي الفلسطيني المعروف، والذي تولى إدارة مؤسسة بكدار لسنوات طويلة وشغل منصب وزاري في الحكومة الفلسطينية، وشارك في جانب من مفاوضات أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين، محمد شتية الذي كتب العديد من المقالات الاقتصادية والاجتماعية وشارك في تأليف موسوعة المصطلحات الفلسطينية، هذا الكاتب، الاقتصادي، السياسي (وربما المفاوض) والباحث، يفاجئ القارئ الفلسطيني والعربي بمجموعته القصصية (أكليل من شوك) ليضعنا جميعا أمام سؤال كبير وهو: هل يمكن أن يكون لرجل الاقتصاد والسياسة متسع من الوقت لقراءة الأدب وكتابة القصص القصيرة والخواطر ونصوص أدبية أخرى؟ ويزداد هذا السؤال إلحاحا في واقعنا الفلسطيني، حيث الهم الوطني الكبير والأعباء السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تثقل كاهل المسؤولين، وتجعلهم ينأون عن الاهتمام بقضاياهم الفردية واهتماماتهم الشخصية. رغم أن المجموعة عرفت نفسها بأنها مجموعة قصصية إلا أن نصوصها تتراوح بين القصة القصيرة والخاطرة ونصوص أدبية ساخرة، مما يشير إلى أن الكاتب كان يكتب النص الأدبي في مناسبات معينة، ولمعالجة فكرة ما أو تعبيرا عن هموم و هواجس وأفكار مختلفة، وفي لحظة ما جمع هذه النصوص في مؤلف واحد يعتبر من حيث الشكل والمضمون خروجا عن المألوف. وإذا كانت مجموعة أكليل من شوك قد تنوعت من حيث بناء النص، فإنها أيضا تنوعت من حيث الموضوع، فقد عالج الكاتب الكثير من القضايا الملحة التي تجاوزت المحلية لتصل الى الأممية، وكأني به يقول ان الهم الفلسطيني ليس الا جزءا من الهم العالمي الذي يثقل كاهل البشرية، وهناك في العالم اسود وابيض، غني وفقير، ظالم ومظلوم، حاكم ومحكوم، وفي قصة (نزهة على القمر) يحاول الكاتب أن يتجاوز القضية الشخصية، او لنقل المحلية وينظر إلى الأمور من خلال موشور الإنسانية. وفي مكانه على القمر يراقب ويرصد ما يجري على الارض، ليس فقط في فلسطين بل في معظم بقاع الدنيا، في الهند، سنغافورة، لندن، جنوب افريقيا وغيرها، والأرض من خلال هذا الموشور تبدو مضيئة وتعج بالحياة، ويملؤها الحب والأمل رغم ما تعتريه من تناقضات وصراعات وتناحر بين الأسود والأبيض، الفقير والغني، الظالم والمظلوم، الحاكم والمحكوم. المهم ان لا تموت الحياة حيث هي الآن وتبقى الإنسانية و يبقى الحب والعشق رمزا خالدا لهذه الحياة. حتى القارئ الذي لا يعرف الكاتب فانه لا يحتاج إلى تفكير عميق كي يدرك أن الكاتب عاش او مكث لبعض الوقت في الدول التي كتب عنها في مجموعته، مثل: سنغافورة واليابان وفرانكفورت وغيرها، وقد يقول قائل انه كان على الكاتب الفلسطيني أن يركز على الموضوع الفلسطيني وحسب باعتباره الهمّ الأكبر الذي يؤرق الكتاب المحليين، ولكن عندما تعيش أو تزور مدنا أخرى وتتأثر بها وتكتب عنها، وتتعاطف مع قضايا شعوبها، فانك بذلك تكون قد نقلت ثقافة هذه الشعوب الى القارئ العربي بكل ما يعنيه ذلك من إثراء وفائدة. ولا شك ان الكاتب الذي اظهر معرفة عميقة بعادات وثقافة الشعوب التي زارها، اكتشف الرابط الوشيج بين هذه الشعوب وشعبنا الفلسطيني الذي يناضل هو أيضا من اجل التحرر من الاحتلال البغيض. ولم يتردد الكاتب في استخدام الأسماء الأجنبية لشخوصه رغم ان شخصه كان حاضرا في كل قصة او خاطرة أو نص، وكأني به يؤكد ان الحب والحياة لا يتغيران بتغير المكان. رغم مشاغله السياسية والتزاماته الوظيفية لم يغفل الكاتب عن تناول قضايا اجتماعية لها كبير الاثر على حياتنا اليومية وثقافتنا الوطنية، فتناول بلغة جميلة ساخرة موضوع الحب على الانترنت (دبليو دبليو دوت كوم) وعيد الحب (الورد لاحمر) وقد ابدى الكاتب رأيه في هذه القضايا الساخنة بجرأة وشجاعة وبأسلوب ساخن لافت، مؤكدا على بعض القيم التي يجب ان لا تغيب عنا في ذروة التطور العلمي والتكنولوجي. واكد على سمو المشاعر الانسانية التي لا يمكن استبدالها بالتكنولوجيا. وفي (الممكن واللا ممكن) تناول الكاتب إشكالية اتفاق أوسلو، وتطرق بأسلوبه المتميز إلى الحواجز العسكرية التي تقطع أوصال الضفة الغربية، وتجعل كل جزء منها بعيدا الى ما لا نهاية عن الجزء الاخر، ولا عجب أن تكون الرحلة من فرانكفورت إلى اللد اقرب بكثير من مطار اللد إلى اقرب مدينة في الضفة الغربية. لقد تخلى الكاتب هنا عن شخصية الوزير، المفاوض، الشريك في صنع القرار وتحدث عن مساوئ الاتفاق الذي كان شريكا في صنعه. قد تبدو هذه إشكالية ومفارقة، ولكنها أيضا شجاعة وجرأة في نقد المفاوضات التي لم تسفر إلا عن سلطة متقطعة الأوصال، وحواجز عسكرية بغيضة حولت حياتنا إلى جحيم، ومصادرات للأراضي ومستوطنات وهدم منازل واعتقالات واغتيالات طالت الجميع دون استثناء. وأظن أن السياسي، الاقتصادي محمد شتيه يختلف هنا في هذه الجزئية عن محمد شتيه الكاتب المبدع، فهو في السياسية والاقتصاد يؤمن بالمناورة وفن الممكن، وفي مجال الأدب يتلمس آلام ومعاناة الشعب ويستشعرها ويتأثر بها ويقلق بشأنها. اذا قلنا ان قيمة العمل الفني عموما والقصصي خصوصا تقاس بأهمية القضية التي يعالجها، فإننا نقول وبثقة ان الكاتب في هذا العمل قد عالج قضايا وطنية وإنسانية بالغة الأهمية على حياة الشعوب وتمتع بالجرأة والانفتاح باتجاه الشعوب الاخرى اما اذا قلنا، ويجب ان نقول، بان قيمة العمل تقاس أيضا بالتقنية الفنية وقوة اللغة وجمالها، فأننا نقول وبأسف ان الكاتب لم يرق في باكورة أعماله الأدبية إلى المستوى الفني المطلوب، وكان واضحا أن هذا العمل يشكل بالنسبة للكاتب مجرد محاولات لم يمتلك لغة وأدوات صياغتها في القالب الأدبي المناسب. واذا كان الكاتب قد دخل بجدارة عالم السياسة والاقتصاد فان مشواره في عالم الأدب لا يزال طويلا وشاقا هذا إذا أسعفه الوقت ليواصل. وقال موسى ابو دويح: كتب محمد اشتيه مجموعة قصص قصيرة سماها إكليلا من شوك، بلغ عددها عشرين قصة قصيرة، . ولقد جاءت عناوين القصص لافتة للأنظار، محفزة للأذهان وداعية العقول إلى التفكير، ومطالبة القارئ ان يدقق ويتأمل مثل: نزهة على القمر، صحيح ان الإنسان قد وصل إلى القمر عام 1969م، لكن ان يتنزه على سطحه فهذا يحتاج إلى خيال وتصور غير عاديين. وكذلك قل في العناوين: (الغرق مع امرأة جميلة) و(لحن الغربان) و(الموت وقوفا) و(الموز الأعوج) و(تعرفت على وجهي) و(بوابة اللا عودة) وغيرها. بدأ الكاتب كتابه بقصته (نزهة على القمر)، حيث رافق في خياله أول طاقم للفضاء حط على القمر بقيادة رائد الفضاء الأمريكي (نيل آرم سترونج) الذي وضع علم أمريكا وآية من الإنجيل على سطح القمر عام 1969م. ولا زلت أذكر يومها أنني بكيت بكاءا مرا؛ إذ لماذا تنجز أمريكا مثل هذا الإنجاز، وخير أمة أخرجت للناس نيام، بل وتغط في سبات عميق وتتناحر وبأسها بينها شديد. أما كاتبنا فحلق بخياله مع لونا وهو على سطح القمر، كما خاطب عنترة محبوبته عبلة وهو يخوض وسط المعمعة: ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني*** وبيض الهند تقطر من دمي وكاتبنا تستغرق رحلته مراحل القمر جميعا: محاقا وهلالا وتربيعا وبدرا، ويرى في كل مرحلة من هذه المراحل أناسا وأمكنة يناسبون وتناسب مرحلة القمر؛ فهو يرى القبائل التي يتجمع شيوخها على بساط منسوج من شعر الماعز وحولهم النساء يغنين ويرقصن، والعبيد يحرسونهم، يراهم في مرحلة المحاق. ويرى قبة الصخرة المذهبة والقمر بدرا، يراها تمثل القدس جميعا حينما قال: (آه، أرى مدينة ذهبية تشع حزنا). وهذا إبداع في وصف ماضي القدس الذهبي أيام عزها ومجدها: أيام الفاروق عمر وأيام بني مروان الذين بنوا مسجدها الأقصى وصخرتها المشرفة، وأيام العباسيين وأيام صلاح الدين وأيام العثمانيين، ويرى حاضرها المأساوي في ظل الاحتلال الصهيوني حيث تشع حزنا في هذه الأيام. ويرى من على سطح القمر الهند وفقرها، وسنغافورة وعلمها وصناعاتها ونظافتها، ويرى بريطانيا التي كانت لا تغيب عنها الشمس لكثرة مستعمراتها، ومطار هيثرو وزحام طائراته. ويرى كيب تاون ونيلسون مانديلا في سجنه، ويرى ويرى، بل قل إنه رأى العالم جميعا من على سطح القمر. أما قصة الورد الأحمر ففيها من قصة فالنتاين الذي صارت ذكرى إعدامه في 14 شباط عيدا للحب. وفيها أيضا كيف صار لون الوردة البيضاء أحمر، حيث صيرت الآلهة المحب طائرا ليحلق ويطوف في البلاد حتى يأتي بوردة حمراء يهديها لمحبوبته حسب طلبها ورغبتها. ولما لم يجد الورود إلا بيضاء، أخذ واحدة منها وأدخل شوكة من غصنها في شريانه فصار دمه يتدفق إلى أوراق الوردة فصبغها باللون الأحمر، ومن يومها صار اللون الأحمر رمزا للحب الجارف. ولا مجال في هذه الندوة لمناقشة جميع قصص الكتاب، وإن كانت جميعا لها سمة واحدة، فلغتها سهلة سلسة، تشد القارئ وتجبره على متابعة ومواصلة القراءة. وفي رأيي أن الكاتب أفرط في استعمال اللغة العامية، وكان باستطاعته أن يستبدل اللغة الفصيحة بالعامية (حيث يدخل حرف الباء على المتروك) بكل سهولة ويسر، فقد كان بإمكانه أن يقول: كنت أرى العمارات الشاهقة بدل قوله: (أشوف) صفحة 58. تذكرت المرحومة جدتي التي كانت تفضل الذكور بدل قوله: “تذكرت رحمة جدتي” صفحة 59 (لاحظ اختلاف المعنيين إذا ظننت أن كلمة “رحمة” ليست عامية). كيف تكون اللعبة؟ بدل قوله ” كيف بتكون اللعبة؟” صفحة 73. هذه هي المشكلة بدل قوله “هاي هي المشكلة” صفحة 98. خالد شاب مشاغب ومرح بدل قوله “خالد شب” صفحة 112. وانهمر المطر بدل قوله “كبس المطر” صفحة 65 وهكذا. ومع كل ما في القصص من معلومات جديدة ومن سخرية لاذعة، ومن رمزية رائعة ومن نقد بناء لوضعنا السياسي المهترئ؛ إلا أنها لم تخل من أخطاء في الإملاء والنحو: كقوله: “إنشاء الله” والصحيح: إن شاء الله. صفحة 95 وقوله: “استرد بعض من قواه” والصحيح: استرد بعضا من قواه. صفحة 105 وقوله: “ليس سهلا ان يسافر عربيا الى تل أبيب” والصحيح: أن يسافر عربي. صفحة 90. وقوله: “لقد أصبحت تحتلني” والصحيح: أصبحت تحتلينني. صفحة 25. وغير ذلك. وأخيرا، قصص محمد اشتيه مثيرة وناقدة وهادفة و واخزة وساخرة، فإلى المزيد من هذه القصص يا محمد، ولكن جنبها العامية واكتبها بلغة فصيحة خالصة. أمّا الأديب ابراهيم جوهر فقد قال: محمد اشتية، ما الذي أتى بك للّعب في حارتنا وعلى ساحتنا ؟؟ لماذا غادرت ميدان البناء والأعمار والأقتصاد وجئت الى ميدان الكلمة والأدب والدلالة والشقاء ؟ لماذا تركت ميدان الوضوح والمال وجئت الى ميدان الرموز والخيال والأحلام الوردية التي نحياها تارة بالتصريح وأخرى بالتلميح. جئتنا تحمل اكليلا من الشوك… الله الله !!ما هذه الهدية يا محمد اشتية ؟ محمد اشتية نرحب بك في عالم الصدق والجمال ، حيث لا حدود ولا قيود . هنا تحلم ولا تجامل . هنا لاديبلوماسية ولا مداورة . الصدق مع الذات هنا هو الذي يدفع الكلمات لتخرج الى ساحة العلن والبهاء والنقاء (( اكليل من شوك )) مجموعة قصص قصيرة أ صدرتها الدار العربية للعلوم – ناشرون – سنة 2008 لكاتبها محمد اشتية . المجموعة جاءت لتقول شيئا أو أشياء جديدة على صعيد المضمون ، ولتضيف لونا جديدا ، أو تجريبا على صعيد الشكل واللغة ، لنكتشف أننا أمام كاتب جريء عارف لما يريد ، مساير لحركة التغيّر السريع الذي يعصف باستقرار مجتمعنا ومعارفه وحتى قيمه وعاداته . من هنا جاء – مثلا – عنوان غريب ولطيف ومشوّق على الصفحة 23 ( دبليو دبليو دبليو دوت كوم ) لينسجم العنوان والمضمون في ايحاء واضح يشير الى الأنسان المعاصر الذي صار ت الآلة أقرب (( الناس )) اليه فتألّل !! وهذا الذكاء في التناول يثير الأعجاب ويعبر عن الواقع ، هذا الواقع الذي كان خزان أفكار الكاتب ومضامينه في قصصه العشرين . ( اكليل من شوك ) عنوان هذه المجموعة القصصية الشامل ، اذ لم يختر الكاتب عنوان احدى القصص ليعممه على بقية قصصه ، كما جرت العادة ، بل جاء عنوان وصفي موح وغريب . انه عنوان صادم ذو دلالة ؛ اكليل من شوك !! انه يصف أثر الشوك ، وخزه ، ألمه ، انتقاده … لم يقل ( باقة ) فالباقة تطلق على مجموعة الورود . ولم يقل ( اكليل) من الورد ، فالأكليل يحمل في الجنازة ويوضع على قبر المتوفّى ، بل قال : ( اكليل ) وهنا رائحة الموت ( من شوك ) وهنا معنى الوخز والخيبة والدمار والضياع والعبثية واللا معقول !!! اكليل من شوك ، عنوان يستوقف القارىء فيحيره ويدفعه لمتابعة القراءة ؛ عنوان مشوق ودالّ وناجح . والعنوان يستدعي تساؤلات سريعة تتوارد : هل هي الحياة / الخدعة ؟؟ أم هي الأحلام المتبخرة ؟؟ أم اكتشاف الكذبة الكبيرة ؟؟ أم ماذا ؟؟ فماذا حملت القصص ( الشوكية ) من مضامين ؟ وما الجديد فيها ؟ وأين أصاب كاتبها ؟ وأين أخفق ؟ تتوزّع مضامين ( اكليل من شوك ) على العالم بأسره كوطن للأنسان ، وهي تستعرض الأنسان ذاته بسلبياته وايجابياته ،وبرومانسيته وأحلامه ، وبظلمه وقسوته الوحشية وساديته . تستحضر الأنسان المقموع / المظلوم / المحتل / الحالم بلقاء طبيعي ّعاديّ انسانيّ ، في مقابل القامع / الظالم / المحتل / الحالم بالقضاء على الآخر . تتصارع المضامين وتتقابل وتتوازى ، فهي قائمة على الثنائية الضدية المتواجهة والمتصارعة . لغة المجموعة جاءت متماوجة بين اللغة القصصية الفنية تارة ، ولغة المقال التقريرية أحيانا ، ولغة العلم الجافة ، أحيانا أخرى . فيها اللغة الفصيحة الشعرية المعبأة بالدلالات والأيحاءات ، وفيها اللغة المحكية الدارجة . لقد أخذت من الأساطير والأخبار مباشرتها ، ومن الشعر ايقاعه وروحه و وفاءه وحميميته . وقد تأطّرت بهموم الأنسان اطارا عاما لها ، وغاصت في تفاصيل انسانية صغيرة ، ومظاهر اجتماعية ثقلفية تغريبية . الأنسان هو محور هذه المجموعة ؛ طفلا ، مثقفا ، مسافرا ، مقيما ، صاحب الأرض والحقوق ، والوافد الغريب السادي … تنويعات انسانية عديدة لحالات قريبة وبعيدة تدور جميعها في الفلك الأنساني العام . (( ما أرجوه أن لا تموت الحياة حيث هي الآن )) _ ص 10 _ هي جملة النهاية في قصة ( نزهة على القمر ) وهي تلخص فكرة المجموعة جميعها : الدعوة لئلاّ تموت الحياة حيث هي الآن / على الأرض، وما المضامين التي احتوتها القصص العشرون الاّ تنويعات وتفصيلات لهذه الجملة بأبعادها وظلالها . والكاتب يكثّف نهايات قصصه ، وكأنه يقول : العبرة في النهاية ، أو أنه يلفت النظر الى هدفه وغايته ، فالنهاية عنده تشبه نظام ( الخرجة ) في الموشح الأندلسي الذي يهتم به الوشّاح لأنه آخر ما يقرع أذن السامع . أما جملة النهاية لدى اشتية فهي آخر ما تمرّ عليها عين القارىء . ومن أمثلة الجمل الختامية للقصص ، ما جاء في نهاية قصة ( الغرق مع امرأة جميلة ) : ( ما أحلى أن تكون مع جميلة ولو في قاع محيط ) _ ص15 _ ونهاية قصة ( دبليو دبليو … ) حين تأمر فتاة (النّت ) فتاها : مكانك قف _ ص 30 _ ، وهي القصة التي تستعرض حال جيل اليوم المتسمّر أمام الشبكة العنكبوتية متخلّيا عن البيئة والناس ومصادقا الآلة . وفي نهاية قصة ( مصارعو السّومو) يودّع بطل القصة المدينة اليابانية بجملة ختامية ذات دلالة تستحضر مدنا تفتح أبوابها لمن لا يستحقون دخولها ، ( وداعا ايتها المدينة التي لا تتعرى الاّ لمن وضع نفسه في خدمتها _ص 62 _ ولو لم يكتب في القصة الا هذه الجملة لكفته !! لعمق دلالتها وايحاءاتها ولوجود معان قريبة لمرادها . أرأيت جمال الأ دب ؟! أما نهاية قصة ( النعجة دوللي) حيث تضيع اللحظة الرومانسية الجميلة المنتظرة ، رمز الحياة والهدوء والبساطة والجمال ، في ثنايا الأختراعات ، يسأل الراوي غير محدد الأسم محاوره الآخر غير محدد الأسم أيضا : ( هل تتزاوج الرومانسية مع التكنولوجيا ؟ النعجة دوللي أخذت عقلك ! قوم يللا ) – ص 83 – وهنا يضع الكاتب هذين المحورين في مقابلة غير متوازية ويبيّن أحدهما على الآخر ، وهذا امتداد للصراع الذي بدأه بين الأرض والقمر / والأنسان واحتلال الحرية / الصغائر من الأمور والعظيم منها / رقعة الشطرنج والدنيا … ويعرّج الكاتب علىموضوعة المرأة وموقف الرجل منها . فقصة الممكن واللاممكن تنتهي في ص 100 بجملة ( يعني معقول نمشي وراء امرأة حتى لو في ايدها الحل ؟) ، أما قصة بوابة اللاعودة فينهيها بجملة ( سأواصل البحث ) ص134 ، أي البحث في سبب سكوت البشر عن جرائم البيض ضد أهل أفريقيا . ويظهر الكاتب هموما ثقافية فلسفية ذات عمق محفّز على التفكير وهدف داع الى التثقيف ، فجاءت بعض المضامين فلسفية الطابع الى جانب المضامين الوطنية والسياسية والأجتماعية . محمد اشتية في اكليل شوكه يفاجئنا كقراء مرتين ؛ مرة بأسلوبه وعمق طرحه وتناوله وجرأة انتقاده ، ومرة بتعرفنا عليه أديبا ذا حسّ جمالي لم تشوّهه لغة الأرقام وأفكار الأقتصاد . وكما يجمع في شخصيته هذين الجانبين ، فاننا قد وجدنا انعكاس ذلك واضحا في اكليله هنا . وقد شارك في النقاش كل من :سمير الجندي،نسب اديب حسين،خليل سموم،محمد موسى سويلم وسامي الجندي.



اترك تعليق