ندوة اليوم السابع تحتـفل بيوم الثقافة الفلسطينية وتحيي ذكرى مولد محمود درويش

Jul 21

القدس:11-3-2010خصصت ندوة اليوم السابع الدورية الاسبوعية في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس الشريف جلستها هذا المساء لاحياء ذكرى مولد الشاعر الكبير الراحل محمود درويش،المولود في 13-3-1941في قرية البروة قضاء عكا،والذي اعتبر يوما للثقافة الفلسطينية. اعطى مشرف الندوة جميل السلحوت كلمة البداية للطالبة الجامعية آية ابراهيم جوهر فقالت: ” قهوة درويشية ” لا أزال حتى هذه اللحظة … أتجرّع بحسرة ومرارة … فكرة أن شاعر الوطن وسيد الكلمة “محمود درويش” لم يعد بيننا … إنه فراغ روحي … يشبه فقد جزء من الذاكرة … فبغيابه … مساحة الحزن قد ازدادت … والأرصفة والشوارع الداخلية للروح باتت تفتقد وقع صوته يقول : “من أنا لأخيّب ظن العدم” ؟ رحل درويش ورحلت معه أحلامي بإمكانية مقابلته يوما ما … أصبت بخيبة أمل … لكنّ التفاؤل عاد ليزور أفكاري التي تشتت وتبعثرت بغيابه … فقد وقعت يداي على كتاب “سنكون يوما ما نريد” من إصدار وزارة الثقافة الفلسطينية … والذي يتحدث في جزء منه عن السيرة الدرويشية … شعرت أنني أتحدث مع درويش … أزوره في بيته وأقرأ كتبه … ولكم كانت سعادتي غامرة عندما قرأت العنوان الفرعي التالي:”عالم القهوة” … عالم القهوة ؟ ؟ نعم … فدرويش … مبدع بقدر عشقه لهذا المشروب … وهي التي يصفها بالمخدّر الذي ينبّهه كلّ صباح . وأجمل ما في الأمر … أنني شممت رائحة قهوته … راقبت خيوط بخارها واحتسيتها أيضا … علّمنا محمود درويش كيف كان يصنع قهوته … وها هي الوصفة: « ملعقة واحدة من البن المكهرب بالهال … ترسو ببطء على تجاعيد الماء الساخن، تحركها تحريكاً بطيئاً بالملعقة، بشكل دائري في البداية، ثم من فوق إلى تحت. ثم تضيف إليها الملعقة الثانية، تحركها من فوق إلى تحت ثم تحركها تحريكاً دائرياً من الشمال إلى اليمين، ثم تسكب عليها الملعقة الثالثة، بين الملعقة والأخرى أبعد الإناء عن النار ثم أعده إلى النار. بعد ذلك «لقّم» القهوة أي املأ الملعقة بالبن الذائب وارفعها إلى أعلى ثم أعدها عدة مرات إلى أسفل، إلى أن يعيد الماء غليانه، وتبقى كتلة من البن ذي اللون الأشقر على سطح الماء، تتموج وتتأهب للغرق، لا تدعها تغرق، أطفئ النار ولا تكترث بالصواريخ … خذ القهوة إلى الممر الضيق … صبها بحنان وافتنان في فنجان أبيض … فالفناجين داكنة اللون تفسد حرية القهوة … راقب خيوط البخار وخيمة الرائحة المتصاعدة … أشعل سيجارتك الآن … السيجارة الأولى المصنوعة من أجل هذا الفنجان». هذا هو الإبداع الحقيقي … أن ترسم بالكلمات ما تفكـّر به … كي يعيش معك القارئ … ويشعر بنصـّك … ويصبح جزءا منه . نفتقد درويشا … نفتقد حضوره المتألّق في مسارح باريس وقصر الثقافة في رام الله … لقد ذهب مبدعنا ليكمل الغياب الذي نقصه … لكنّ قهوته ستسكننا برائحتها وبخطوط بخارها إلى الأبد … كما يسكننا هو بكلّ تفاصيله … فشكرا لك درويش على كرم ضيافتك وعلى كلّ شيء. وقدم الشاعر الدكتور وائل ابو عرفة الورقة التالية: هكذا تنتهي القصص…..هكذا تبدأ د. وائل أبوعرفة كنت في حيرة من أمري، ماذا سأقول في هذا المساء . كي أبتعد قليلا عن أجواء الرثاء، والغوص في أحواض البكائيات،فهل نحن في أجواء احتفالية للميلاد يقضي صاحبها في حضرة الغياب، أم في وقفة للبكاء على أطلال ذكرى الوداع? فما بين لحظة الميلاد وسيمفونية الفراق، تتأزم أسئلة الشعر وإشكاليات خطاب الثقافة، لنصبح على مرمى تفاحة من ميلاد الروح واندثار الجسد،ناظرين بعين الريبة إلى تضاريس المنفى وحدود الغياب، فعلى مدى سنوات طويلة من عشقي المتناهي للشعر، وجدتني دون إرادة مني مترنحا بين آلاف القصائد ومئات الشعراء العزيزين على قلبي، من سيد شعراء العربية أبي الطيب المتنبي، وحتى آخر العمالقة محمود درويش، وما بين هذا وذاك، كان ارتباطي الروحي إلى درجة المقدس، المتغلب على غريزتي الشعرية، بكثير من الفرسان الذين أدموا قلبي بغيابهم عن ميدان الفروسية كل على طريقته، فكثيرون هم الذين أغلقوا الباب وغادروا المكان في بداية هذا القرن دون استئذان من أحد: (عبد الوهاب البياتي، ممدوح عدوان، محمد الماغوط، محمد القيسي، فدوى طوقان، نازك الملائكة، فتحي سعيد، وغيرهم وغيرهم)،ومن بين هؤلاء جميعا، كان لي الشرف الكبير وربما عن طريق المصادفة، أن أكون على علاقة خاصة، على المستويين الشعري والإنساني، بثلاثة من أقانيم الشعر والإبداع على مدى نصف قرن من الزمن،تعرفت شخصيا على أمل دنقل، هذا الشاعر الصوفي الفقير، في إحدى أمسيات نجيب محفوظ في مقهى ريش في القاهرة، وتتبعت كل نتاجه الرائع حتى آخر ما أبدعه في أوراق الغرفة رقم ثمانية في المعهد القومي لعلاج الأورام حيث كان يصارع المرض في صمت مخيف، ويكتب رائعته الخالدة لا تصالح، رأيته حينها هناك في نظرة ألم أخيرة، ودع بعدها الحياة، لأهدي إليه بعد ذلك بعشر سنين قصيدتي المتواضعة(رسالة لم يقرأها كليب ). ومن بين الذين نزفوا قصائدهم بصمت ومرارة، ولم توفه الأوساط الثقافية حقه لا حيا ولا ميتا، كان الشاعر الفيلسوف عبد اللطيف عقل، لقد كان أبو الطيب فيلسوفا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وصاغ شعره بيتا بيتا بقطرات من دمه دون مواربة أو مداهنة، وهو القائل بعنفوان الشاعر:(هو الشعر حين يقاتل يزهو، وحين يداهن يكبو، وحين ينافق أقسى من الطعن في الخاصرة)،تعرفت إليه وأنا في سنوات الصبا، وودعته وأنا في سنوات الشباب، وما بين اللقاء الأول والوداع الأخير حفظته وحفظت شعره عن ظهر قلب، استضفته في آخر أمسية له في نقابة الأطباء، كانت أمسية مفعمة بحرارة الشعر وصدق الكلمة، وسط حضور كثيف يليق بشاعر أبدع في تلك الليلة بكل ما آتاه الشعر من قوة وعزيمة، اتصل بي بعد يومين من تلك الأمسية ليسألني إذا ما كان قد نسي نظارتيه على المنصة، فأجبته بأنهما لدي وسآتي بهما في أقرب فرصة إلى مسرح السراج الذي كان يعكف على تأسيسه وترميمه، إلا أنني بعد هذين اليومين كنت أمشي حزينا في وداعه الأخير في قريته الوادعة (دير استيا)، مرددا قول محمود درويش(طوبى لشيء لم يصل). أما ثالث هؤلاء، فهو الذي نجلس اليوم في ذكراه، شاعر ملأ الدنيا وشغلها على مدى نصف قرن من الشعر والإبداع، في معهد العالم العربي في باريس، تعرفت شخصيا على محمود درويش،كانت تلك إحدى أمنياتي منذ حفظت قصائده وأنا تلميذ في المرحلة الثانوية، لمحته عن بعد وظننت أنني سألقى صعوبة بالحديث إليه، إلا أنني وجدت نفسي أحتسي معه القهوة على ضفاف السين برفقة أحد الأصدقاء العاملين في المعهد،كانت السماء صافية صفاء عاصمة النور، وكان السين هادئا أزرق يبعث في النفس شعورا بالحرية والأمل،تحدثنا كثيرا عن الشعر، الحداثة، وما بعد الحداثة، وكم كانت مفاجأة له أنني أحفظ الكثير من شعره عن ظهر قلب، حيث قال ممازحا:كأنك أنت قائل هذه الأبيات وأنا أستمع إليها لأول مرة، كم كان دمثا ومتواضعا وقليل الكلام إلى حد التصوف، لم يذم شاعرا ولا كاتبا مهما قل شأنه، أحب مثلي أمل دنقل وسعدي يوسف وسليم بركات، وتحدث كثيرا عن جده الأول أبي الطيب المتنبي، تحدثنا عن جغرافيا الوطن وعما تبقى مما كانت تسمى فلسطين. كانت الأسئلة كثيرة وكبيرة، كان غاضبا على ما تم الاتفاق عليه لحل قضية ساخنة في أبرد عواصم أوروبا، فكان مترددا بالعودة إلى ما سمّاه لاحقا، المتاح من الوطن، حيث قال فيما بعد:أتيت ولكن لم أصل، رجعت ولكن لم أعد، بعد أمسيته الأخيرة الاستثنائية في قصر الثقافة في رام الله، اتصل بي قائلا: بحثت عنك ولم أجدك بين الحاضرين، اعتذرت لعدم حضوري بسبب انشغالي المهني، ولكنني ما زلت حتى هذه اللحظة نادما لعدم حضوري لأمسية درويشية كيف لي أن أعلم أنها ستكون الأخيرة؟ سافر محمود بعدها في رحلة اللاعودة بعد أن ودع أهله وأصدقاءه، ليعود لنا كما قال في بداياته، في كفن، كان لنبأ الرحيل على نفسي وقع الصاعقة، بكيت بكل أحاسيسي وجوارحي، ولا أذكر أنني بكيت على ميت كما بكيت في تلك اللحظة على محمود درويش، وبكيت مرة أخرى عندما رأيت شلة الانتهازيين والمتسلقين يتباكون عليه، ويتاجرون بأشعاره وهم الذين لم يقرأ أي منهم بيتا واحدا من شعره، فتذكرت قول نزار قباني في رثاء عبد الناصر(وراء الجنازة سارت قريش فهذا هشام وذاك زياد). بعد الجنازة ، قفلت عائدا إلى القدس حزينا كئيبا، أردد في نفسي ما قاله فضل النقيب في رثاء غسان كنفاني: (هكذا تنتهي القصص هكذا تبدأ). المتتبع لشعر درويش، يدرك للوهلة الأولى أنه ولد شاعرا بامتياز، وهبته لنا الطبيعة خادما للشعر منذ السطر الأول في أوراق الزيتون، وحتى آخر سطر في قمة الإبداع والحداثة الحقيقية في لاعب النرد، ففي أوراق الزيتون الصادر سنة 1964، حدد هويته الأدبية ومفهومه لرسالة الشعر غير المجانية برسالة إلى القارئ: غضب يدي غضب فمي ودماء أوردتي عصير من غضب يا قارئي لا ترج مني الهمس لا ترج الطرب هذا عذابي ضربة في الرمل طائشة وأخرى في السحب حسبي بأني غاضب، والنار أولها غضب في هذا الديوان كما في الذي تلاه(عاشق من فلسطين-1966)رسم لنفسه درب البدايات، حيث كانت قصائده ملائمة لشاعر شاب مليء بالوطنية والتحدي، وهو الذي ما زال يمسح عن كاهليه غبار وآثار النكبة، فكانت قصائده تحريضية بوضوح مما عرضه للاعتقال والملاحقة المتكررة حتى نزوله عن الكرمل مغادرا فلسطين الوطن سنة 1970. آمنت بالحرف نارا لا يضير إذا كنت الرماد أنا أو كان طاغيتي فإذا سقطت وكفي رافع علمي سيكتب الناس فوق القبر لم يمت وقوله أيضا: قصائدنا بلا لون بلا طعم بلا صوت إذا لم تحمل المصباح من بيت إلى بيت وان لم يفهم البسطاء معناها فأولى أن نذريّها ونخلد نحن للصمت. كتب إلى أمّه من السجن، وأعلن تحديه للجلاد، وذاق طعم الحرمان والتشرد، فلم يكن كما حاول البعض أن يشوه تاريخه وموهبته، شاعرا مرفها أفاد من قضية شعبه ليصنع تاريخه الشخصي، وهو القائل في بداياته: شدّوا وثاقي وامنعوا عني الدفاتر والسجائر وضعوا التراب على فمي، فالشعر دمّ القلب، ملح الخبز، ماء العين، يكتب بالأظافر والمحاجر والخناجر سأقولها في غرفة التوقيف، في الحمّام، تحت السوط، تحت القيد، في عنف السلاسل مليون عصفور على أعناق قلبي، يخلق اللحن المقاتل. كان لعدوان وحرب ال 1967 أثر بالغ عليه كما على غيره أبناء الشعب الفلسطيني كافة، مما شكل نقطة تحول في خطابيه الشعري والوطني. نشر ديوانه الثالث (آخر الليل) إهداء إلى مدينة القدس، وفيه عمّق إيمانه بالثورة الجديدة رافضا الخنوع والاستسلام والرجوع كغيره من الأدعياء: وليكن.. لا بد لي أن أرفض الموت وأن أحرق دمع الأغنيات الراهفة وأعري شجر الزيتون من كل الغصون الزائفة فإذا كنت أغنّي للفرح فلأن العاصفة وعدتني بنبيذ وبأنخاب جديدة وبأقواس قزح وكانت قصيدته الرائعة إلى فدوى طوقان: نحن حل من التذكار فالكرمل فينا وعلى أهدابنا عشب الجليل لم نكن قبل حزيران كأفراخ الحمام ولذا لم يفتت حبنا بين السلاسل نحن يا أختاه من عشرين عام لا نكتب أشعارا ولكنّا نقاتل بعدها كان النزول عن سفح الكرمل، والرحيل القسري إلى حدود المنافي المختلفة، ليكون السفير المتجول الحقيقي لفلسطين، حاملا هموم شعبها وعبء قضيتها، مخاطبا إنسانية الذين تبلد فيهم الإحساس، رافعا صوت الفقراء والمحرومين: نحن لا نسمع شيئا، قد سمعنا ألف عام وتنازلنا عن الأرصفة السمراء كي نغرق في هذا الزحام ونريد الآن أن نرتاح من مهنتنا الأولى، نريد الآن أن تصغوا لنا، فدعونا نتكلم: نضع الليلة حدّا للوصاية دمنا يرسم في خارطة الأرض الصريعة كل أسماء الذين اكتشفوا درب البداية كي يفروا من توابيت الفجيعة فدعونا نتكلم ودعوا حنجرة الأموات فينا تتكلم كان لنزوله عن الكرمل انطلاقة كبيرة في صياغة مدلولات الشعر العربي الذي ساهم في وضعه على خريطة الشعر العالمي دون منازع، وفي حديث لجريدة المجاهد الجزائرية بعد وصوله القاهرة بأيام، قال بلغة الشاعر: ارحمونا من الحب القاتل، أن أسوأ ما يمكن أن يقدمه شاعر لقضية عظيمة، هو أن يكتب لها شعرا رديئا، وهناك يسأل نفسه(في القاهرة الساحرة، تحلم بأنك في الجنة، فتقوم في الليل وتفتح النافذة، لتتأكد من صحة الأبدية كلما رأيت النيل، لكن، لماذا نزلت عن الكرمل؟). ويصرخ في وجه المنافي التي اعتاد عليها كما عشقته واعتادت عليه: أحب البلاد التي سأحب أحب النساء اللواتي أحب ولكن غصنا من السرو في الكرمل الملتهب يعادل كل خصور النساء وكلّ العواصم أحب البحار التي سأحب ولكن قطرة ماء على ريش قبرة في حجارة حيفا تعادل كل البحار أدخلوني إلى الجنة الضائعة سأطلق صرخة ناظم حكمت آه يا وطني. في بيروت كان للشعر عند درويش مذاق آخر، وكانت تحولات اخرى بقدر التحولات التي فرضتها المرحلة الفاصلة من تاريخ الثورة والقضية، لم يكن راضيا عن كل شيء، ولم يكن تابعا لأي شيء، كتب لبيروت وعنها، رثى ثلة من الشهداء وبكاهم، كان مهموما بالوطن حاملا كعادته عبء القضية، وكان بحق شاعر المهمات الصعبة، في بيروت كتب تلك صورتها وهذا انتحار العاشق، وكتب أعراس الذي وصف فيه الحرب بكل بشاعتها، ولم يداهن أو يساوم لا موقفا ولا شعرا حين أطلق قصيدته الاستثنائية أحمد الزعتر: أحمد الآن الرهينة تركت شوارعها المدينة وأتت إليه لتقتله ومن الخليج إلى المحيط من المحيط إلى الخليج كانوا يعدون الجنازة وانتخاب المقصلة أنا أحمد العربي فليأت الحصار جسدي هو الأسوار فليأت الحصار وأنا حدود النار فليأت الحصار وأنا أحاصركم أحاصركم وصدري باب كل الناس فليأت الحصار إلى أن كان الخروج من بيروت والذي توجه بقصيدته التسجيلية الوثيقة مديح الظل العالي، (ولولا هذه الدول اللقيطة لم تكن بيروت ثكلى) واعترافه بأخطاء الثورة التي تأكل أبناءها: (وسأعترف بجميع أخطائي وما اقترف الفؤاد من الأماني ليس من حق العصافير البكاء على سرير النائمين.) ( صبرا برا تقاطع شارعين على جسد صبرا نزول الروح في حجر وصبرا لا احد صبرا هوية عصرنا حتى الأبد). ( يبذل الرؤساء جهدا عند أمريكا لتفرج عن مياه الشرب كيف سنغسل الموتى ويسأل صاحبي: وإذا استجابت للضغوط فهل سيسفر موتنا عن دولة أم خيمة؟ قلت انتظر، لا فرق بين الرايتين). يصور الخروج الثاني من بيروت، يرفض الخروج، لان بيروت ليست حيفا، وكان عليه أن يقول ذلك هناك، فيخجل من تصويب الخطأ بالخطأ، بأنه لن يخرج عن طريق البحر، ( بوسعك الآن أن تحصي دقات القلب، في الوداع الحزين لثورة تبحث عن طريق أبعد، للوصول إلى أرضها التي كانت على مرمى تفاحة). ( في السيارة ذات الحصانة الدبلوماسية، التي هربتك من بيروت إلى دمشق، قال لك السفير الليبي: لو عرفت جزءا مما أعرف، لكفرت باللغة العربية، قلت له شكرا، وشرقت بأحرف العلة، ولم تبك هذه المرة، لأن الدمع والنار لا يجتمعان في عين واحدة، ولا في عبارة واحدة). بعد بيروت كانت مرحلة من المنافي البعيدة ما بين فيينا وباريس، وترحالا مؤقتا في بعض عواصم العرب التي عاتبها بعد الخروج قائلا:( وأمد أضلاعي فيهرب من يدي بردى، وتتركني ضفاف النيل مبتعدا، وأبحث عن حدود أصابعي في الأرض، فأرى العواصم كلها زبدا). في فترة المنافي الثانية، كتب درويش ما يمكن وصفه بأجمل قصائده وأشعاره، من حصار لمدائح البحر 1984 ، وحتى أحد عشر كوكبا مرورا بهي أغنية وورد أقل (1986) وأرى ما أريد (1992). في هذه الكوكبة كانت هناك مراجعة للتجربة وحسابا للنفس واستذكارا للشهداء ورفاق الدرب الغائبين، مراثي مطولة لعز الدين القلق، وماجد أبو شرار، ومعين بسيسو. وقصائد كثيرة مفعمة بالحزن والأمل هي الأكثر شيوعا وترديدا على لسان قرائه ومحبيه: – على هذه الأرض ما يستحق الحياة – ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا – وما زال في الدرب درب وما زال في الدرب متسع للرحيل – أنا من هناك ولي ذكريات – عندما يذهب الشهداء إلى النوم أصحو، وأحرسهم من هواة الرثاء، أقول لهم تصبحون على وطن. كان رثاؤه لماجد أبو شرار ملحمة فلسطينية خالصة، تطرق فيها إلى صديقه وتوأمه، راجع فيها حدود الوطن المفقود في صراعات اللغة وهوامش الانكسار، ودعا إلى وحدة الدم والجسد، في وقت كانت فيه بوادر الانقسام واقتتال الإخوة على أشدها، وكان أيضا لقاؤه الأول مع جراحة قلبه المتعب: صباح الخير يا ماجد صباح الخير قم اقرأ سورة العائد وحث السير إلى بلد فقدناه بحادث سير صباح الورد يا ماجد صباح الورد قم اقرأ سورة العائد وشد القيد على بلد حملناه كوشم اليد إلى قوله: تجمع أيها الدم الفلسطيني في واحد تجمع واجمع الساعد لنكتب سورة العائد بعد عودته إلى المتاح من الوطن، كانت عشر سنوات من الشعر والإبداع اللامتناهي في سباق مع الزمن، أصدر خلالها كما هائلا من المشاعر والأحاسيس المتصارعة في بوتقة اللغة، راجع ذكريات التشرد والخروج والمنافي، أرّخ للهجرة والتهجير وضياع الوطن، تحدث عن مآسي المرحلة بوضوح، رثى نفسه قبل الرحيل، تحدى الموت مرة أخرى بعد لقائه الثاني مع جراحة القلب المنهك في جدارية لا أجمل ولا أروع، ورثى كثيرا من الغائبين قبله في نثريات أقرب ما تكون إلى الشعر( توفيق زياد، إميل حبيبي، ممدوح عدوان، إبراهيم أبو لغد، ادوارد سعيد، وسليمان النجاب). في هذه السنوات العشر كان ميلاد سرير الغريبة، المجموعة التي اختلف النقاد والقراء في تفسير مكنوناتها، مجموعة تخلط ما بين الغريبة المنفى، والغريبة الحبيبة، فيها كانت ذاكرة المنفى هي البديل لذاكرة الوطن في حضن الحبيبة الغريبة: صرنا خفيفين مثل منازلنا في الرياح البعيدة صرنا صديقين للكائنات الغريبة بين الغيوم وصرنا طليقين من جاذبية أرض الهوية فماذا سنفعل من دون منفى وليل طويل وفي سرير الغريبة يكتب أيضا عن الحب والرومانسية كما عنه في مطولته الرومانسية الرائعة، يطير الحمام، فمن قال أن الشاعر الفلسطيني ليس من حقه أن يجلس على تلة ويتأمل الغروب، وأن يصغي إلى نداء الجسد أو الناي البعيدة، إلا إذا ماتت روح المكان في روحه، وانقطع حبل السّرة بينه وبين فطرته الإنسانية. بكوب الشراب المرصع باللازورد انتظرها على بركة الماء حول المساء وزهر الكولونيا انتظرها بصبر الحصان المعد لمنحدرات الجبال انتظرها بذوق الأمير الرفيع البديع انتظرها بسبع وسائد محشوّة بالسحاب الخفيف انتظرها تحدث إليها كما يتحدث ناي إلى وتر حائف في الكمان، كأنكما شاهدان على ما يعد غد لكما وانتظرها ولمّع لها ليلها خاتما خاتما وانتظرها إلى أن يقول لك الليل لم يبق غيركما في الوجود فخذها برفق إلى موتك المشتهى وانتظرها. في أعماله المتميزة الأخيرة، بدا في سباق مع الزمن، خشية أن يفاجأه الموت قبل إكمال مشروعه الشعري الوطني الرائد، مكثفا كل أدواته الإبداعية الخلاقة، خصوصا في مجموعتيه الاستثنائيتين بلا منازع: لا تعتذر عما فعلت وكزهر اللوز أو أبعد، وحتى آخر أعماله النثرية الأقرب إلى الشعر منها إلى النثر، في حضرة الغياب وأثر الفراشة والقصيدة الأخيرة التي سرد فيها سيرة حياته بامتياز، لاعب النرد. أرّخ للقضية، تحدث عن النكبة، عاد بنا إلى الوراء كي لا ننسى، مر بنا عبر كل المنافي القريبة والبعيدة، وصف لنا يوميات الحصار فيما تبقى لنا من وطن، أفهمنا أننا لسنا ملائكة كما ندعي واستراح إلى الأبد. ( أسرجوا الخيل، لا يعرفون لماذا ولكنهم أسرجوا الخيل في آخر الليل، وانتظروا شبحا طالعا من شقوق المكان). لم يكن ذلك الطفل يعرف حينها، معنى المكان، ولا تفاصيل اللغة، ولا جهة الرحيل عندما أتت الشاحنات من البحر، لحمله ومن معه إلى المجهول، كان يعرف أن هذا المكان الوطن، إنما هو رائحة التبغ حول عباءة الجد، ورائحة القهوة الأبدية، وصهيل الحصان، وساحة لعب يفكر بالرجوع إليها حالما تهدأ العاصفة. ( سنرجع حين يعود الجنود إلى أهلهم في البعيد ومن يسكن البيت من بعدنا يا أبي ؟ سيبقى على حاله مثلما كان يا ولدي لماذا تركت الحصان وحيدا؟ لكي يحرس البيت يا ولدي فالبيوت تموت إذا غاب سكانها) هنا تبدأ ملحمة المنافي والشتات، في ذاكرة الطفل الذي ولدته أمه عند البئر، أما الرياح فهي التي ربته بعد أن خرج من دائرة الجاذبية إلى دائرة الفضاء اللانهائي البعيد: ( هل سنبقى إذا ههنا يا أبي؟ تحت صفصافة الريح، بين السماوات والبحر ؟ يا ولدي كل شيء هنا سوف يشبه شيئا هناك. سنشبه أنفسنا في الليالي. ستحرقنا نجمة الشبه السرمدية. في لماذا تركت الحصان وحيدا، الديوان المفعم برائحة الأمل والمأساة، وفي كل كلمة وسطر، يبعدنا درويش من جاذبية الوطن، ويقربنا منه بقدر ما نبتعد عن دائرة المنفى ونقترب من دائرة الحلم الأبدي، ليصير كل شيء هناك شبيها لكل شيء هنا. ( سنقطع عما قليل غابة البطم والسنديان الأخيرة هذا شمال الجليل ولبنان من خلفنا، والسماء لنا كلها، من دمشق إلى سور عكا الجميل هل تعرف البيت يا ابني؟ – نعم يا أبي، خلف خروبة الشارع العام، درب صغير يضيق بصبارة في البداية، ثم يسير إلى البئر أوسع أوسع، ثم يطل على كرم عمي جميل وهل تعرف البيت يا ابني؟ – مثلما أعرف الدرب أعرفه، ياسمين يطوق بوابة من حديد ودعسات ضوء على الدرج الحجري، وعباد شمس يحدق فيما وراء المكان، ونحل أليف يعد الفطور لجدي على طبق الخيزران وفي ساحة البيت بئر وصفصافة وحصان) . بعد هذا السرد الملحمي يعود درويش في حركة دائرية إلى محيط جاذبية المكان، بعد رحلة سندبادية تعدت كل المسافات الممكنة، ليدخل من النافذة الخلفية لما أتيح له من بقايا وطن، حيث قابل نفسه بفجيعة أبي تمام – لا أنت أنت ولا الديار هي الديار- وكأن الوطن في هذه المرة هو الوجه الآخر للمنفى، قريبا من القلب، بعيدا عن العين، كزهر اللوز أو أبعد، فمن ذاكرة المنافي، إلى خريطة المكان والهوية، يرسم سيرتنا الهلالية بأحرف من دمع ودم، ويطوف بنا في مجازات أكبر من كل المقامات المتناثرة على هوامش التاريخ، راثيا نفسه من لحظة الميلاد الأولى، إلى لحظة ما قبل الغياب، كي لا يقول غيره فيه ما لا يريد سماعه، فلا الرحلة ابتدأت، ولا الدرب انتهى، وكل ما سيكون كان، فمن النزول عن الكرمل، إلى حيرة العائد، كان يحمل في قلبه المتعب كل هموم الوطن واقفا في الوداع الحزين لثورة تبحث عن طريق أبعد للوصول إلى أرضها التي كانت على مرمى تفاحة، حاملا على كاهله عبء الفراشة، وعلى بعد أمتار من المنفيين يقول(أتيت ولكن لم أصل، وجئت ولكن لم أعد). في أثر الفراشة، يختلط الشعر بالنثر، في يوميات ليست ككل اليوميات، وإنما سرد عبقري بلغة الروح، ونبضات القلب المتعب. مجموعة من المجازات والصور المحلقة أيما تحليق، من صرخة فتاة على شاطىء البحر الضيق، إلى التشييع اليومي لجنازات يتجدد أصحابها، ولا يتغير من حولهم أي شيء سوى الولوج الجديد إلى منافي القلب والرئة البعيدة، وغبار الفوضى وأحلام جديدة : ( أعترف بأني تعبت من طول الحلم الذي يعيدني إلى أوله والى آخري، دون أن نلتقي في أي صباح،سأصنع أحلامي من كفاف يومي لأتجنب الخيبة، فليس الحلم أن ترى ما لا يرى، على وتيرة المشتهي، بل هو أن لا تعلم أنك تحلم، لكن عليك أن تعرف كيف تصحو) (أنا هنا مع أربعين شخصا، لمشاهدة مسرحية قليلة الكلام عن منع التجول، ينتشر أبطالها المنسيون في الحديقة وعلى الدرج والشرفة الواسعة، أسترق النظر إلى نافذة غرفتي المفتوحة وأتساءل: هل أنا هناك؟ ويعجبني أن أدحرج السؤال على الدرج، وأدرجه في سليقة المسرحية: في الفصل الأخير سيبقى كل شيء على حاله، شجرة التين في الحديقة، الكنيسة اللوثرية، والبئر المهجورة والدلو الصدئ، أما أنا فلن أكون في غرفتي ولا في الحديقة، هكذا يقتضي النص، لا بد من غائب للتخفيف من حمولة المكان). لماذا هذا الوداع المنهك للقلب، لترى نفسك غائبا قبل أن تغيب، وكيف لم تنس أن تمر على كل صغيرة وكبيرة في حديقة الوطن الضائع قبل الوداع، فأطلت في وصف الجدار، وتحليل شريعة الخوف حين ينظر القاتل مرتجفا إلى شبح القتيل، فلا تملك إلا أن تضحك، وتمشي على قلبك حنينا إلى النسيان وحنينا إلى منفى آخر دون أرض أو سماء: ( على قلبي مشيت كأن قلبي طريق أو رصيف أو هواءُ. فقال القلب أتعبني التماهي مع الأشياء وانكسر الفضاء وأتعبني سؤالك أين نمضي ولا أرض هناك ولا سماء تغوص في أعماق قلبك، تنتزع الذكريات بحلوها ومرارتها، تعرج على بيروت لتسألها من أين الدخول إلى نوافذ قرطبة؟ تخرج من أبواب القدس لنعلم منك أننا لسنا ملائكة كما ندعي، ونكذب على أنفسنا حين نقول أننا استثناء. أخبرتنا أننا منذ اليوم غيرنا، يوم كشفنا عن عوراتنا أمام الملأ، كي لا تبقى حقيقتنا عذراء، غادرتنا مرة أخرى من على قمة الكرمل، لتعود منذ الآن أنت، ولتبق فينا من بعدك، أثرك الذي لا ينتهي: أثر الفراشة أثر الفراشة لا يرى …أثر الفراشة لا يزولُ هو جاذبية غامضٍ …. يستدرج المعنى ويرحل، حين يتضح السبيلُ هو خفة الأبدي في اليومي.. أشواقٌ إلى أعلى، وإشراق جميلُ هو شامة في الضوء تومىء، حين يرشدنا إلى الكلمات باطننا الدليلُ هو مثل أغنية تحاول أن تقول، وتكتفي بالاقتباس من الظلال ولا تقولُ أثر الفراشة لا يرى…. أثر الفراشة لا يزولُ محمود درويش: من أثر الفراشة، إلى حضرة الغياب، هيت لك، من أجملك قل للغياب نقصتني وأنا حضرت لأكملك. أما الأديب محمود شقير فقد قدم ورقة بعنوان: محمود درويش.. السيرة الذاتية بأسلوب مختلف 1 لم يكتب محمود درويش سيرة ذاتية بالمعنى المألوف للمصطلح، مع أن جوانب من حياته مبثوثة في شعره وفي بعض أعماله النثرية. ولم يكتب محمود درويش رواية، مع أنه كان ناثراً متفوقاً، وقارئاً نهماً للروايات. حينما سأله عبده وازن: “هل فكرت يوماً في أن تكتب رواية مثل الكثير من الشعراء الذين كتبوا الرواية على هامش شعرهم؟ أجاب: مع حبي غير المحدود للرواية لم أفكر يوماً في كتابتها. لكنني أغبط الروائيين لأن عالمهم أوسع. والرواية تستطيع أن تستوعب كل أشكال المعرفة والثقافة والمشاكل والهموم والتجارب الحياتية. وتستطيع أن تمتص الشعر وسائر الأجناس الأدبية وتستفيد منها إلى أقصى الحدود.”1 وفي الحوار نفسه يتحدث محمود درويش عن كتاباته النثرية. يقول: “كتبت الكثير من النثر لكنني ظلمت نثري لأنني لم أمنحه صفة المشروع. أكتب نثراً على هامش الشعر أو أكتب فائضاً كتابياً أسميه نثراً. ولكن لم أولِ النثر الأهمية التي يستحقها، علماً أنني من الشديدي الانحياز إلى الكتابة النثرية. والنثر لا يقل أهمية عن الشعر. بل على العكس، قد يكون في النثر مساحة من الحرية أكثر من الشعر”.2 من يدقق في هذا الكلام المنوه عنه أعلاه، يدرك أن درويش ظلم نثره بالفعل لأنه لم يمنحه صفة المشروع، لكنه ظلم نفسه أيضاً وهو يقول: إنه كان يكتب نثراً على هامش الشعر، أو أنه كان يكتب فائضاً كتابياً يسميه نثراً. فالنثر كان له دور غير قليل في تجربة محمود درويش الكتابية. ذلك أن درويش عمل طويلاً في الصحافة وفي الدوريات الثقافية، وتبوأ مواقع مسؤولة في صحف ودرويات، كانت آخرها مجلة الكرمل التي كان رئيس تحريرها مدة خمس وعشرين سنة. وهو لم يكن يستغني لحظة عن كتابة النثر، سواء للصحف أم للدوريات، ومارس طويلاً كتابة المقالة السياسية، والمقالة الفكرية، والنص الأدبي، كما مارس كتابة الرسائل التي تبادلها مع الشاعر سميح القاسم، وكانت تنشر تباعاً في مجلة “اليوم السابع″ ثم نشرت فيما بعد في كتاب. وألقى كلمات ومداخلات فكرية وأدبية وسياسية في مناسبات شتى. في رثاء الراحلين من أصدقائه القادة السياسيين ومن المثقفين والكتاب والفنانين، في حفلات التكريم أثناء منحه الجوائز الأدبية أو أثناء توقيع كتبه، أو أثناء مشاركته في الندوات الثقافية وغير ذلك كثير، وهي الكلمات والمداخلات التي اصطفى منها ما نشره من مقالات مختارة في كتابه “حيرة العائد”3. وكان من قبل قد اصطفى من مقالاته التي نشرها في صحف ومجلات مثل “السفير” و “الوطن العربي” و “اليوم السابع″، ومن الافتتاحيات التي نشرها في مجلتي “شؤون فلسطينية” و”الكرمل”، ما نشره في كتابه: “في وصف حالتنا”4 . ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فإن كتاب “ذاكرة للنسيان” الذي سأتطرق له بتفصيل أكبر، يعتبر عملاً أدبياً مهماً، تتخلله مشاهد من السيرة الشخصية لمحمود درويش، علاوة على استيعابه لأشكال أخرى من المعرفة والثقافة والقضايا التي تجعله من بعض الوجوه، يتقاطع مع فن الرواية ويستفيد من تقنياتها إلى حد كبير. وقد يسأل سائل: لماذا لم يكتب محمود درويش سيرته الذاتية على غرار بعض الكتاب الفلسطينيين والعرب؟ وسيجد الجواب في كتابات محمود درويش الشعرية والنثرية، سيرى بعض تفاصيل هذه السيرة، مبثوثاً هنا وهناك على نحو خافت حيناً، وعلى نحو واضح حيناً آخر. بل إن كثيراً من شعر محمود درويش ونثره مبني على وقائع من حياته الشخصية، ولا يندر أن نجد ذكراً لأمه ولأبيه ولجده ولبعض إخوته في قصائده وفي بعض أعماله النثرية. ولا يندر أيضاً أن نجد وقائع محددة عاشها محمود درويش، تتكرر في غير كتاب من كتبه، مع توظيف مختلف لها في كل مرة، أو تناول أكثر غنى وامتلاء في كل مرة. ولعل التصريح الأكثر دلالة حول السيرة الذاتية للشاعر، ما ورد في كتابه “في حضرة الغياب”5 حينما كان يستمع إلى الخطابات التي ألقيت في حديقة البيت الأبيض الأمريكي أثناء الاحتفال بتوقيع اتفاق أوسلو بتاريخ 13 / 9 / 1993. قال محمود درويش وهو يخاطب نفسه: “لكن اللغة التي تسمعها تعيد قلبك إلى صوابه: لا، ليست هذه لغتي. فأين بلاغة الضحية التي تسترجع ذاكرة عذابها الطويل، أمام شقاء اللحظة التي ينظر فيها العدوّ في عين العدوّ ويشدّ على يده بإلحاح؟ أين أصوات القتلى السابقين والجدد الذين يطالبون باعتذار لا من القاتل فحسب، بل من التاريخ؟ أين حيرة المعنى في لقاء الضدّ بالضد؟ وأين الصرخة الملازمة لعملية جراحية يُبْتَرُ فيها الماضي عن الحاضر في مغامرة السير إلى غد ملتبس… وأين لغتي؟”ص142 . ثم يقول بعد ذلك مباشرة: “ألهذا كان ردك الشخصي هو الدفاع الشعري عن الحبكة والذاكرة؟ فكتبت أصداء سيرة شخصية- جماعية، وتساءلت: لماذا تركت الحصان وحيداً؟” ص142 ولعلنا نلاحظ انطلاقاً من التصريح نفسه المنوه عنه أعلاه، أن درويش لم يذهب إلى حد كتابة سيرة وإنما أصداء سيرة. ولنتذكر أن نجيب محفوظ أيضاً لم يكتب سيرته الذاتية بعد رحلة طويلة مع الكتابة الروائية والقصصية، بل إنه بادر في سنواته الأخيرة إلى كتابة “أصداء السيرة الذاتية”. وأثناء تتبعي لملامح السيرة الذاتية في ثلاثة من كتب محمود درويش هي: يوميات الحزن العادي6، ذاكرة للنسيان7، وفي حضرة الغياب، لا بد لي من التذكير بأمر بات معروفاً، وهو أن محمود درويش مال على نحو بارز في كتابيه ” في حضرة الغياب” و “أثر الفراشة”8، إلى المزج بين الشعر والنثر في صياغات جديدة، لا تكتفي بالشعر وحده ولا بالنثر وحده. وقد تحدث عن ذلك صبحي حديدي، مؤكداً على أن النثر الشعري كان موجوداً في أعمال أدبية سابقة لمحمود درويش، وانطلاقاً من ذلك يقول: “ومن جانبي كنت أرجّح أنّ ما في جعبة درويش من جديد في سياقات هذا الإشتغال، وربما في صيغة “النصّ الشعري المفتوح” تحديداً، وافر وغنيّ، على نحو أتاح لي أن أغامر باجتراح نبوءة من نوع ما، مفادها أنّ هذا الإنهماك سوف يثمر المزيد من الأعمال ضمن الأسلوبية ذاتها. ولم يطل الوقت حتى صدرت مجموعة “في حضرة الغياب”، 2006، ويوميات “أثر الفراشة”، 2008؛ وفيهما يبلغ التواشج بين شعرية النثر ونثر الوزن أوجاً غير مسبوق، ضمن تصميم من جانب الشاعر، عالي القصدية وحصيف الموازنة. ولقد رحل درويش في طور مبكّر من ارتقاء ذلك التواشج، ولم يغادرنا في إهاب شاعر كبير فحسب، بل كان ويظلّ أحد كبار ناثري الوزن في تاريخ الشعر العربي؛ وهمو ليسوا كثرة، للأسف، بل قلّة قليلة!” 9 2 في كتابه “يوميات الحزن العادي”، يكتب محمود درويش عن معاناة الناس في فلسطين 1948 / وفي فلسطين 1967.كانت صورة المعاناة ما زالت متوقدة في ذهنه، فهو حديث عهد بالخروج من هناك، وهو يعيش سنواته الأولى في المنفى الذي دفعته إليه معاناته الشخصية من سجانيه وقامعي حلمه الذين هدموا قريته وأقاموا على أنقاضها مستوطنة. يكتب عن مذبحة كفر قاسم مثلما يكتب عن القدس وغزة. يكتب نصاً على شكل حوار يجريه شخص مع شخص آخر أو مع نفسه، وهو يضمّن النص مقاطع من سيرته الذاتية، حينما اضطر إلى النزوح مع أفراد أسرته، من قريتهم والتوجه إلى الشمال، نحو لبنان والبقاء فيه ما يقارب العام، ثم العودة تحت جنح الصمت والظلام إلى القرية التي لم يعد لها وجود، والعيش في البلاد بشكل “غير مشروع″ من وجهة نظر الذين اغتصبوا البلاد. هذه المقاطع من السيرة يذكرها محمود درويش في هذا الكتاب على نحو قريب من الصيغة الإخبارية، حيث الوقائع المتسمة بالوضوح، وذلك انصياعاً لمنطق الكتاب الذي تتخذ مادته السياسية وتأملاته في الحياة واستخلاصاته من التجربة المعيشة، شكل النص الواقعي الذي لا ينتبه إلى الاقتصاد في اللغة، حيث في هذه الحالة المعنية لا داعي للاقتصاد، بل من واجب الراوي أن يروي حكايته بتمهل وبتفصيل وإسهاب. وجماليات اللغة تقع هنا في المحل الثاني من اهتمام الكاتب. ثمة جماليات وثمة شعرية في لغة النص (التكرار لخلق إيقاع شعري/ مثلاً: هنا ينامون ص81) ، لكنها ليست مطلوبة إلى الحد الأقصى الذي نجده في كتاب “في حضرة الغياب” حينما نقارن ما كتبه عن الخروج إلى لبنان في هذا الكتاب الأخير وفي الكتاب الذي نتحدث عنه الآن. “كنا ننتظر انتصار الجيوش العربية على الغزاة خلال أسابيع ونعود بعدها إلى البروة. لم نسكن مخيماً، مررنا في رميش، ثم بتنا ليلة في بنت جبيل التي ازدحمت بصراخ المنفيين وكانت حظيرة بشرية. كانت الليلة الثانية التي نبيتها خارج البيت. الليلة الأولى كانت في أحد مضارب البدو في الجليل حيث أكل عشرات من “الضيوف” بيضاً مقلياً من إناء واحد. وفي جزين –حيث أقمنا- رأيت السواقي التي تسكن البيوت، ورأيت الشلال. وحين اشتد البرد هناك انتقلنا إلى الدامور وعبرنا كروم الموز، ولعبنا على الشاطئ، وسبحنا في البحر. عبرت الشارع الواسع يوماً قبل أخي الذي لحق بي، فضربته سيارة لم تصبه بجروح ولكنها أصابته بذهول لم ينج منه إلا بعد سنين.” (يوميات الحزن العادي ص17) بينما “في حضرة الغياب” جرى التعبير عن النزوح إلى لبنان، بنثر يضاهي الشعر في جمالياته، إذ يقول وهو يخاطب نفسه: “تنتحي ركناً قصياً على صخرة مهجورة على البحر اللبناني. تبكي كأمير صغير أنزلوه عن عرش الطفولة، قبل أن يُلَقِّنُوه فِقْهَ الرُشْد التدريجيّ، ودرس الجغرافيا الضروريّ لمعرفة المسافة بين “هنا” و “هناك”: يا بحر، يا بحر… ولا تفلح في تركيب النداء الكافي، لكن حرف الحاء يدرّب الحلق على بُحَّة الملح: يا بحر، يا بحر! وتبكي، فيذوب قليل من الملح الصاعد إلى العينين، وتتضح وُجْهة النداء: يا بحر، يا بحر.. خذني إلى هناك.” ص39 في كتاب “يوميات الحزن العادي” يستخدم محمود دوريش عدداً من الوسائط الفنية التي تخدم فكرته، وتساعده على إيصالها إلى القارئ. من بينها إدخال السيرة الشخصية في بنية الخطاب السياسي ومزجهما معاً، حيث إن ثمة تجاوراً بين السيرة والخطاب، فالسيرة الشخصية وما تتضمنه من معاناة إنما هي ناتجة عما ارتكبه المحتلون بحق الشخص الكاتب وبحق وطنه المستباح، والخطاب السياسي إنما هو وصف وتحليل وتفكيك وإعادة تركيب لما جرى لفلسطين جراء الغزوة الصهيونية في العام 1948 وفي العام 1967 . إلى جانب ذلك، يكثر محمود درويش من الاتكاء على صيغة الحوار الذي يخفف من وطأة المادة السياسية التي يقصد الكاتب تمريرها إلى وعي القارئ، فالحوار الذي يشتمل على قدر من البراعة والرشاقة، يضفي حيوية على المادة السياسية ويحولها من مادة يجري الإخبار عنها إلى مشهد متحرك قابل للتشويق وللإثارة. وحينما لا يلجأ درويش إلى أسلوب الحوار فإنه يستعين بأسلوب السرد القصصي، ويتناول سيرة أشخاص أو وقائع من حياة أشخاص معروفين من لحم ودم من أبناء شعبه، أو من الطرف الآخر الذي يمارس ضد الشعب الفلسطيني القهر والاحتلال. وهو يستخدم في هذا الكتاب وفي غيركتاب من كتبه، ضمير المخاطب ليتناوب على السرد مع ضمير المتكلم، ما يجعل السرد بعيداً عن الرتابة وإثارة الملل. “وليلتها لم تفهم شيئاً، سألت أباك، فنهاك عن السؤال لأنك صغير، وضعوك في قرية مجاورة وذهبوا. وأستاذ التاريخ ينبئك بأنهم لم يطردوا أحداً. وفي جنوب لبنان تصبح لاجئاً تأكل من وكالة الغوث، وتنتظر العودة.” ص35 وفي هذا الكتاب، نلاحظ سعة اطلاع محمود درويش على الأدب العبري، وعلى الفكر الصهيوني كما تجلى في كتابات قادة صهاينة ومنظرين للفكرة الصهيونية. ولا يندر أن يجد درويش في هذا الكم من الكتب والكتابات، ما هو إيجابي وما يدلل على نظرة موضوعية، وعلى ما يشير إلى “صرخة ضمير نادرة أطلقها أديب إسرائيلي قبل أكثر من عشرين سنة، تعطي تحديداً دقيقاً لحقيقة مفهوم الوطن” ص37 . ويقتطف من كتاب “خربة خزعة” للكاتب الإسرائيلي يزهار سميلانسكي ما يلي: “اسمع.. يأتي المهاجرون، ويأخذون هذه الأرض، وتصير جميلة. نفتح حانوتاً، ونبني مدرسة، وكنيساً. وستكون هنا أحزاب، وسنتناقش حول عدة أمور. سنحرث الحقول ونزرعها ونحصدها. وتحيا خزعة العبرية! ومن سيتصور أن خربة خزعة كانت هنا. طردناهم وورثناهم. جئنا، أطلقنا النار، حرقنا، نسفنا، ونفينا”. ص37 في هذا الكتاب تظهر مقاطع أخرى من السيرة الذاتية لمحمود درويش: الاعتقال، السجن، الإقامة الجبرية والذهاب إلى مخفر الشرطة في حيفا مرتين كل نهار لإثبات الوجود. وتظهر مفارقات الوضع الذي كان يعيشه محمود درويش مع البقية الباقية من أبناء شعبه الذي ظلوا مقيمين في وطنهم. ومن هذه المفارقات، أن ملامح محمود درويش لم تكن توحي بأنه عربي، وحينما يوقف سيارة أجرة يقودها سائق يهودي في مدينة حيفا، يعتقد السائق أن محمود درويش يهودي، وحينما يطلب منه بالعبرية أن يوصله إلى شارع المتنبي، يستاء السائق من هذا الاسم العربي ويجاهر بذلك، ثم يكتشف أن الشخص الذي معه عربي، فيحاول التمويه على سوء طويته دون أن يترك له محمود فرصة للتمويه! وثمة حكايات أخرى ومضايقات يتعرض لها محمود وأبناء شعبه، يتضمنها الكتاب، وهي من النوع المضحك المبكي، وهي كلها تدلل على مدى العسف الذي تعرض ويتعرض له الفلسطينيون على أيدي حكام إسرائيل. في مجمل هذه النصوص التي اشتمل عليها كتاب “يوميات الحزن العادي” تتخايل ملامح من السيرة الذاتية لمحمود درويش، وستتضح هذه على نحو أشمل في كتابه “ذاكرة للنسيان”. 3 “ذاكرة للنسيان” كتاب نثري لم يحدد محمود درويش جنسه الأدبي. حينما نشر النص في العدد 21/ 22 من مجلة الكرمل في العام 1986، كان عنوانه: ذاكرة للنسيان/ المكان آب/ الزمان بيروت. وحينما نشره فيما بعد في كتاب، أعاد ترتيب العنوان على النحو التالي: ذاكرة للنسيان. وعند بداية النص في داخل الكتاب، كتب: سيرة يوم/ الزمان: آب/ المكان: بيروت. والكتاب يمكن أن يدرج في أدب السيرة، رغم أنه يفيض عنها إلى سواها. فقد حشد محمود درويش ما لديه من قدرة أكيدة على كتابة السرد، واستفاد من فن كتابة الرواية ليقدم عملاً أدبياً متكاملاً، تنتظم مقاطعه الكثيرة المتفاوتة فيما بينها من حيث الطول والقصر، في بنية فنية متماسكة، حيث يبدأ الكتاب بحلم يرى فيه السارد صديقته اليهودية التي التقاها في العام 1969 في حيفا، وهي التي وصف علاقته بها لدى بلوغه الأربعين في العام 1982 كما يلي: “وهل كنت حقاً في السابعة والعشرين حين احتكّ نشيد الهوية بنشيد الأناشيد وشبّ حريق في السوسن، وسمعت آخر صرخات الحصان الهاوي من جبل الكرمل إلى البحر الأبيض المتوسط؟” ص231 (بحسب هذا النص، فإن محمود درويش يقرر أنه من مواليد العام 1942 وليس العام 1941)، ويتكرر الحلم نفسه تقريباً في الأسطر الأخيرة التي تسبق نهاية الكتاب، حيث يرى السارد المرأة نفسها في الحلم، ويدور بينهما الحوار التالي: “- هل أحببتني؟ – لا أعرف. – هل تحبني الآن؟ – لا. – الرجل لا يفهم المرأة. – والمرأة لا تفهم الرجل. لا أحد يفهم أحداً.” ص240 في “ذاكرة للنسيان” نقرأ سيرة يوم في شهر آب من العام 1982، ونرى رأي العين فداحة الآثار النفسية الناتجة عن القصف الإسرائيلي لبيروت طوال ذلك اليوم، وانعكاس هذا القصف على أمزجة الناس وتصرفاتهم ورغباتهم وأهوائهم. وتتلون أجواء الكتاب عبر السرد المتقن الذي يرصد أدق الخلجات، بألوان ذلك اليوم المقتطع من الجحيم. ومع توتر السرد والسارد يتابع تفاصيل ذلك اليوم، يصل التوتر الذي يعيشه السارد، الذي هو المؤلف محمود درويش، إلى المتلقي ويلقي به في قلب الحالة الموصوفة وفي قلب الجحيم الذي تعيشه المدينة ومن فيها من بشر. والكتاب لا يكتفي بوصف ذلك اليوم الطويل، ولا يتحدد زمنه بزمن ذلك اليوم، بل هو يفيض عن ذلك كثيراً، حينما يستخدم محمود درويش أسلوب الحلم والتذكر وتداخل الأزمنة واستحضار الذكريات، ويلجأ إلى أسلوب التناص مستخدماً مقاطع من التوراة والإنجيل، ومن كتابات ابن الأثير، ابن كثير، أسامة بن منقذ وسرفانتس، ليطل على المأساة الفلسطينية من زوايا مختلفة، وليقدم لقارئه اجتهادات في الثقافة والفكر والأدب والسياسة وغير ذلك. وحينما يتطلب الأمر الدخول إلى حيز التفاصيل، فإن محمود درويش يعود إلى ما اعتاده في كتاباته النثرية السابقة، وبالذات في كتابه “يوميات الحزن العادي”، لكي يقدم مادة سياسية واضحة المرامي والغايات، متخففة من اللغة الشعرية، إلا بالقدر الذي يخدم الفكرة ويعرضها ناصعة من غير سوء. يبدأ الكتاب من لحظة حلم بلقاء تم قبل ثلاثة عشر عاماً مع تلك الصديقة، يعقبه الاستيقاظ على كابوس حقيقي قادم من جهة البحر، الجهة التي تطل عليها شقة في الطابق الثامن من عمارة، يقيم فيها محمود درويش. منذ هذه اللحظة الكابوسية نبدأ في التعرف على معاناة السارد، على عاداته اليومية، على رغبته في فنجان من القهوة، على طريقته في صنع القهوة، على الخطر المتربص به من جهة البحر، حيث البوارج الحربية التي تقصف المدينة، وحيث الطائرات التي تلقي حممها من دون توقف على المدينة أيضاً. ولا يفلت خيط السرد بعد ذلك أبداً، يأخذنا السارد إلى أمكنة عديدة ويجعلنا نلتقي أناساً عديدين، ولا ينسى عند اللحظة المناسبة أن يعود بنا إلى المكان الذي هو فيه وإلى ما مر عليه من زمن في ذلك اليوم الموصوف. فنراه وهو يخرج من الشقة في الصباح ويدخل بيت الجيران، يعطينا انطباعاً لا لبس فيه عن فكر الزوج وفكر زوجته التي لا تتعاطف مع الفلسطينيين. نراه وهو يمشي في الشارع الموحش، وهو يلتقي في صالة فندق وفي أمكنة أخرى بعض الأصدقاء من الكتاب والشعراء، نراه في مختلف أوقات النهار، وإزاء كل منعطف من منعطفات ذلك اليوم الطويل يتعدد السرد ويتمدد في كل الجهات. وتتخذ لغة السرد لنفسها مستويات متعددة تبعاً للحالة الموصوفة ولما يلزمها من صياغات لغوية. مرة تكون اللغة بسيطة مباشرة تعبر عن وقائع عادية أو تشرح أحوال أناس في الحصار وتحت القصف. ومرة أخرى تكون اللغة شعرية متدفقة حالمة مكتنزة بجماليات الصياغة الأدبية التي تقترب من تخوم الشعر، وما يكتنفه من غموض يتطلبه الشعر. ويتفاوت حجم المشاهد التي يتضمنها الكتاب. مرة نجد أنفسنا أمام مشاهد خاطفة مكثفة لا تزيد عن بضعة أسطر، ومرة أخرى يستفيض السرد ويأخذ مداه في الوصف وفي تتبع الحالات والمواقف والشخوص. وقد اتخذ محمود درويش لنفسه مبدأ محدداً تجاه الشخوص، فالذين لم يعودوا موجودين على قيد الحياة، من استشهدوا ومن ماتوا ميتة عادية، نظفر بأسمائهم ونتعرف إليهم بسهولة (كم أجاد محمود وهو يستحضر شخصية الشهيد عز الدين قلق! حيث يتحاور معه حول شؤون الدنيا والآخرة، وكم تألق وهو يسرد قصة كمال والبحر وحيفا والحمامة! وكم كان معنياً بوصف كل ما يحيط ببيروت المحاصرة من مفارقات، حيث يصف لاعب كرة القدم الإيطالي باولو روسي، البارع في إحراز الأهداف، لكي يتحدث بعد ذلك عن مباريات كأس العالم في العام 1982 وما رافقها من مفارقات سخر منها درويش بمرارة!). وأما الذين ما زالوا موجودين على قيد الحياة، فلن نجد أسماءهم الصريحة، سنجد الحرف الأول من الاسم الأول، أو الحرف الأول من الاسم الثاني لتقديمهم أو للتدليل عليهم. ولم يكن ذلك خالياً من الدلالة أو كأنه جاء من دون تخطيط مسبق من الكاتب. ففي ظني أن محمود درويش قصد من ذلك، تسليط الضوء على الحالة الموصوفة وليس على الشخوص، بحيث لا يتعدى السرد دوره، ليطال الشخص الذي يجري الحديث عنه في حالة محددة. وفي ذلك لملمة مقصودة للأحداث بحيث تصب في الحالة التي قصد درويش إبرازها، وهي حالة بيروت تحت الحصار، وحالة المأساة الفلسطينية وهي تدخل طوراً آخر مفجعاً من أطوارها. ولعل هذا الأمر ينسحب على محمود درويش نفسه وهو يتحدث عن جوانب من سيرته الذاتية. فهو لا ينحو المنحى المألوف في كتابة السيرة، ولا يميل إلى سرد الوقائع المتتابعة التي يفضي بعضها إلى بعض، ولا يهمه أن يبني تصوراً متكاملاً لطفولته ولمراحل حياته المختلفة، ولوضعه في أسرته ولوضع أسرته في محيطها الجغرافي والبشري، لكي ينتهي إلى تكريس هذه السيرة وتعداد ما حفلت به من نجاحات، وما أحرزه صاحبها من مجد شخصي. إنه لا يفعل شيئاً من هذا، بل يعمد إلى اقتطاع وقائع من سيرته الشخصية، ليدمجها في المنحى العام للمأساة الفلسطينية، ولينطلق مما فيها من خصوصية للدخول إلى ما هو عام، على اعتبار أن هذه السيرة إنما كانت نتاجاً لهذا الوضع العام، وهذا الوضع لا يستقيم عرضه بشكل مقنع وعميق الدلالة إلا عبر التفاصيل التي أنتجها، وهي التفاصيل التي تتشكل منها مع غيرها من التفاصيل غير المسرودة، حياة السارد وماضيه وحاضره. ولأن هذا الشكل من كتابة “ذاكرة للنسيان، ، يمكن اعتباره نصاً مفتوحاً قابلاً لاستيعاب عدد من الأجناس الأدبية وإدماج بعضها ببعض في وقت واحد، فقد اتسع الكتاب لعرض المواقف السياسية الآنية، ولذم الضمير العالمي الذي يتفرج على الفلسطينيين واللبنانييين وهم يذبحون في بيروت، دون أن يحرك ساكناً، ولذم الصمت العربي وتخاذل الأنظمة العربية كذلك. كما اتسع لعرض موقف محمود درويش من الكتابة ومن أدب المقاومة، ولمحاورة الفكرة الصهيونية وتفنيد حججها في تبرير سيطرتها على فلسطين. واتسع كذلك لتأمل علاقة محمود درويش ببيروت، ولعرض مشاهد من الحياة اليومية تحت الحصار لكتاب وأدباء وشعراء، كان لها مذاق خاص، في مجرى تدفق التفاصيل الخاصة بالحالة العامة وما يحيط ببيروت من خطر وموت وقذائف وبوارج وطائرات، وما يجري تناقله من أخبار عن خروج المقاومة من بيروت، في اتفاق يجري إنضاجه بالعمل على تفاصيله إلى أن تحين لحظة التنفيذ. واتسع الكتاب لعرض مشاهد تتناسب وخصوصية اليوم الموصوف، عن علاقات السارد بالمرأة التي تعرف عليها في حيفا، حيث كانت تظهر في أحلامه، وفي أحيان أخرى كان يتذكرها ويتذكر أمه أيضاً، ما يجعل الكتاب حافلاً بالحضور البشري الذي جرى وصفه في ذلك اليوم، وفي أيام سابقة جرى استحضارها من خلال ذاكرة السارد الذي كان يعيش يومه حتى الثمالة، وهو يهجس ببعض أبيات من قصيدته الطويلة “مديح الظل العالي” التي سيكتبها فيما بعد، بعد الخروج من بيروت. ولا تغيب من الكتاب المفارقات اللغوية النابعة من ثقافة درويش العميقة، مثلاً: وصفه للسفن التي ستنقل الفلسطينيين من بيروت عبر البحر بأنها “سفن نوح الحديثة” ص238، والإشارة إلى ذلك من خلال رمز الحمامة في نهاية الكتاب، تلك النهاية المتشائمة التي تقول: “لا أحب البحر… لا أريد البحر، لأنني لا أرى ساحلاً، ولا حمامة. لا أرى في البحر غير البحر. لا أرى ساحلاً. لا أرى حمامة.” ص 240 . ولا بد من وقفة عند النهاية المتشائمة للكتاب، فهي من ذلك النوع من التشاؤم الذي يحرّض على طرح الأسئلة، حيث التناصّ مع التراث ممثّلاً في سفينة نوح التي تقوم برحلة محكوم عليها بأن تنتهي إلى يقين يبشّر بيابسة ترسو عندها السفينة، في حين أنّ نهاية كتاب درويش لا تبشّر بأيّ يقين. هنا، يتخذ محمود درويش من الواقعة المتمثّلة في خروج قادة منظمة التحرير الفلسطينية ومقاتليها من بيروت على متن السفن عبر البحر، متّكأ لتصعيد نصّه الأدبي إلى أفق أشمل، لنصبح أمام مسألة وجودية ترفض الأجوبة اليقينية، وتأخذنا إلى فضاء الرحلة الإنسانية الباحثة عن المعرفة عبرَ طرْحِ المزيد من الأسئلة. لهذا يبدو تشاؤم درويش في نهاية كتابه هذا، نوعًا من التعالي على الراهن المؤقت وما يفضي إليه من أفق محدود، لتحقيق رسالة الأدب في طرح الأسئلة المحرّضة على البحث عن الحقيقة، وليس الركون إلى تقديم الأجوبة. ولهذا كان سؤال درويش الكبير بعد بضع سنوات من كتابه هذا: لماذا تركت الحصان وحيدًا؟ مفتتحًا بذلك مرحلة كبرى من مراحل تطوّره الشعري التي عزّزت الحضور الكوني للقضية الفلسطينية. كذلك، لا تغيب من كتاب “ذاكرة للنسيان”، المفارقات الأسلوبية والإحساس المدهش لمحمود درويش باللغة، هذا الإحساس الذي سيجري تكثيفه وتطويره نحو ذرى جديدة في كتابه المتميز “في حضرة الغياب” الذي مزج فيه الشعر بالنثر، وتبدت فيه سيرته الذاتية على نحو مختلف عما سبق من كتب السيرة الذاتية في أدبنا الحديث. 4 في هذا النص، “في حضرة الغياب”، يمتزج النثر بالشعر، ويقيم محمود درويش البنية الفنية لنصه انطلاقاً من السيرة الذاتية، غير المقصودة لما فيها من وقائع، غير المكتفية بوقائعها، وإنما التي تتكئ على الوقائع لتحلق في عالم من التأملات والرؤى التي لا تخص ذاته الفردية المشغولة وحدها بتفاصيل العيش اليومي، وإنما تتعالى لتصبح تعبيراً عن الذات الإنسانية في صراعها مع أسئلة الحياة والموت، والوجود والعدم. وهي المكتوبة بحسية عالية، وبلغة يتبارى فيها النثر بكل جدارة مع الشعر، ويتناوب الشعر مع النثر على تقديم الحالة الموصوفة التي تبدأ من لحظة انفصال الشاعر عن الشخص الذي كانه، حيث يموت الشخص ويبقى الشاعر (أو كما قال إلياس خوري: كان المثنى حيلة درويش الأخيرة لاكتناه العلاقة بين البداية والنهاية. الشاعر الحديث ينقسم اثنين، لا ليبكي، إنما ليكتشف سر العلاقة المعقدة بين الموت والحياة. لذا يدمجهما في نسيج رؤيوي، ويحركهما في خيطان متقاطعة)10 نحن الآن أمام جثمان الشخص، وانطلاقاً من هذه اللحظة الفاصلة تنداح وقائع دالة من سيرة محمود درويش، في لغة مكثفة محسوبة بدقة. ولا يقوم الشاعر بنثر سيرته على الطريقة المألوفة. فليس ثمة استطراد في سرد الوقائع، ولا انتساب إلى الأسرة بالطريقة المألوفة، ولا إشارة إلى العلاقة مع الأب أو الأم أو بقية أفراد الأسرة إلا على نحو محدود، هو الذي يخدم غرض الشاعر، للذهاب عميقاً في مسألة الحياة/ الموت، وفي موضوعة الوطن بتجلياته المختلفة، بدءاً من لحظة الولادة حيث “لم يصدق أحد من الجالسين في ظل شجرة التوت أنك ستحيا، من فرط ما شرقت بحليب أمك واختنقت. نحيلاً كنت كخاطرة عابرة”ص11 مروراً بالنزوح المؤقت إلى لبنان والتطرق لأشكال المعاناة التي تعرض لها درويش، وانتهاء بالعودة الناقصة إلى قطاع غزة بعد إبرام اتفاق أوسلو، وإقامة السلطة الوطنية الفلسطينية، وما رافق ذلك من سماح لمحمود درويش بالدخول إلى حيفا، لإجراء حوار متلفز مع إميل حبيبي، غير أن حبيبي يموت في تلك الأثناء، فيأتي درويش إلى حيفا لتأبينه، ومن ثم لزيارة أمه، ولزيارة قبر أبيه وللمرور بالقرب من المكان الذي كانت تقوم عليه قريته “البروة”. ولتتبع الوقائع التي يختارها درويش من سيرته الذاتية لكي يبني عليها كتابه المدهش هذا، سنلاحظ أن بعض هذه الوقائع جرى ذكره في الكتابين السابقين، ولكن في كل مرة بإضافة بعض تفاصيل أخرى، وبأسلوب مختلف، ومن زاوية تضيف جديداً إلى الموضوع نفسه الذي كنا عرفناه من قبل، وبما يتيح للشاعر الإمعان في تأملاته العميقة حول حياة الكائن الإنساني ومصيره. من أهم الوقائع التي جرى التطرق إليها في هذا الكتاب: النزوح إلى لبنان، التسلل عبر الحدود والعودة إلى الوطن، الحياة في ظل سلطة الآخر، الاعتقال والإقامة الجبرية وما يتفرع منهما، الخروج من حيفا، الإقامة في بيروت ومكابدات أيام الحصار، والعودة الناقصة إلى غزة ورام الله وحيفا. في وصف النزوح إلى لبنان، يتناوب الشعر والنثر على وصف ذلك، حيث “لك ليل على هذا الوادي، فاهبط أسرع من حجل مذعور، الهواء ساكن لا يحرك ريشة، ولا دليل لرحيلك هذا أوضح من غراب يرافق النازحين إلى حدود الليل”. ص33 ويستمر سرد الحكاية على النحو التالي: “أما الآن، فلا تنظر إلى النجمة لئلا تخطفك وتضيع. وتعلق بثوب أمك… الدليل الوحيد على أن الأرض تركض حافية القدمين، ولا تبك كأخيك الصغير، المولود منذ أيام، لئلا يرشد البكاءُ الجنودَ إلى جهتنا المرمية في الهواء كيفما اتفق.” ص34 ولعل من المناسب في هذا المقام، أن نتذكر ديوان “لماذا تركت الحصان وحيداً” 11 لنرى كيف تم وصف النزوح نفسه في هذا الديوان. يقول درويش: “إلى أين تأخذني يا أبي؟ إلى جهة الريح يا ولدي… … وهما يخرجان من السهل، حيث أقام جنود بونابرت تلاً لرصد الظلال على سور عكا القديم – يقولُ أب لابنه: لا تخفْ. لا تخف من أزيز الرصاص! إلتصقْ بالتراب لتنجو! سننجو ونعلو على جبل في الشمال، ونرجع حين يعود الجنود إلى أهلهم في البعيد – ومن يسكنُ البيت من بعدنا يا أبي؟ – سيبقى على حاله مثلما كان يا ولدي!” ص32 ، 33 ولا يكتفي محمود درويش إزاء تجربة السجن، باستعادة بعض تفاصيل التجربة (حجم الأرض هنا متران مربعان لهما باب حديدي دائم الإغلاق. أصوات أحذية غليظة تحمل إليك حساء العدس المطبوخ بالسوس، فتدرك أن نهاراً جديداً قد حلّ ضيفاً على العالم.” ص61 وإنما يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث يقوم بتأمل ما يعنيه السجن والسجان: “السجن هو حرمان الكائن من مشهد الشجرة والبحر. والحرية هي المخيلة القادرة على استدعائهما إلى السجن، وجعل ما ليس مرئياً مرئياً.”ص64 ولعلنا نعود إلى كتاب “ذاكرة للنسيان” لنقرأ عن مكابدة درويش في السجن، موصوفة بلغة واقعية تماماً: “واعتدتُ أن أحصي عدد السوس في صحن حساء العدس. الطبق اليومي في السجون. واعتدت أن أتغلب على الاشمئزاز، لأن الشهية تتكيّف، ولأن الجوع أقوى من الشهية. ولكنني لم أتكيّف أبداً مع غياب القهوة الصباحية”. ص29 وفي معرض المقارنة بين ما ورد من وقائع في هذين الكتابين، لا بد من الانتباه إلى ما قاله محمود درويش غير مرة، ومفاده أنه يعود بين الحين والآخر، إلى ما كان هامشياً أو محدود الحضور في كتبه السابقة، ليلقي الضوء عليه من جديد، وينقله من الهامش إلى المركز. فإذا كان هذا الكلام منطبقاً على أسلوب درويش في الكتابة، وأظنه كذلك، فمن المفيد أن نلاحظ كيف ارتقت لغة درويش النثرية المتأملة المشغولة بالوصف، إلى ذرى جديدة. لنقرأ ما يلي في “ذاكرة للنسيان”: “الماء فرح الحواس وما يحيط بها من هواء. الماء هو الهواء المقطر الملموس المحسوس المغموس بالضوء.” ص45 ولنقرأ كذلك: “الشرفة هي اعتداء الحياة على الموت. هي مقاومة الخوف من الحرب. لا أريد أن أخاف. لا أريد أن أخجل.” ص234 ولنقرأ أيضاً: “النوم سواد يتفكك تدريجياً إلى رمادي وأبيض. النومُ أبيض انفصالٌ وأبيض. استقلالٌ وأبيض. ناعم وقوي وأبيض. النوم صحوة التعب وأنينُه الأخيرُ… وأبيض. للنوم أرض بيضاء وسماء بيضاء وبحر أبيض.” ص238 ولنلاحظ كيف صعّد محمود درويش في كتابه “في حضرة الغياب” هذا الأسلوب في الكتابة الذي ظهرت بشائره الأولى في “ذاكرة للنسيان” نحو ذرى أبعد وأبعد: “المدن رائحة: عكا رائحةُ اليود البحري والبهارات. حيفا رائحة الصنوبر والشراشف المجعلكة. موسكو رائحة الفودكا على الثلج. القاهرة رائحة المانجو والزنجبيل. بيروت رائحة الشمس والبحر والدخان والليمون. باريس رائحة الخبز الطازج والأجبان ومشتقات الفتنة. دمشق رائحة الياسمين والفواكه المجففة. تونس رائحة مسك الليل والملح. الرباط رائحة الحناء والبخور والعسل.” ص91 ولنقرأ: “الحنين مسامرةُ الغائب للغائب، والتفات البعيد إلى البعيد. الحنين عطش النبع إلى حاملات الجرار.” ص119 ولنقرأ: “الفراشات خواطر مبعثرة، ومشاعرُ طائرة في الهواء.” ص156 ويتكرر ذلك في الكتاب على شكل مقطوعات شعرية حيناً، وعلى شكل جمل نثرية بارعة حيناً آخر. ولنواصل المقارنات. ففي كتاب “ذاكرة للنسيان” يتحدث محمود درويش عن حادثتين في طفولته: “أمي البعيدة تفتح باب غرفتي وتقدم لي القهوة على طبق من قلبها، أداعبها: لماذا أذنت لي أن أضع ركبتي على السكين وأضغط لتبقى معي هذه الندبة؟ ولماذا أذنت لي أن أمتطي الحصان ما دام سرجه سيسقط ليسقطني تحته ولتبقى على جبيني هذه الندبة؟” ص232 ثم يعود للتحدث عن هاتين الحادثتين في كتاب “في حضرة الغياب” في سياق أشمل وفي إطار تأمل أوسع مدى: “هكذا سكنتك منذ البداية فتنة الثعلب والهاوية، وجرّك فضول القطط، دون حذرها، إلى ملامسة الخطر، فغافلت أهلك المشغولين بفرم أوراق التبغ بسكاكين حادة، وتناولت إحداها ووضعت على شفرتها ركبتك اليسرى، وضغطت لتعرف إن كانت السكين تفعل بلحمك الطري ما تفعله بأوراق التبغ، ففاجأك السائل الأحمر. ولم تتوجع إلا حين نزعوا السكين من ركبتك، وضمّدوا جرحك وعاقبوك على طيش التجربة.” ص18 وأما حادثة السقوط عن ظهر الحصان، فهو يرويها في الكتاب نفسه على النحو التالي: “هناك سكنتك فتنة الطيران والعزلة. وهناك، حاولت أن تولد من حلمك، دون أن تدرك الفارق بين الحلم والخيال. في مساء ما، تسللتَ من خلوتك الشجرية إلى بوابة الدار الجنوبية ودعوت الحصان إلى الخروج معك، فأطاعك وخرج. وعلى محاذاة صخرة عالية أوقفت الحصان الفاتن وقفزت على ظهر أملس دون سرج. قادك، كما يقود الهواءُ سحابةً، إلى منحدر يؤدي إلى حقل لا نهاية له. فهمزته فاستجاب، وصار الهواء ريحاً فانتشيت: إني أطير. كل شيء يطير. الشجر، الأرض، الجهات، النباتات، الريح. ولا غاية من هذا الطيران سوى لذة الطيران إلى المجهول، حتى هبط الليل على المجهول وعلى المعلوم، وصار المكان أعمى. لم تعلم أنك قد سقطت. لكن الحصان العائد بلا فارسه الصغير هو مَنْ دلَّ أهلك على موقع طيشك. ضمدوا الجرح في حاجبك الأيمن، ثم عاقبوك.” ص21 وقد تكرر في كتاب “في حضرة الغياب”، حديث محمود درويش عن خروجه من حيفا، فيما يشبه إعادة النظر في هذا الخروج. لنقرأ ما كتبه في هذا الصدد: “وقلت: ابتعدت قليلاً لأقترب، فقالوا: هذه هي طريقة النادم في الكلام. فهل ندمتَ حقاً على هذا السفر؟ قلت: لا أعرف ما دمت في أول الطريق.”ص68 . ومرة أخرى يقول: “وأصغيتَ إلى صوت فيك يناديك ويرميك بوخز الإبر، كلما وصلتَ إلى مفترق أو منحدر: لماذا… لماذا نزلتَ عن جبل الكرمل؟” ص75 . ويقول وهو مقيم في القاهرة: “لكن، لماذا نزلتَ عن الكرمل؟ يغيب السؤال عن الآخرين ويحضر فيك وحدك، سرّياً خفيّاً كآلام الشبح التي يوقظها عُضْوٌ مبتور. فتقول: كفى هذا. وتنام.” ص76 . ويقول وهو باقٍ في بيروت بينما خرجت المقاومة من هناك في السفن: “وتعترف بأنك أخطأت: لماذا نزلتُ عن الكرمل، ولم أكمل رحلتي مع إخوتي إلى البحر… إلى ما لا أعرف؟” ص81 . ويقول وهو عائد إلى الكرمل بعد أوسلو: “فماذا تفعل حين تصل إلى الكرمل غير أن تسأل: لماذا نزلت عن الكرمل؟ وفي نفسك الأمارة بالحيرة جواب مبهم: لكي أتعلم المشي على طرق لا أعرفها.” ص154 ثم نصل إلى بيت القصيد حينما يطرح درويش على نفسه أسئلة تصعّد السؤال عن النزول عن الكرمل إلى مستوى إشكالي، وتفتح الباب واسعاً على قلق الكائن الإنساني إزاء معضلة الوجود والعدم، وتضمر في الوقت نفسه إحساساً بعبث الرحلة الإنسانية المحكومة بالموت، حيث يترك محمود درويش هذا الإحساس موارباً، وذلك احتراماً منه لجلال عودته الناقصة إلى الوطن : “وعلى الطريق الساحلي تساءلت: وماذا لو بقيتُ في حيفا؟ ماذا لو بقيت في أيّ مكان؟ ماذا لو كنت؟ ماذا لو لم أكن. تتحاشى الوصول إلى الخلاصة: باطل الأباطيل، والكل باطل. فجأة يسقط مطر خفيف يبلل روحك. ” ص156 تنتهي السيرة بتأكيد رثاء الشاعر لنفسه، وبتحديد موقفه إزاء الخلود ورغباته تجاه جنازته وتجاه مواقف المعزين. “مسجى أمامي بلا ضجيج، هادئاً هادئاً، ولا رأي لك في ما حولك. فوقنا سماء محايدة.” ص165 وهنا لا بد من الإشارة إلى تشابهٍ ما، في الإطار العام للبنية الفنية في الكتابين: “ذاكرة للنسيان” و “في حضرة الغياب”. يبدأ الكتاب الأول بلحظة حلم أثناء النوم، الذي هو “موت مجازي” بحسب درويش، يعقبها صحو حارق على وضع الحصار والقصف الذي تحياه بيروت، وينتهي بلحظة حلم أثناء النوم، حيث يتكرر الحلم الذي كان في البداية، ثم تعقبه لحظة صحو على الرحيل في السفن من بيروت، حيث لا يرى السارد لا ساحلاً ولا حمامة. ويبدأ الكتاب الثاني بلحظة موت تنداح خلالها وقائع من حياة السارد وتأملات في الحياة وفي الموت، وينتهي باللحظة نفسها التي تتكرر، بما يوحي بأن كل ما مر بنا من وقائع وتأملات، إنما كان استرجاعاً في لحظة الموت التي يعود السارد إلى تأكيد وجودها، وإلى استثمار هذا التأكيد بمزيد من التأملات المفتوحة على تأويلات عدة، ثم تعقب ذلك رحلة الكائن الإنساني الأخيرة، حيث “أرى طائراً يحملني ويحملك، ونحن جناحاه، إلى ما وراء الرؤيا، في رحلة لا نهاية لها ولا بداية، لا قصد ولا غاية.” ص180 مجمل القول، إن هذه السيرة لا تعتمد إلا على القليل من وقائع الحياة الشخصية لمحمود دوريش، وهي تأمل فذّ -محمول على جناحي اللغة- في الحياة والموت والوجود والعدم والوطن والكتابة والمرأة والحب. يصدق عليها ما قاله د. محمد عبيد الله: ” على هذا النحو ينطلق الشاعر من وقائع حقيقية كما هو الحال في السيرة، لكنه يتحكم بصياغتها وينقلب على حدود السيرة ليتخذ من تلك الوقائع فرصة للجدل مع الموت ومحاكمته وتوطين النفس على احتماله.” 12 وما قاله أيضاً: ” نرى ما يشبه السيرة المواربة، ونكاد ننسب الكتاب إلى السيرة، أو إلى صيغة من صيغ الأدب الشخصي، ولكن درويش أيضاً استخدم هذا النوع بطريقة حرة بعيدة عن مقتضيات الوقائعية السيرية وشروط السرد السيري، إنها سيرة بالنظر إلى أن الكتاب متعلق بحياة درويش وبتأملاته في الحياة.” 13 إنها سيرة ذاتية، ولكن بأسلوب مختلف، وهي تحرض على مزيد من التأمل والبحث في نثر محمود درويش، وفي ما يشتمل عليه من تجريب عالي الكفاءة، ومن تقنية متفوقة وجماليات. هوامش: 1 . سنكون يوماً ما نريد/ منشورات وزارة الثقافة/ رام الله/ 2008 / إعداد: مهند عبد الحميد/ ص98 (عن حوار أجراه عبده وازن- جريدة الحياة اللندنية/ 14 / 12 / 2005). 2 . المصدر السابق/ ص89 . 3 . حيرة العائد/ مقالات مختارة/ محمود درويش/ رياض الريس للكتب والنشر/ الطبعة الأولى 2007 4 . في وصف حالتنا/ مقالات مختارة 1975 – 1985 / محمود درويش/ دار الكلمة للنشر/ بيروت/ الطبعة الأولى 1987 5 . في حضرة الغياب/ نص/ محمود درويش/ رياض الريس للكتب والنشر/ الطبعة الأولى 2006 6 . يوميات الحزن العادي/ محمود درويش/ الطبعة الأولى/ مركز الأبحاث الفلسطيني 1973 / الطبعة الرابعة/ رياض الريس للكتب والنشر 2007 7 .ذاكرة للنسيان/ محمود درويش/ منشورات وزارة الثقافة بالتعاون مع دار الناشر/ رام الله 1997 8 . أثر الفراشة/ يوميات/ محمود درويش/ رياض الريس للكتب والنشر/ الطبعة الأولى 2008 9 . ناثر الوزن/ صبحي حديدي/ جريدة القدس العربي/ 16 مارس 2009 . 10 . محمود درويش حوّل الشعر قهوة للصباحات.. والحلم وشاحاً للحب/ إلياس خوري/ المصدر السابق/ ص163 11 . لماذا تركت الحصان وحيداً/ محمود دوريش/ رياض الريس للكتب والنشر/ الطبعة الأولى 1995 12 . في حضرة الغياب: سيرة مواربة لمحمود درويش/ جريدة الثورة/ دمشق/ الملحق الثقافي / د.محمد عبيد الله الثلاثاء 9/1/2007 13 . المصدر السابق. وقدم الناقد ابراهيم جوهر الورقة التالية: اللغة الدرويشية في ( الجدارية ) لغة الجدار العالي الذي سيكون يوما إبراهيم جوهر / القدس عمل محمود درويش على الاستفادة من خصائص اللغة العربية في بناء هويته كشاعر ، وتسامي قامته كمجدّد في التعبير كاشف عن أسرار اللغة ومرونتها وقابليتها غير المحدودة على الاستيعاب والنهوض والتأثير والتوصيل والتصوير ونقل الأحاسيس والمشاعر والحوار بين العام والخاص ، والذات والآخر ، والذات وذاتها ، ضمن إطار من الفلسفة والتاريخ والموروث الثقافي العالمي والكتب السماوية ، والتراث الأدبي العربي الغني الذي أحياه وجدّد النظرة إليه والنظر فيه . تشكّل اللغة عند محمود درويش جدارا يقيه ، ويساعده ، ويحميه . يتسلّقه ، ويخطّ عليه ما في نفسه موصلا رسالته إلى العالم بأسره ؛ اللغة هي الإنسان ، وهي السحر الآسر الذي يأسرك فتظل تسعى وراء فكّ رموزه ، وملاحقة دلالاته ، وتصيّد غزالاته الشاردة في براري الإبداع اللامحدودة . اللغة عنده مساحة من البوح والتعبير والنفس والشعور . إنها كائن حيّ ينمو ويحسّ ويتنفس ويموت ويفسد ؛ يفسده الأعداء ، وينقّيه الأصدقاء . يقول مبررا سبب حقده على ( شارون – رئيس وزراء إسرائيل ) وعدم كتابته قصيدة عنه :( إنه لا يستحق قصيدة فهو يفسد اللغة) . اللغة تفسد حين تضطر للهبوط في التعبير عن مستوى هابط ، متدنّ ، فتفسد وتتشوّه ، لذلك فإن الشاعر حريص على نقاء لغته ، وصونها من الفساد . والقصيدة عنده تعني الحياة ، فشارون لا يستحق أن يحيى في القصيدة ، وبالقصيدة ، التي هي في أصلها نقية صافية ذات أسرار وجمال لا يقبل أن يشوّهه الفاسدون . هذه لغة درويش التعبيرية في اللقاءات الصحفية ، هي لغة شعرية ، نقية ، جميلة ، ذات أبعاد ودلالات ورؤى . وذات ظلال وذاكرة وبيان آسر مدهش . إنه يطوّر اللغة ، ويعلي من شأنها ، ويلفت النظر للاهتمام بها . اللغة تسفّ وهي تصف سفيها ، وتغوص في الوحل والدم وهي تصف قاتلا حاقدا . شارون رمز كل مغتصب حاقد إذن يفسد اللغة ؛ لغة القصيدة التي هي حياة توهب لمن يستحقها وهو جدير بها . اللغة عند درويش مفهوم أعلى من كونها مجرد رموز يعبّر من خلالها كل قوم عن حاجاتهم . إنها أداة للمقاومة بفعل الكتابة . وهي سلاح ينفرد به الشاعر ويتفوق على الخصم الذي لا يمتلك لغته الخاصة به التي تستطيع المواجهة وتقدر على هزيمة لغة الشاعر العالية . اللغة عند درويش ذات جذور عميقة في بطن التاريخ ، وذات آفاق واسعة المدى ، بعيدة الوقع . وهي وسيلة تحدّ وانتصار . يقول في توصيف لحظاته وقت الحصار في رام الله :( لم تكن لديّ طريقة مقاومة إلاّ أن أكتب ، وكلما كتبت أكثر كنت أشعر أن الحصار يبتعد ، وكانت اللغة ، وكأنها تبعد الجنود لأن قوتي الوحيدة هي قوة لغوية . ) لقد عمل محمود درويش على تطوير اللغة وتطويعها في خدمة مشروعه الشعري المتكامل ، ولفت النظر إلى أهميتها وقدرتها وقيمتها ، هذا المشروع المتكىء على اللغة العربية أداة توصيل وتحدّ وتعبير ، وجاءت لغته الشعرية ذات بنى مجازية بلاغية وكناية واستعارة ، فكان مجدّدا في اللغة وباللغة التي صارت على يديه سلاحا يشهر في وجه العدو الذي ناقش قصيدته ( عابرون في كلام عابر ) في برلمانه . ( الجدارية ) تلخيص إبداعي شامل محكم لمسيرة تاريخية عامة وخاصة ، حكى فيها الخاص العام وعبّر عنه ، وأعلى فيها العام الخاص واتكأ عليه في جدلية إبداعية يصعب الفصل بين مكوّناتها . وهي أيضا سيرة ذاتية ، وسيرة عامة . وسير نفسية إنسانية فلسفية كفاحية برزت فيها القدرة اللغوية العالية للشاعر ، وقدرة اللغة على النقل والتأثير والتعبير على أبلغ وجه . أخذت ( الجدارية ) عنوانها ، وهندسة بنائها من لغة الفن التشكيلي ، ووجدت في امتداد الجدارية الفنية على الجدار ، ووقوفها ، معادلا موضوعيا لامتداد تاريخ الشاعر وقضية شعبه ، وسيرته الشخصية التي عبّر عنها بلغة الإيجاز والكناية والإشارة .وهي التي فجّرت فكرتها تجربة ذاتية بعد المرض القلبي للشاعر في سنوات حياته الأخيرة ، فتكوّنت فسيفساء جدارية عملاقة ذات أبعاد ورؤى وتوصيف للواقع واستشراف للمستقبل في مسيرة عذاب وكفاح وتحدّ متواصلة ، استطاعت اللغة حملها ونقلتها عن طريق التفصيل والتكرار ؛ تكرار اللفظة ، وتكرار المعنى ، والصورة ، والذاكرة بهدف التوكيد والإصرار ورسم المستقبل الذي سيصير حتما . و ( الجدارية ) وإن كانت مدفوعة بتجربة ذاتية هي مرض القلب والممرضات في المستشفى الفرنسي ، فقد حملت تجربة المرض الإنساني وإشارات الموت المبكر بلغة تجاورت فيها الجمل الاسمية مع الفعلية ، وغموض الاسم النكرة مع غموض الصورة المتخيّلة للممر اللولبي ( هذا هو اسمك / قالت امرأة وغابت في الممر اللولبي ) – ص 441 – الاسم لغة ، واللغة سلاح . وهذا هو اسمك ؛ هذا هو سلاحك ، رمزك ، هويتك ، وكل شيء هو لك . فهل يملك الآن بعد رحلة عمر ورحلة شعر اسمه ؟؟ ( هذا هو اسمك ) هكذا تبدأ ( الجدارية ) لتكون نهايتها في ارتفاع نغمة التحدي والإصرار والثقة : ( هذا البحر لي / هذا الهواء الرطب لي / واسمي / وإن أخطأت لفظ اسمي على التابوت / لي ) – ص 536 – وهو الذي كان قد حلّل حروف اسمه في تجانس استدعى فيه معاني الوجود والديمومة والتحدي ، وذاكرة اللغة ( واسمي ، وإن أخطأت لفظ اسمي / لخمسة أحرف أفقية التكوين لي : ميم : المتيّم والميتّم والمتمّم ما مضى / حاء : الحديقة والحبيبة ، حيرتان وحسرتان / ميم : المغامر والمعدّ المستعدّ لموته / الموعود منفيا ، مريض المشتهى / واو : الوداع ، الوردة الوسطى ، ولاء للولادة أينما وجدت ، ووعد الوالدين / دال : الدليل ، الدرب ، دمعة / دارة درست ، ودوريّ يدلّلني ويدميني / وهذا الاسم لي ….. ولأصدقائي ، أينما كانوا ، ولي / جسدي المؤقت ، حاضرا أم غائبا ) – ص532 وما بعدها – تبرز ياء الملكية في ألفاظ القصيدة بتكرار لافت قصده الشاعر ، ويتردد ( أنا ) الشاعر ( الفاعل ) حاضرا ظاهرا أو غائبا مستترا ليؤكّد حضوره ، واستمراره ، وتحدّيه لأعدائه ؛ أعداء اللغة ، وأعداء النفس لا الجسد الفاني ، وأعداء الحياة . تكرّر الضمير الدّال على الذات عشر مرات في المقطع السابق وحده ، ويتكرّر في المقطع الآتي 13 مرة : ( أرى السماء هناك في متناول الأيدي ويحملني جناح حمامة بيضاء صوب طفولة أخرى . ولم أحلم بأنّي كنت أحلم . كل شيء واقعي . كنت أعلم أنني ألقي بنفسي جانبا … وأطير ، سوف أكون ما سأصير في الفلك الأخير …. أنا وحيد ) – ص441 – ثم ينتقل الشاعر إلى محور آخر من محاور جداريته المتعددة ، فيكرر في تحدّ وثقة عالية ، أنه يعرف ما يريد ، وأنه سيصير يوما ما يريد ، ثماني مرات ، في مقطوعة عدد أسطرها 26 سطرا . والمقطوعة تنتهي بالاكتمال والانتقال من ضمير ( الأنا ) – سأصير – إلى ضمير الجمع ( النحن ) : ( سنكون ما نريد ) – ص 448 – ويشكل المكان همّا مؤرقا للشاعر الذي يعاني من فقده ، وبسبب من فقده . وهو إذ يدرك أهمية المكان لتحقيق الحلم الذي سيصيره واقعا موثوقا منه وفيه ، فإنه مسكون بهذا المكان ( فالمكان خطيئتي وذريعتي ) –ص 446 – فالخطيئة تقابل الذريعة وتتضاد معها لتوضّحها وتبرّرها ( أنا من هناك . و “هنا “ي يقفر من خطاي إلى مخيلتي ) –ص 446- إنه يواصل المقابلة بين ضدين : هناك و “هنا “ي – والخطى التي تكون على الأرض إلى المخيلة الفوقية اللاأرضية من أجل الأرض ؛ المكان . وحين يكرّر ما قالته تلك المرأة : ( هذا هو اسمك ) فإنه يعلي من شأن اسمه / رمزه وتاريخه الذي يسمو فوق مجرد كونه اسما للتمييز ( يا اسمي : سوف تكبر حين تكبر / سوف تحملني وأحملك / الغريب أخ الغريب … ) – ص 448 – الاسم والمسمّى ، أو المعنى والمادة ، الرمز والجسد هنا يتوحّدان ، ثم يتحاوران ويتساءلان . إنها معادلة الصراع من أجل الكينونة والبقاء والانتصار . ( فلنذهب إلى أعلى الجداريات : أرض قصيدتي خضراء ، عالية ، كلام الله عند الفجر أرض قصيدتي وأنا البعيد / أنا البعيد ) –ص 449 – أعلى الجداريات عنده هي أرض قصيدته الخضراء العالية ، الخصب والارتفاع والتسامي فيها . (أرض القصيدة ) لفظ دالّ يستوقف القارىء . ثم إنها ( كلام الله عند الفجر ) والفجر أول النهار ، الوقت الساحر الصافي النقيّ النشط المتوثّب الباسم . وكلام الله هو لغته الخالقة ، وحكمته ، وقدرته ، وأوامره العليّة في أرض القصيدة / الجدارية العالية . محمود درويش شاعر ذو مشروع لغويّ إبداعي بيانيّ ، عمل فيه على تطويع اللغة وتطويرها وكشف أسرارها الكامنة وقدرتها اللامحدودة على التعبير عن قضايا كبيرة شائكة في تصوير بياني إيحائيّ ذي آفاق مفتوحة على الجمال والتأويل والسحر والموسيقى والرمز . وهو يأخذ بيديّ اللغة ليوقفها على مشارف المستقبل الأخضر الذي سيكون يوما ، وسيصير كما أراد . لقد صدق وأجاد حين قال : إن قوتي الوحيدة قوة لغوية . ولغة درويش هنا لغة خاصة جدّد فيها وأجاد . وقد صار ما أراد في هذا الجانب . – الإشارات والاقتباسات من قصيدة الجدارية المنشورة في ديوان الشاعر ( الأعمال الجديدة ) منشورات رياض الريس 2004 م. وقدم الكاتب سمير الجندي الورقة التالية: مرثية سميح القاسم في محمود درويش رحمه الله… دراسة أسلوبية بقلم: سمير الجندي/ القدس الشريف تَخلَّيتَ عن وِزرِ حُزني ووزرِ حياتي وحَمَّلتَني وزرَ مَوتِكَ، أنتَ تركْتَ الحصانَ وَحيداً.. لماذا؟ وآثَرْتَ صَهوةَ مَوتِكَ أُفقاً، وآثَرتَ حُزني مَلاذا أجبني. أجبني.. لماذا؟ * * * عَصَافيرُنا يا صَديقي تطيرُ بِلا أَجنحهْ وأَحلامُنا يا رَفيقي تَطيرُ بِلا مِرْوَحَهْ تَطيرُ على شَرَكِ الماءِ والنَّار. والنَّارِ والماءِ. مَا مِن مكانٍ تحطُّ عليهِ.. سوى المذبَحَهْ وتَنسى مناقيرَها في تُرابِ القُبورِ الجماعيَّةِ.. الحَبُّ والحُبُّ أَرضٌ مُحَرَّمَةٌ يا صَديقي وتَنفَرِطُ المسْبَحَهْ هو الخوفُ والموتُ في الخوفِ. والأمنُ في الموتِ لا أمْنَ في مجلِسِ الأَمنِ يا صاحبي. مجلسُ الأمنِ أرضٌ مُحايدَةٌ يا رفيقي ونحنُ عذابُ الدروبِ وسخطُ الجِهاتِ ونحنُ غُبارُ الشُّعوبِ وعَجْزُ اللُّغاتِ وبَعضُ الصَّلاةِ على مَا يُتاحُ مِنَ الأَضرِحَهْ وفي الموتِ تكبُرُ أرتالُ إخوتنا الطارئينْ وأعدائِنا الطارئينْ ويزدَحمُ الطقسُ بالمترَفين الذينْ يُحبّونَنا مَيِّتينْ ولكنْ يُحبُّونَنَا يا صديقي بِكُلِّ الشُّكُوكِ وكُلِّ اليَقينْ وهاجَرْتَ حُزناً. إلى باطلِ الحقِّ هاجَرْتَ مِن باطلِ الباطِلِ ومِن بابلٍ بابلٍ إلى بابلٍ بابلِ ومِن تافِهٍ قاتلٍ إلى تافِهٍ جاهِلِ ومِن مُجرمٍ غاصِبٍ إلى مُتخَمٍ قاتلِ ومِن مفترٍ سافلٍ إلى مُدَّعٍ فاشِلِ ومِن زائِلٍ زائِلٍ إلى زائِلٍ زائِلِ وماذا وَجَدْتَ هُناكْ سِوى مَا سِوايَ وماذا وَجّدْتَ سِوى مَا سِواكْ؟ أَخي دَعْكَ مِن هذه المسألَهْ تُحِبُّ أخي.. وأُحِبُّ أَخاكْ وأَنتَ رَحَلْتَ. رَحَلْتَ. ولم أبْقَ كالسَّيفِ فرداً. وما أنا سَيفٌ ولا سُنبُلَهْ وَلا وَردةٌ في يَميني.. وَلا قُنبُلَهْ لأنّي قَدِمْتُ إلى الأرضِ قبلكَ، صِرْتُ بما قَدَّرَ اللهُ. صِرْتُ أنا أوَّلَ الأسئلَهْ إذنْ.. فَلْتَكُنْ خَاتَمَ الأسئِلَهْ لَعّلَّ الإجاباتِ تَستَصْغِرُ المشكلَهْ وَتَستَدْرِجُ البدءَ بالبَسمَلَهْ إلى أوَّلِ النّورِ في نَفَقِ المعضِلَهْ.. * * تَخَفَّيْتَ بِالموتِ، تَكتيكُنا لم يُطِعْ إستراتيجيا انتظارِ العَجَائِبْ ومَا مِن جيوشٍ. ومَا مِن زُحوفٍ. ومَا مِن حُشودٍ. ومَا مِن صُفوفٍ. ومَا مِن سَرايا. ومَا مِن كَتائِبْ ومَا مِن جِوارٍ. ومَا مِن حِوارٍ. ومَا مِن دِيارٍ. ومَا مِن أقارِبْ تَخَفَّيْتَ بِالموْتِ. لكنْ تَجَلَّى لِكُلِّ الخلائِقِ زَحْفُ العَقَارِبْ يُحاصِرُ أكْفانَنا يا رفيقي ويَغْزو المضَارِبَ تِلْوَ المضارِبْ ونحنُ مِنَ البَدْوِ. كُنّا بثوبٍ مِنَ الخيشِ. صِرنا بربطَةِ عُنْقٍ. مِنَ البَدْوِ كُنّا وصِرنا. وذُبيانُ تَغزو. وعَبْسٌ تُحارِبْ. * * * وهَا هُنَّ يا صاحبي دُونَ بابِكْ عجائِزُ زوربا تَزَاحَمْنَ فَوقَ عَذابِكْ تَدَافَعْنَ فَحماً وشَمعاً تَشَمَّمْنَ مَوتَكَ قَبل مُعايشَةِ الموتِ فيكَ وفَتَّشْنَ بينَ ثيابي وبينَ ثيابِكْ عنِ الثَّروةِ الممكنهْ عنِ السرِّ. سِرِّ القصيدَهْ وسِرِّ العَقيدَهْ وأوجاعِها المزمِنَهْ وسِرِّ حُضورِكَ مِلءَ غِيابِكْ وفَتَّشْنَ عمَّا تقولُ الوصيَّهْ فَهَلْ مِن وَصيَّهْ؟ جُموعُ دُخانٍ وقَشٍّ تُجَلجِلُ في ساحَةِ الموتِ: أينَ الوصيَّهْ؟ نُريدُ الوصيَّهْ! ومَا أنتَ كسرى. ولا أنتَ قيصَرْ لأنَّكَ أعلى وأغلى وأكبَرْ وأنتَ الوصيَّهْ وسِرُّ القضيَّهْ ولكنَّها الجاهليَّهْ أجلْ يا أخي في عَذابي وفي مِحْنَتي واغترابي أتسمَعُني؟ إنَّها الجاهليَّهْ وَلا شيءَ فيها أَقَلُّ كَثيراً سِوى الوَرْدِ، والشَّوكُ أَقسى كَثيراً. وأَعتى كَثيراً. وَأكثَرْ ألا إنَّها يا أخي الجاهليَّهْ وَلا جلفَ مِنَّا يُطيقُ سَماعَ الوَصيَّهْ وَأنتَ الوَصيَّةُ. أنتَ الوَصيَّةُ واللهُ أكبَرْ.. * * * سَتذكُرُ. لَو قَدَّرَ الله أنْ تَذكُرا وتَذكُرُ لَو شِئْتَ أنْ تَذكُرا قرأْنا امرأَ القَيسِ في هاجِسِ الموتِ، نحنُ قرأْنا مَعاً حُزنَ لوركا وَلاميّةَ الشّنفرى وسُخطَ نيرودا وسِحرَ أراغون ومُعجزَةَ المتنبّي، أَلَمْ يصهَر الدَّهرَ قافيةً.. والرَّدَى منبرا قرأْنا مَعاً خَوفَ ناظم حِكمَت وشوقَ أتاتورك هذا الحقيقيّ شَوقَ أخينا الشّقيّ المشَرَّدْ لأُمِّ محمَّدْ وطفلِ العَذابِ محمَّد وسِجنِ البلادِ المؤبَّدْ قرأْنا مَعاً مَا كَتَبنا مَعاً وكَتَبنا لبِروَتنا السَّالِفَهْ وَرامَتِنا الخائِفَهْ وَعكّا وحيفا وعمّان والنّاصرَهْ لبيروتَ والشّام والقاهِرَهْ وللأمَّةِ الصَّابرَهْ وللثورَةِ الزَّاحفَهْ وَلا شَيءَ. لا شَيءَ إلاّ تَعاويذ أحلامِنا النَّازِفَهْ وساعاتِنا الواقِفَهْ وأشلاءَ أوجاعِنا الثَّائِرَهْ * * * وَمِن كُلِّ قلبِكَ أنتَ كَتبتُ وَأنتَ كَتبتَ.. ومِن كُلِّ قلبي كَتَبْنا لشعْبٍ بأرضٍ.. وأرضٍ بشعبِ كَتَبْنا بحُبٍّ.. لِحُبِّ وتعلَمُ أنَّا كَرِهْنا الكراهيّةَ الشَّاحبَهْ كَرِهْنا الغُزاةَ الطُّغاةَ، وَلا.. ما كَرِهْنا اليهودَ ولا الإنجليزَ، وَلا أيَّ شَعبٍ عَدُوٍ.. ولا أيَّ شَعبٍ صديقٍ، كَرِهْنا زباني الدولِ الكاذِبَهْ وَقُطعانَ أوْباشِها السَّائِبَهْ كَرِهْنا جنازيرَ دبَّابَةٍ غاصِبَهْ وأجنحَةَ الطائِراتِ المغيرَةِ والقُوَّةَ الضَّارِبَهْ كَرِهْنا سَوَاطيرَ جُدرانِهِم في عِظامِ الرّقابِ وأوتادَهُم في الترابِ وَرَاءَ الترابِ وَرَاءَ الترابِ يقولونَ للجوِّ والبَرِّ إنّا نُحاولُ للبحْرِ إلقاءَهُم، يكذبُونْ وهُم يضحكُونَ بُكاءً مَريراً وَيستعطفونْ ويلقونَنَا للسَّرابِ ويلقونَنَا للأفاعِي ويلقونَنَا للذّئابِ ويلقونَنَا في الخرابِ ويلقونَنا في ضَياعِ الضَّياعِ وتَعلَمُ يا صاحبي. أنتَ تَعلَمْ بأنَّ جَهَنَّم مَلَّتْ جَهّنَّمْ وعَافَتْ جَهَنَّمْ لماذا تموتُ إذاً. ولماذا أعيشُ إذاً. ولماذا نموتُ. نعيشُ. نموتُ. نموتُ على هيئَةِ الأُممِ السَّاخِرهْ وَعُهْرِ ملفَّاتِها الفاجِرَهْ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟.. ومَا كُلُّ هذا الدَّمار وهذا السقوط وهذا العذاب ومَا كلُّ هذا؟ وهذا؟ وهذا؟ * * * تذكَّرْ وقدْ يُسعِفُ اللهُ مَيْتاً بأنْ يتذكَّرَ. لله نحنُ. فحاول إذن.. وتذكَّرْ تذكَّرْ رضا الوالِدَهْ لأُمَّينِ في واحِدَهْ ونعمةَ كُبَّتِها.. زينة المائِدَهْ وطُهرَ الرَّغيفِ المقمَّرْ تذكَّرْ أباً لا يُجيدُ الصّياحْ ولا يتذمَّرْ تذكَّرْ أباً لا يضيقُ ولا يتأفَّفُ مِن سَهَرٍ صاخِبٍ للصَّباحْ تذكَّرْ كَثيراً. ولا تتذكَّرْ كَثيراً. فبعضُ الحِكاياتِ سُكَّرْ وكُلُّ الخرافاتِ سُمٌّ مُقَطَّرْ ونحنُ ضَحايا الخرافاتِ. نحنُ ضَحايا نبوخذ نصّرْ وأيتام هتلَرْ ومِن دَمِنا للطُّغاةِ نبيذٌ ومِن لَحمِنا للغُزاةِ أكاليلُ غارٍ ووردٍ ومِسْكٌ. وَعَنبَرْ فَلا تتذكِّرْ قيوداً وسجناً وعسكَرْ وبيتاً مُدَمَّرْ وَليلاً طَويلاً. وَقَهراً ثقيلاً وسَطواً تكرَّرْ وَلا تتذكَّرْ لا تتذكَّرْ لا تتذكَّرْ.. * * * لأنّا صديقانِ في الأرضِ والشّعبِ والعُمرِ والشِّعرِ، نحنُ صريحانِ في الحبِّ والموتِ.. يوماً غَضِبْتُ عليكَ.. ويوماً غَضِبْتَ عَلَيّ وَمَا كانَ شَيءٌ لدَيكَ. وَمَا كانَ شَيءٌ لَدَيّ سِوَى أنّنا مِن تُرابٍ عَصِيّ وَدَمْعٍ سَخيّ نَهاراً كَتبْتُ إليكَ. وَليلاً كَتَبْتَ إليّ وأعيادُ ميلادِنا طالما أنذَرَتْنا بسِرٍّ خَفِيّ وَمَوتٍ قريبٍ.. وَحُلمٍ قَصِيّ ويومَ احتَفَلْتَ بخمسينَ عاماً مِنَ العُمرِ، عُمرِ الشَّريدِ الشَّقيّ البَقيّ ضَحِكنا مَعاً وَبَكَيْنا مَعاً حينَ غنَّى وصلّى يُعايدُكَ الصَّاحبُ الرَّبَذيّ: على وَرَقِ السنديانْ وُلِدْنا صباحاً لأُمِّ الندى وأبِ الزّعفرانْ ومتنا مساءً بِلا أبوَينِ.. على بَحرِ غُربتِنا في زَوارِقَ مِن وَرَقِ السيلوفانْ على وَرَقِ البَحرِ. لَيلاً. كَتَبْنا نشيدَ الغَرَقْ وَعُدْنا احتَرَقْنا بِنارِ مَطالِعِنا والنّشيدُ احتَرَقْ بنارِ مَدَامِعِنا والوَرَقْ يطيرُ بأجْنِحَةٍ مِن دُخانْ وهَا نحنُ يا صاحبي. صَفحَتانْ وَوَجهٌ قديمٌ يُقَلِّبُنا مِن جديدٍ على صَفَحاتِ كتابِ القَلَقْ وهَا نحنُ. لا نحنُ. مَيْتٌ وَحَيٌّ. وَحَيٌّ وَمَيْتْ بَكَى صاحبي على سَطحِ غُربَتِهِ مُستَغيثاً بَكَى صاحبي وَبَكَى.. وَبَكَيْتْ على سَطحِ بَيْتْ ألا ليتَ لَيتْ ويا ليتَ لَيتْ وُلِدنا ومتنا على وَرَقِ السنديانْ.. * * * ويوماً كَتَبْتُ إليكَ. ويوماً كَتَبْتَ إليّ أُسميكَ نرجسةً حَولَ قلبي7-7-.. وقلبُكَ أرضي وأهلي وشعبي وقلبُكَ.. قلبي.. * * * يقولونَ موتُكَ كانَ غريباً.. ووجهُ الغَرابَةِ أنّكَ عِشْتَ وأنّي أعيشُ. وأنّا نَعيشُ. وتعلَمُ. تَعلَمُ أنّا حُكِمْنا بموتٍ سريعٍ يمُرُّ ببُطءٍ وتَعلَمُ تَعْلَمُ أنّا اجترَحْنا الحياةَ على خطأٍ مَطْبَعِيّ وتَعلَمُ أنّا تأجَّلَ إعدامُنا ألف مَرَّهْ لِسَكْرَةِجَلاّدِنا تِلْوَ سَكْرهْ وللهِ مَجْدُ الأعالي. ونصلُ السَّلام الكلام على الأرضِ.. والناسُ فيهم ـ سِوانا ـ المسَرَّهْ أنحنُ مِن الناسِ؟ هل نحنُ حقاً مِن الناسِ؟ مَن نحنُ حقاً؟ ومَن نحنُ حَقاً؟ سألْنا لأوّلِ مَرَّهْ وَآخرِ مَرَّهْ وَلا يَستَقيمُ السّؤالُ لكي يستَقيمَ الجوابُ. وها نحنُ نَمكُثُ في حَسْرَةٍ بعدَ حَسْرَهْ وكُلُّ غَريبٍ يعيشُ على ألفِ حَيْرَهْ ويحملُ كُلُّ قَتيلٍ على الظَّهرِ قَبرَهْ ويَسبُرُ غَوْرَ المجَرَّةِ.. يَسبُرُ غَوْرَ المجَرَّهْ.. * * * تُعانقُني أُمُّنا. أُمُّ أحمدَ. في جَزَعٍ مُرهَقٍ بعذابِ السِّنينْ وعِبءِ الحنينْ وَتَفْتَحُ كَفَّينِ واهِنَتَينِ موبِّخَتَينِ. وَتَسأَلُ صارخةً دُونَ صَوتٍ. وتسألُ أينَ أَخوكَ؟ أَجِبْ. لا تُخبِّئ عَلَيَّ. أجِبْ أينَ محمود؟ أينَ أخوكَ؟ تُزلزِلُني أُمُّنا بالسّؤالِ؟ فماذا أقولُ لَهَا؟ هَلْ أقولُ مَضَى في الصَّباحِ ليأْخُذَ قَهوَتَهُ بالحليبِ على سِحرِ أرصِفَةِ الشانزيليزيه. أمْ أدَّعي أنَّكَ الآن في جَلسَةٍ طارِئَهْ وَهَلْ أدَّعي أنَّكَ الآن في سَهرَةٍ هادِئهْ وَهَلْ أُتْقِنُ الزَّعْمَ أنّكَ في موعِدٍ للغَرَامِ، تُقابِلُ كاتبةً لاجئَهْ وَهَلْ ستُصَدِّقُ أنّكَ تُلقي قصائِدَكَ الآنَ في صالَةٍ دافِئَهْ بأنْفاسِ ألفَينِ مِن مُعجَبيكَ.. وكيفَ أقولُ أخي راحَ يا أُمَّنا ليَرَى بارِئَهْ.. أخي راحَ يا أُمَّنا والتقى بارِئَهْ.. * * * إذنْ. أنتَ مُرتَحِلٌ عن دِيارِ الأحبَّةِ. لا بأسَ. هَا أنتَ مُرتَحِلٌ لدِيارِ الأحبَّةِ. سَلِّمْ عَلَيهِم: راشد حسين فدوى طوقان توفيق زيّاد إميل توما مُعين بسيسو عصام العباسي ياسر عرفات إميل حبيبي الشيخ إمام أحمد ياسين سعدالله ونُّوس كاتب ياسين جورج حبش نجيب محفوظ أبو علي مصطفى يوسف حنا ممدوح عدوان خليل الوزير نزيه خير رفائيل ألبرتي ناجي العلي إسماعيل شمُّوط بلند الحيدري محمد مهدي الجواهري يانيس ريتسوس ألكسندر بن يوسف شاهين يوسف إدريس سهيل إدريس رجاء النقاش عبد الوهاب البياتي غسَّان كنفاني نزار قباني كَفاني. كَفاني. وكُثرٌ سِواهم. وكُثرٌ فسلِّم عليهم. وسَوفَ تُقابِلُ في جَنَّةِ الخُلدِ-سامي أخانا الجميلَ الأصيلَ. وَهلْ يعزِفونَ على العُودِ في جَنَّةِ الخُلْدِ؟ أَحبَبْتَ سامي مَع العودِ في قَعدَةِ العَينِ سامي مَضَى وَهْوَ في مِثلِ عُمرِكَ.. (67).. لا. لا أُطيقُ العَدَدْ وأنتُمْ أبَدْ يضُمُّ الأبَدْ ويَمْحُو الأبَدْ وَأَعلَمُ. سوفَ تَعودونَ. ذاتَ صباحٍ جديدٍ تعودُونَ للدَّار والجار والقدس والشمس. سَوفَ تَعودونَ. حَياً تَعودُ. وَمَيْتاً تَعودُ. وسَوفَ تَعودون. مَا مِن كَفَنْ يَليقُ بِنا غيرَ دَمعَةِ أُمٍّ تبلُّ تُرابَ الوَطَنْ ومَا مِن بِلادٍ تَليقُ بِنا ونَليقُ بِها غير هذي البلادْ ويوم المعادِ قريبٌ كيومِ المعادْ وحُلم المغنّي كِفاحٌ وموتُ المغنّي جهادُ الجِهادْ.. * * * إذاً أنتَ مُرتحلٌ عَن دِيارِ الأحِبَّةِ في زّوْرَقٍ للنجاةِ. على سَطْحِ بحرٍ أُسمّيهِ يا صاحبي أَدْمُعَكْ وَلولا اعتصامي بحبلٍ مِن الله يدنو سريعاً. ولكنْ ببطءٍ.. لكُنتُ زَجَرْتُكَ: خُذني مَعَكْ وخُذني مَعَكْ خذني معك . يخاطب الشاعر في مطلع هذه القصيدة معاتبا محمود درويش، يقول له: لقد أنساني رحيلك ما كنت فيه من أعباء هذه الحياة وثقلها، فكل همومي وأعبائي لا تقاس بالهم الذي تركته لي برحيلك هذا، وكأن الشاعر يحمل على كتفيه ثقل الأوضاع السياسية والاجتماعية، فكل هذه الهموم مجتمعة قد تلاشت وذهب أثرها ولم يعد لها وجود لحظة موتك ورحيلك، ويعاتب الراحل درويش قائلا له أنت لم تتعلم من الماضي وها أنت تتركني وحيدا مثلما تركت الحصان وحيدا ذات هجرة، أنت الآن تتألم تماما مثلما تألمت عندما تذكرت الحصان الذي تُرك خلفكم وحيدا في البيت، والحصان هنا الشاعر نفسه، وهو غير الحصان الذي ترك وحيدا في بداية النكبة، فهو يعاتب صديقه الراحل عتابا يُعبر فيه عن مقدار الألم والحزن الذي يعتصر قلبه، لدرجة أنه افتقده من أول لحظة رحل فيها، فهما الشاعر والراحل رفاق درب الشعر منذ نعومة أظفارهما، وتعلقا بمسؤولية هذا الوطن، وهمومه الجسام، لينسجا معا أغنياته وتراتيله وصلواته، والآن فإن العبء أصبح ملقى على كاهله وحد. نلمس بهذا مدى حرص الشاعر على ربط نفسه وجدانيا ووظيفيا مع الشاعر الراحل محمود درويش، فقد استعمل الشاعر لفظة (تخليت) وكأنني به يقول لصديقه الراحل أنت تركت المعركة ونحن في منتصف الطريق، وأنا الآن واجبي أن أمسك مجدافي القارب، خوفا من الهلاك، أنت يا صديقي انسحبت من المعركة وهي في أوجها، وهنا يعبر الشاعر عن مقدار كبير من الحزن لأن صديقه ورفيق دربه ترك المسيرة وهو ما زال في قمة عطائه وبذله، إذ يقول: تَخلَّيتَ عن وِزرِ حُزني ووزرِ حياتي وحَمَّلتَني وزرَ مَوتِكَ، أنتَ تركْتَ الحصانَ وَحيداً.. لماذا؟ وآثَرْتَ صَهوةَ مَوتِكَ أُفقاً، وآثَرتَ حُزني مَلاذا يريد من صديقه الراحل أن يعطي سببا مقنعا لرحيله وكأن الموت غير مقنع بل غير كاف لإقناعه، كما يعبر عن المفاجأة التي صدمته عندما سمع خبر وفاة رفيق دربه، حينما يردد قائلا: أجبني. أجبني.. لماذا؟ فتكرار فعل الأمر(أجبني) هنا، يدل على التأثر العميق من رحيل رفيق دربه، بل إن التكرار يمثل الدمع الذي يصارع مقلتي الشاعر، فيضج الفضاء بالبكاء والنحيب. يخاطب شاعرنا رفيقه الراحل قائلا له: ها هي قصائدنا تنتشر في فضاءات الكون بغيابنا عنها، لقد ترعرعت ولم تعد تعتمد على وجودنا في الانتشار، حتى أن أفكارنا وما نؤمن به من آراء وقناعات، أصبحت هي الأخرى تنتشر برغم هذا الغياب، ويعبر هنا عن استغرابه بموضوعات القصيدة، ودلالاتها، التي يتحدد مسارها بفعل أراء تختلف عن أحلام وأفكار الشاعرين، هي تصب دوما – من وجهة نظر المحللين – في بحر الوطن وعذاباته، رغم انها أحيانا كثيرة تكون خارج هذا الإطار الذي أسر القصيدة الفلسطينية وحمّلها ما لا تحتمل أحيانا كثيرة، وكأن الشاعر يريد التخفيف عن الراحل بما كان يعانيه من هذا الأمر الذي سبب له الضيق في كثير من المناسبات… إذ يقول: “عَصَافيرُنا يا صَديقي تطيرُ بِلا أَجنحهْ وأَحلامُنا يا رَفيقي تَطيرُ بِلا مِرْوَحَهْ تَطيرُ على شَرَكِ الماءِ والنَّار. والنَّارِ والماءِ. مَا مِن مكانٍ تحطُّ عليهِ.. سوى المذبَحَهْ وتَنسى مناقيرَها في تُرابِ القُبورِ الجماعيَّةِ.. الحَبُّ والحُبُّ أَرضٌ مُحَرَّمَةٌ يا صَديقي” فهل هو الخوف من الهروب من أسر الغرض الشعري حول المأساة الفلسطينية والمقاومة؟ أم هو عدم القدرة على التعامل مع القصيدة بحيادية وموضوعية؟ وهنا فإن الشاعر يربط بين هذا الأمر وبين المحافل السياسية التي تعالج القضايا الدولية بشكل مباشر لا لبس فيه، وكيف أن هذه المحافل وبالأخص مجلس الأمن الذي من أهم أهداف إنشائه توفير الأمن لجميع الدول الأعضاء فيه وبطبيعة الحال الدول العربية منها، وهو في هذه المباشرة يريد السخرية، لأن الأمن المنشود لم يتحقق، بل إن الذي استفاد من هذه المؤسسات الدولية هم فقط أنفسهم الذين يتنافسون على السيطرة على العالم وخيراته إن كانت ثروات طبيعية كالنفط والمعادن الثمينة الأخرى، أو إن كانت ممرات المياه والطرق التجارية والثروات البحرية، وأقرب دليل على ذلك أن جميع القرارات التي صدرت عن مجلس الأمن ولها علاقة بالقضايا العربية، وخاصة القضية الفلسطينية فإنها بقيت حبرا على ورق، ولم ينفذ منها شيئا، فهو يقول: “هو الخوفُ والموتُ في الخوفِ. والأمنُ في الموتِ لا أمْنَ في مجلِسِ الأَمنِ يا صاحبي. مجلسُ الأمنِ أرضٌ مُحايدَةٌ يا رفيقي” يضيف الشاعر قائلا: بأننا نحن أبناء فلسطين الذين نعاني ما لا يعانيه أحد مثلنا، فالجميع متكتل ضدنا بطريقة أو بأخرى، فيتعاملون معنا وكأننا نكرات لا دور لنا ولا حياة، هم يتباكون علينا لأمر في أنفسهم، وليس محبة أو حزنا علينا، يقدمون لنا بعض “العون” حتى نبقى على قيد الحياة ليستمتعوا في تعذيبنا، يقول: ونحنُ عذابُ الدروبِ وسخطُ الجِهاتِ ونحنُ غُبارُ الشُّعوبِ وعَجْزُ اللُّغاتِ وبَعضُ الصَّلاةِ على مَا يُتاحُ مِنَ الأَضرِحَهْ ويضيف شاعرنا قائلا: بأن الموت من نصيب فئة من الناس لا حول لها ولا قوة، سواء من الأصدقاء أو الأعداء، هم وقود يحترق ليدفئ جيوب المتنفذين المنتفعين أصحاب القرار، الذين يستثمرون الحروب لزيادة أرصدتهم البنكية، وبالتالي تنتفخ ثرواتهم كلما ازدادت أعداد الأموات من طرفي النزاع، فهم يا صديقي يفضلوننا ميتين لأن بموتنا هذا يصلب عودهم، وأنت يا صديقي في خضم هذا الواقع المؤلم تتركني وترحل حزينا: وفي الموتِ تكبُرُ أرتالُ إخوتنا الطارئينْ وأعدائِنا الطارئينْ ويزدَحمُ الطقسُ بالمترَفين الذينْ يُحبّونَنا مَيِّتينْ ولكنْ يُحبُّونَنَا يا صديقي بِكُلِّ الشُّكُوكِ وكُلِّ اليَقينْ وهاجَرْتَ حُزناً. إلى باطلِ الحقِّ هاجَرْتَ كأنني بالشاعر يريد القول أن الراحل ترك الحياة هاربا من آلامها ومآسيها، فاستخدم لفظة”هاجرت” التي ترتبط بمن يترك بلده سعيا وراء سعة الحال، أو راحة النفس، أو رفقة طيبة، أو لعلم، فهو لم يستخدم لفظة” رحلت” أو “قضيت”، وهنا يظهر اللاشعور جليا بأن الشاعر يعبر عما في نفسه من أفكار مسبقة عن تفضيله لموقفه عندما هاجر محمود درويش البلاد أول مرة، وهو أي الشاعر بقي صامدا في فلسطين في الخندق الأمامي للصراع مع العدو،أما درويش فقد هاجر من آلام المعاناة، وكان يعيش في غربة لا تنتهي إلا بالموت عندما عاد إلى أرض الوطن مرة ثانية، فقد استراح الآن من السفهاء والمغتصبين والمجرمين، ومن الظالمين، ومن المدّعين، لقد تجولت يا صديقي في كل مكان وخالطت كل الألوان والأجناس والأصوات، ولكنك في النهاية لم تجد حضنا دافئا إلا هذا الشعب وهذا الوطن الذي احتضنك في حياتك وفي مماتك، وكنت دائما على موعد مع شعبك ووطنك. وهنا فإنني المس شيئا من النرجسية عند شاعرنا، بتفضيله نفسه على الراحل، لأنه بقي على أرض الوطن بينما الراحل هاجر تاركا البلاد ومصاعبها وآلامها للشاعر، فهو يريد وضع نفسه بمرتبة أعلى من مرتبة الشاعر الراحل، حيث قال: مِن باطلِ الباطِلِ ومِن بابلٍ بابلٍ إلى بابلٍ بابلِ ومِن تافِهٍ قاتلٍ إلى تافِهٍ جاهِلِ ومِن مُجرمٍ غاصِبٍ إلى مُتخَمٍ قاتلِ ومِن مفترٍ سافلٍ إلى مُدَّعٍ فاشِلِ ومِن زائِلٍ زائِلٍ إلى زائِلٍ زائِلِ وماذا وَجَدْتَ هُناكْ سِوى مَا سِوايَ وماذا وَجّدْتَ سِوى مَا سِواكْ؟ رحيلك هذه المرة ليس كسابقتها من المرات عندما كنت تغادرنا وتتركني هنا وحيدا أمام التحديات، ولكنني الآن لا أريد ان أكون وحيدا أصارع كل التيارات، فلا أنا صانع سلام ولا أنا منبع الثوار، فإذا كنت أنا أول من أطلق شرارة التحدي، فأنت الآن آخر الأولياء، عندك تنتهي كل القصائد، ولا يبقى معنى للكلمات، فأنت خاتم الشعراء، وبذلك يقول القاسم: أَخي دَعْكَ مِن هذه المسألَهْ تُحِبُّ أخي.. وأُحِبُّ أَخاكْ وأَنتَ رَحَلْتَ. رَحَلْتَ. ولم أبْقَ كالسَّيفِ فرداً. وما أنا سَيفٌ ولا سُنبُلَهْ وَلا وَردةٌ في يَميني.. وَلا قُنبُلَهْ لأنّي قَدِمْتُ إلى الأرضِ قبلكَ، صِرْتُ بما قَدَّرَ اللهُ. صِرْتُ أنا أوَّلَ الأسئلَهْ إذنْ.. فَلْتَكُنْ خَاتَمَ الأسئِلَهْ لَعّلَّ الإجاباتِ تَستَصْغِرُ المشكلَهْ وَتَستَدْرِجُ البدءَ بالبَسمَلَهْ إلى أوَّلِ النّورِ في نَفَقِ المعضِلَهْ.. تنثال الكلمات هنا كالجدول الرقراق من دموع تعبر عن خيبات الأمل التي تنتزع أحلامنا انتزاعا، فلم نعد نستطع رسم الأمل، لقد خذلونا يا أخي، وتركونا فريسة سهلة بلا أبوين، وبلا أخوين، وبلا عزوة، وبلا سند، تركوا شعبنا يواجه التيار بلا مجداف وبقارب مثقوب من الوسط، لا عتاد، لا زاد، وحدنا نصارع الغاصب مكشوفي الصدور، عراة إلا من إيماننا العميق بحقنا الأبدي، ليس هذا فقط ، إنما يأكل الناس ثورتهم، كما تفعل العقارب بأمهاتها، هم ينهشون لحمنا وهم من أبناء جلدتنا… وأين الغرابة في هذا؟ بعد أن أصبحوا دمى يتلهى بها ساستهم!! يقول شاعرنا لصديقه الراحل: أنا لا ألومك يا صديقي إذا ما اخترت الرحيل، لقد تخلوا عنا وتغيرت ألوانهم ، وتبدلت مشاربهم، فلا يحفلون بنا بعد أن أصبح الجلاد سيدهم، وصاروا هراوة تحطم عظامنا المهشمة أصلا، وصاروا سوطا يجلدون به ظهورنا المشققة، فيناجي الشاعر صديقه الراحل بلوعة الأسى قائلاً: تَخَفَّيْتَ بِالموتِ، تَكتيكُنا لم يُطِعْ إستراتيجيا انتظارِ العَجَائِبْ ومَا مِن جيوشٍ. ومَا مِن زُحوفٍ. ومَا مِن حُشودٍ. ومَا مِن صُفوفٍ. ومَا مِن سَرايا. ومَا مِن كَتائِبْ ومَا مِن جِوارٍ. ومَا مِن حِوارٍ. ومَا مِن دِيارٍ. ومَا مِن أقارِبْ تَخَفَّيْتَ بِالموْتِ. لكنْ تَجَلَّى لِكُلِّ الخلائِقِ زَحْفُ العَقَارِبْ يُحاصِرُ أكْفانَنا يا رفيقي ويَغْزو المضَارِبَ تِلْوَ المضارِبْ ونحنُ مِنَ البَدْوِ. كُنّا بثوبٍ مِنَ الخيشِ. صِرنا بربطَةِ عُنْقٍ. مِنَ البَدْوِ كُنّا وصِرنا. وذُبيانُ تَغزو. وعَبْسٌ تُحارِبْ. يخاطب شاعرنا صديقه الراحل بكل أسى، قائلا له: ها هم المتسلقون، والانتهازيون، والطامعون بمنزلة قرب اسمك، وبمسحة من فضائك، وبكسرة من بعض زادك، ها هم يبحثون عن سطر يزرعون أحلامهم عليه في صفحة من صفحاتك، ولكن هيهات هيهات أن يتحقق حلم جاهل، لأنك أنت المارد وهم طفيليون، لا يرون بالعين المجردة، أنت ميراث الثقافة، أنت محمود درويش ذلك الاسم الذي يعني ما يعنيه من عظمة الشاعر وعظمة الإنسان المناضل، وعظمة المؤمن الصابر، فكيف لهؤلاء الذين ضلوا أنفسهم أن يراودهم مجرد التفكير بأن يكونوا بجهلهم هذا على قرب من ظلك الذي يطال السماء؟ وهنا ألمس حديثا ربما كان قد جرى بين الشاعر والراحل قبل رحيله عن تلك الفئة من الناس، والآن بعد الرحيل يقوم الشاعر بتذكيره بما كان بينهما من حديث، فجاء هذا الحوار عميقا ومعبرا عن أسى الشاعر والراحل بنفس القدر عندما يقول بهذا الخطاب وهذه الألفاظ التي تلاءمت مع الدلالة العميقة لكل حرف من حروفها: وهَا هُنَّ يا صاحبي دُونَ بابِكْ عجائِزُ زوربا تَزَاحَمْنَ فَوقَ عَذابِكْ تَدَافَعْنَ فَحماً وشَمعاً تَشَمَّمْنَ مَوتَكَ قَبل مُعايشَةِ الموتِ فيكَ وفَتَّشْنَ بينَ ثيابي وبينَ ثيابِكْ عنِ الثَّروةِ الممكنهْ عنِ السرِّ. سِرِّ القصيدَهْ وسِرِّ العَقيدَهْ وأوجاعِها المزمِنَهْ وسِرِّ حُضورِكَ مِلءَ غِيابِكْ وفَتَّشْنَ عمَّا تقولُ الوصيَّهْ فَهَلْ مِن وَصيَّهْ؟ جُموعُ دُخانٍ وقَشٍّ تُجَلجِلُ في ساحَةِ الموتِ: أينَ الوصيَّهْ؟ نُريدُ الوصيَّهْ! ومَا أنتَ كسرى. ولا أنتَ قيصَرْ لأنَّكَ أعلى وأغلى وأكبَرْ وأنتَ الوصيَّهْ وسِرُّ القضيَّهْ ولكنَّها الجاهليَّهْ أجلْ يا أخي في عَذابي وفي مِحْنَتي واغترابي أتسمَعُني؟ إنَّها الجاهليَّهْ وَلا شيءَ فيها أَقَلُّ كَثيراً سِوى الوَرْدِ، والشَّوكُ أَقسى كَثيراً. وأَعتى كَثيراً. وَأكثَرْ ألا إنَّها يا أخي الجاهليَّهْ وَلا جلفَ مِنَّا يُطيقُ سَماعَ الوَصيَّهْ وَأنتَ الوَصيَّةُ. أنتَ الوَصيَّةُ واللهُ أكبَرْ.. ينتقل بنا الشاعر للحديث عن ذكرياته مع الراحل، ويطوف بنا في فضاء المصادر الثقافية التي نهلا منها المعرفة، وكونت لديهما مخزون الذاكرة الشاعرية، والتراكمات الفكرية، فهما رفاق درب، نهلا العلم معا، وكتبا الشعر معا، حتى موضوعات الشعر وأغراضه عندهما واحدة، فمشاربهما واحدة ومناهلهما واحدة، هنا يريد الشاعر أنا يعبر عن مقدار قربه من الراحل، وهذا أمر تتجلى فيه الرغبة باقتران اسم الشاعر باسم الراحل، إذ إنه يعتبر نفسه هنا وريثا له الحق في الحصول على صك حجة الوراثة، لأنه يعتبر نفسه اقرب المقربين إلى الشاعر الراحل، فهو يقول: سَتذكُرُ. لَو قَدَّرَ الله أنْ تَذكُرا وتَذكُرُ لَو شِئْتَ أنْ تَذكُرا قرأْنا امرأَ القَيسِ في هاجِسِ الموتِ، نحنُ قرأْنا مَعاً حُزنَ لوركا وَلاميّةَ الشّنفرى وسُخطَ نيرودا وسِحرَ أراغون ومُعجزَةَ المتنبّي، أَلَمْ يصهَر الدَّهرَ قافيةً.. والرَّدَى منبرا قرأْنا مَعاً خَوفَ ناظم حِكمَت وشوقَ أتاتورك هذا الحقيقيّ شَوقَ أخينا الشّقيّ المشَرَّدْ لأُمِّ محمَّدْ وطفلِ العَذابِ محمَّد وسِجنِ البلادِ المؤبَّدْ قرأْنا مَعاً مَا كَتَبنا مَعاً وكَتَبنا لبِروَتنا السَّالِفَهْ وَرامَتِنا الخائِفَهْ وَعكّا وحيفا وعمّان والنّاصرَهْ لبيروتَ والشّام والقاهِرَهْ وللأمَّةِ الصَّابرَهْ وللثورَةِ الزَّاحفَهْ وَلا شَيءَ. لا شَيءَ إلاّ تَعاويذ أحلامِنا النَّازِفَهْ وساعاتِنا الواقِفَهْ وأشلاءَ أوجاعِنا الثَّائِرَهْ يستمر الشاعر بذكر ميراث الراحل من قصائد شاركه هو كتابة نفس أغراضها، فقد كتبا عن ظلم الغزاة، فلم يمسا الشعوب بقصائدهم، عرّا نوايا الأنظمة المارقة، عبّرا عن كرههما للمستوطنين الغزاة، واستنكرا ادعاء المدَّعين، ووقفا معا وجها لوجه أمام الطغمة الطاغية، نسجا الشعر ليكشفا قناع دموع التماسيح المتباكية عن وجه الاحتلال القبيح… يستمر القاسم بإيضاح العلاقة ما بينه وبين درويش، وهذا يدل دلالة قوية على ما ذكرته في الفقرة السابقة، إذ إننا هنا أمام نص يرثي شاعر شاعراً آخر، ولكنني أرى بأن الشاعر يتحدث عن نفسه أكثر مما يتحدث عن الشاعر الراحل، فكلما ذكر أحد مناقب الراحل يزج بنفسه بها، وهذا نابع من اللاشعور المزروع في نفس الشاعر تجاه الراحل والعلاقة التي يرغب برسم شكلها معه قبل رحيله، هو يحاول التنصل من هذا الشعور، لكنه ما يفتأ يجد نفسه عائداً إلى مساره بشكل عفوي، فها هو يسترسل بما تجود به النفس قائلا: وَمِن كُلِّ قلبِكَ أنتَ كَتبتُ وَأنتَ كَتبتَ.. ومِن كُلِّ قلبي كَتَبْنا لشعْبٍ بأرضٍ.. وأرضٍ بشعبِ كَتَبْنا بحُبٍّ.. لِحُبِّ وتعلَمُ أنَّا كَرِهْنا الكراهيّةَ الشَّاحبَهْ كَرِهْنا الغُزاةَ الطُّغاةَ، وَلا.. ما كَرِهْنا اليهودَ ولا الإنجليزَ، وَلا أيَّ شَعبٍ عَدُوٍ.. ولا أيَّ شَعبٍ صديقٍ، كَرِهْنا زباني الدولِ الكاذِبَهْ وَقُطعانَ أوْباشِها السَّائِبَهْ كَرِهْنا جنازيرَ دبَّابَةٍ غاصِبَهْ وأجنحَةَ الطائِراتِ المغيرَةِ والقُوَّةَ الضَّارِبَهْ كَرِهْنا سَوَاطيرَ جُدرانِهِم في عِظامِ الرّقابِ وأوتادَهُم في الترابِ وَرَاءَ الترابِ وَرَاءَ الترابِ يقولونَ للجوِّ والبَرِّ إنّا نُحاولُ للبحْرِ إلقاءَهُم، يكذبُونْ وهُم يضحكُونَ بُكاءً مَريراً وَيستعطفونْ ويلقونَنَا للسَّرابِ ويلقونَنَا للأفاعِي ويلقونَنَا للذّئابِ ويلقونَنَا في الخرابِ ويلقونَنا في ضَياعِ الضَّياعِ وتَعلَمُ يا صاحبي. أنتَ تَعلَمْ بأنَّ جَهَنَّم مَلَّتْ جَهّنَّمْ وعَافَتْ جَهَنَّمْ لماذا تموتُ إذاً. ولماذا أعيشُ إذاً. ولماذا نموتُ. نعيشُ. نموتُ. نموتُ على هيئَةِ الأُممِ السَّاخِرهْ وَعُهْرِ ملفَّاتِها الفاجِرَهْ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟.. ومَا كُلُّ هذا الدَّمار وهذا السقوط وهذا العذاب ومَا كلُّ هذا؟ وهذا؟ وهذا؟ تذكر!! فهل يتذكر الميت؟؟ بالطبع لا يتذكر، ولكن الشاعر ليس بهذه السذاجة ليخاطب الراحل وإنما هو هنا يخاطب نفسه، فهو بلا شك يفتقد الراحل ويفتقد ما كان بينهما من ود وصداقة، فقد ربط بينهما عواطف وأحاسيس، تمثلت بهذه الذكريات التي يمر عليها شاعرنا حينما يقول: تذكَّرْ وقدْ يُسعِفُ اللهُ مَيْتاً بأنْ يتذكَّرَ. لله نحنُ. فحاول إذن.. وتذكَّرْ تذكَّرْ رضا الوالِدَهْ لأُمَّينِ في واحِدَهْ ونعمةَ كُبَّتِها.. زينة المائِدَهْ وطُهرَ الرَّغيفِ المقمَّرْ تذكَّرْ أباً لا يُجيدُ الصّياحْ ولا يتذمَّرْ تذكَّرْ أباً لا يضيقُ ولا يتأفَّفُ مِن سَهَرٍ صاخِبٍ للصَّباحْ ولكن الذكريات ليست كلها ذكريات بهذا القدر من الجمال، فهناك ذكريات أليمة لا يريد هو ولا الراحل أن يتذكراها، وهو يريد هنا القول بأنهما قد عاشا الحياة ببؤسها وحلاوتها، وهذا تعبير نفسي يريد منه الشاعر أن يقنعنا بأنه أقرب المقربين إلى الراحل، فهما قد تعايشا بالسراء والضراء، وهو الوضع الطبيعي الذي يكون أبناء العائلة الواحدة عليه، وهذا أسلوب ذكي جدا يهدف منه الشاعر الوصول إلى فكرته التي تنموا رويدا رويدا مع فضاء النص بمحاولة إقناعنا بأنه هو من له الحق بأن يتبوأ المكانة الشاغرة بعد رحيل درويش، حين يقول: تذكَّرْ كَثيراً. ولا تتذكَّرْ كَثيراً. فبعضُ الحِكاياتِ سُكَّرْ وكُلُّ الخرافاتِ سُمٌّ مُقَطَّرْ ونحنُ ضَحايا الخرافاتِ. نحنُ ضَحايا نبوخذ نصّرْ وأيتام هتلَرْ ومِن دَمِنا للطُّغاةِ نبيذٌ ومِن لَحمِنا للغُزاةِ أكاليلُ غارٍ ووردٍ ومِسْكٌ. وَعَنبَرْ فَلا تتذكِّرْ قيوداً وسجناً وعسكَرْ وبيتاً مُدَمَّرْ وَليلاً طَويلاً. وَقَهراً ثقيلاً وسَطواً تكرَّرْ وَلا تتذكَّرْ لا تتذكَّرْ لا تتذكَّرْ.. أكاد أجزم بان الشاعر لم يكن بكامل يقظته من الصدمة التي صعقته كما صعقت الكثيرين من محبي الراحل درويش، فهو هنا يحاول تبرير بعض الخلاف الذي كان مع الراحل، فحياتنا ليست سهلة وأحلامنا لا يمكن أن تكون إلا بحجم الوطن الذي نحن منه، فقد تغربت أنت عن الوطن وبقيت رسائلي إليك جسرا يحملك إلى ترابه، ورسائلك إليَّ جسرا يحملني إليك، إذاً، الشاعران لم يفترقا أبدا، وهذا ما يرغب بترسيخه شاعرنا هنا، عندما يقول: لأنّا صديقانِ في الأرضِ والشّعبِ والعُمرِ والشِّعرِ، نحنُ صريحانِ في الحبِّ والموتِ.. يوماً غَضِبْتُ عليكَ.. ويوماً غَضِبْتَ عَلَيّ وَمَا كانَ شَيءٌ لدَيكَ. وَمَا كانَ شَيءٌ لَدَيّ سِوَى أنّنا مِن تُرابٍ عَصِيّ وَدَمْعٍ سَخيّ نَهاراً كَتبْتُ إليكَ. وَليلاً كَتَبْتَ إليّ وأعيادُ ميلادِنا طالما أنذَرَتْنا بسِرٍّ خَفِيّ وَمَوتٍ قريبٍ.. وَحُلمٍ قَصِيّ ويومَ احتَفَلْتَ بخمسينَ عاماً مِنَ العُمرِ، عُمرِ الشَّريدِ الشَّقيّ البَقيّ ضَحِكنا مَعاً وَبَكَيْنا مَعاً حينَ غنَّى وصلّى يُعايدُكَ الصَّاحبُ الرَّبَذيّ: على وَرَقِ السنديانْ ويستمر الشاعر في رسم طريقه مع الراحل، فيمتزج السرد مع الذكريات التي يخطها الشاعر بعقله الباطن تارة، وتارة أخرى بحكمة الشاعر الذي يتحسس محاور الطريق، حتى يستغل اللحظة المناسبة ليحاصرنا فينقض علينا وهو بكامل عتاده، لزرع فكرة نمت بذورها رويدا رويدا حتى أزهرت برحيل درويش، فكل المعاني والألفاظ التي يتداولها الشاعر في جزء كبير من هذا النص الشعري هي واضحة المعالم، مباشرة في ظاهرها، ولكنها في الحقيقة، لا تمت للغرض الشعري بشيء، نحن أمام دلالة عميقة تحتاج إلى دراسة نفسية أعمق، أنا أحاول تحليل النص بحسب المنهج الأسلوبي، صحيح، ولكن النص بعد دراسة معظم أجزائه، أرى أن يدرس على المنهج النفسي، لأن الشاعر يسقط الكثير من مشاعره الخاصة والمتعلقة باللاشعور عنده تجاه قضية لها جذور عميقة في نفسه، انظر إليه كيف يستخدم الضمير المتصل (نا) مع الاسم والفعل بنفس القدر، ” ولدنا، متنا، غربتنا، كتبنا، عدنا، احترقنا، مطالعنا، مدامعنا، يقلبنا، ويكرر ولدنا ومتنا، هو يربط نفسه بكل خلجة من خلجات النص، وهذا أمر أراه يأتي رغما عن يقظة الشاعر، بل إن العقل الباطني هو الذي يتحكم بنسيج القصيدة التي خطط الشاعر في البداية لأن تكون مرثية لصديقه الراحل، إلا أن قوة اللاشعور طافت على سطح النص وحولت مساره: وُلِدْنا صباحاً لأُمِّ الندى وأبِ الزّعفرانْ ومتنا مساءً بِلا أبوَينِ.. على بَحرِ غُربتِنا في زَوارِقَ مِن وَرَقِ السيلوفانْ على وَرَقِ البَحرِ. لَيلاً. كَتَبْنا نشيدَ الغَرَقْ وَعُدْنا احتَرَقْنا بِنارِ مَطالِعِنا والنّشيدُ احتَرَقْ بنارِ مَدَامِعِنا والوَرَقْ يطيرُ بأجْنِحَةٍ مِن دُخانْ وهَا نحنُ يا صاحبي. صَفحَتانْ وَوَجهٌ قديمٌ يُقَلِّبُنا مِن جديدٍ على صَفَحاتِ كتابِ القَلَقْ وهَا نحنُ. لا نحنُ. مَيْتٌ وَحَيٌّ. وَحَيٌّ وَمَيْتْ بَكَى صاحبي على سَطحِ غُربَتِهِ مُستَغيثاً بَكَى صاحبي وَبَكَى.. وَبَكَيْتْ على سَطحِ بَيْتْ ألا ليتَ لَيتْ ويا ليتَ لَيتْ وُلِدنا ومتنا على وَرَقِ السنديانْ.. يعبر الشاعر عن حقيقة حبه لصديقه الراحل، فيذكره بكل تلك الرسائل التي دارت بينهما والتي كانت بمثابة النافذة التي يطل من خلالها درويش على ذكريات الصبا. هنا يعد الشاعر نفسه بأنه صاحب الفضل بتقديم خدمة إنسانية لدرويش، عندما كان يمثل ذلك التواصل الذي يمد الراحل بمعنوياته التي يحتاجها في غربته، وبذلك فإن القاسم يُعد هذا الأمر نقطة راجحة في كفة الميزان، يمُنّ بها على درويش، فهو يقول: ويوماً كَتَبْتُ إليكَ. ويوماً كَتَبْتَ إليّ أُسميكَ نرجسةً حَولَ قلبي وقلبُكَ أرضي وأهلي وشعبي وقلبُكَ.. قلبي.. وها هو يعود إلى مسار آخر، عندما يقول مخاطبا الراحل: كان موتك مفاجئا، لم يكن أحد يتوقعه، وقد ربط الشاعر موت دروريش هنا بالموت البطيء، الذي يتعرض له شعبنا الفلسطيني، وبأن هذا الشعب لم ير لحظة سعادة واحدة تمر على حياته، فقد جُردنا من مظاهر الإنسانية وحُرمنا من حقوقنا البشرية، حتى كدنا نفقد الشبه بالإنسان، فهو يقول: يقولونَ موتُكَ كانَ غريباً.. ووجهُ الغَرابَةِ أنّكَ عِشْتَ وأنّي أعيشُ. وأنّا نَعيشُ. وتعلَمُ. تَعلَمُ أنّا حُكِمْنا بموتٍ سريعٍ يمُرُّ ببُطءٍ وتَعلَمُ تَعْلَمُ أنّا اجترَحْنا الحياةَ على خطأٍ مَطْبَعِيّ وتَعلَمُ أنّا تأجَّلَ إعدامُنا ألف مَرَّهْ لِسَكْرَةِجَلاّدِنا تِلْوَ سَكْرهْ وللهِ مَجْدُ الأعالي. ونصلُ السَّلام الكلام على الأرضِ.. والناسُ فيهم ـ سِوانا ـ المسَرَّهْ أنحنُ مِن الناسِ؟ هل نحنُ حقاً مِن الناسِ؟ مَن نحنُ حقاً؟ ومَن نحنُ حَقاً؟ سألْنا لأوّلِ مَرَّهْ وَآخرِ مَرَّهْ وَلا يَستَقيمُ السّؤالُ لكي يستَقيمَ الجوابُ. وها نحنُ نَمكُثُ في حَسْرَةٍ بعدَ حَسْرَهْ وكُلُّ غَريبٍ يعيشُ على ألفِ حَيْرَهْ ويحملُ كُلُّ قَتيلٍ على الظَّهرِ قَبرَهْ ويَسبُرُ غَوْرَ المجَرَّةِ.. يَسبُرُ غَوْرَ المجَرَّهْ.. توحد الشاعران في وعاء واحد هو حضن أم الراحل، ” أم أحمد” كما توحدا معا على هدف واحد وقيم واحدة وأفكار واحدة، ربطتهما المأساة، وارتبط الشاعر مع أقرب المقربين إلى الراحل وهي الوالدة، ارتبط الشاعر معها بمأساة رحيل محمود، وبذلك يكون الشاعر قد أكمل حلقة العلاقة الوطيدة مع الراحل، وعبر عنها بما يختلج صدره من ألم الفراق على رحيل الشاعر، حتى والدة الشاعر لا تجد من تسأل عنه ذلك السؤال الاستنكاري الذي أول ما يخطر على بال الأم المكلومة، فتسأل أقرب الناس إليها وعادة يكون هذا القريب يشكل قاسما مشتركا بين الراحل والموجود، وهنا فإنها تتوجه إلى الشاعر نفسه، وهنا فإن شاعرنا يعطي نفسه هذه المنزلة التي يتجسد فيها طموح الشاعر بأن يكون عزوة لمن بقي على قيد الحياة من أقرباء الشاعر وهي هنا الأم التي ولدته، والتي لا يوجد أحد على البسيطة يستطيع المزايدة على درجة حزنها العميق، فقاسم يتساءل بنفس مستوى أسئلة الأم الاستنكارية، المعبرة عن درجة كبيرة من الحزن، لدرجة أنه لا يصدق أن درويش قد رحل، بل لا يريد التصديق وهذه دلالة على عمق الحزن، وهو يوازي حزنه بمقدار حزن الأم في هذه الأبيات: تُعانقُني أُمُّنا. أُمُّ أحمدَ. في جَزَعٍ مُرهَقٍ بعذابِ السِّنينْ وعِبءِ الحنينْ وَتَفْتَحُ كَفَّينِ واهِنَتَينِ موبِّخَتَينِ. وَتَسأَلُ صارخةً دُونَ صَوتٍ. وتسألُ أينَ أَخوكَ؟ أَجِبْ. لا تُخبِّئ عَلَيَّ. أجِبْ أينَ محمود؟ أينَ أخوكَ؟ تُزلزِلُني أُمُّنا بالسّؤالِ؟ فماذا أقولُ لَهَا؟ هَلْ أقولُ مَضَى في الصَّباحِ ليأْخُذَ قَهوَتَهُ بالحليبِ على سِحرِ أرصِفَةِ الشانزيليزيه. أمْ أدَّعي أنَّكَ الآن في جَلسَةٍ طارِئَهْ وَهَلْ أدَّعي أنَّكَ الآن في سَهرَةٍ هادِئهْ وَهَلْ أُتْقِنُ الزَّعْمَ أنّكَ في موعِدٍ للغَرَامِ، تُقابِلُ كاتبةً لاجئَهْ وَهَلْ ستُصَدِّقُ أنّكَ تُلقي قصائِدَكَ الآنَ في صالَةٍ دافِئَهْ بأنْفاسِ ألفَينِ مِن مُعجَبيكَ.. وكيفَ أقولُ أخي راحَ يا أُمَّنا ليَرَى بارِئَهْ.. أخي راحَ يا أُمَّنا والتقى بارِئَهْ.. وفي نهاية المطاف ليس أمام القاسم إلا أن يذعن للحقيقة المرة في رحيل درويش، ولكنه يجد المواساة في إنه اعتبر الراحل قد استكمل حبات المسبحة، عندما انقطعت وفرطت حجارتها الكريمة ونثرت على مساحات الأرض العربية، ثلاثة وثلاثين حجرا كريما، بل لبنة من صرح الوطن العربي الكبير، ودرويش والشاعر هما شاهدا المسبحة، وبرحيل أحد شهودها يبقى شاهد واحد، ألا وهو الشاعر نفسه، فقد حدد الشاعر عدد من رحلوا بنفس عدد حبات المسبحة، فذكر ساسة شرفاء، ومناضلين حقيقيين، وكتاب، وشعراء، وموسيقيين، ورسامين، ونحاتين… قائمة من مثقفي الأمة العربية، وبعض أصدقاء الشعوب العربية، أراد الشاعر القول بكل صراحة بأنه هو من بقي، من قائمة المثقفين الشهداء الذين رحلوا وتركوا إرث المسؤولية على كاهله وحده، وهنا أيضا تتضح الصورة جلية بمدى عمق الفكرة التي يحملها الشاعر، والتي يؤمن بها إيمانا عميقا، لدرجة إنني أكاد أجزم بأن شاعرنا يحمل في نفسه مقدارا كبيرا من الغربة، إذ يقول: إذنْ. أنتَ مُرتَحِلٌ عن دِيارِ الأحبَّةِ. لا بأسَ. هَا أنتَ مُرتَحِلٌ لدِيارِ الأحبَّةِ. سَلِّمْ عَلَيهِم: راشد حسين فدوى طوقان توفيق زيّاد إميل توما مُعين بسيسو عصام العباسي ياسر عرفات إميل حبيبي الشيخ إمام أحمد ياسين سعدالله ونُّوس كاتب ياسين جورج حبش نجيب محفوظ أبو علي مصطفى يوسف حنا ممدوح عدوان خليل الوزير نزيه خير رفائيل ألبرتي ناجي العلي إسماعيل شمُّوط بلند الحيدري محمد مهدي الجواهري يانيس ريتسوس ألكسندر بن يوسف شاهين يوسف إدريس سهيل إدريس رجاء النقاش عبد الوهاب البياتي غسَّان كنفاني نزار قباني كَفاني. كَفاني. وكُثرٌ سِواهم. وكُثرٌ فسلِّم عليهم. وسَوفَ تُقابِلُ في جَنَّةِ الخُلدِ-سامي أخانا الجميلَ الأصيلَ. وَهلْ يعزِفونَ على العُودِ في جَنَّةِ الخُلْدِ؟ أَحبَبْتَ سامي مَع العودِ في قَعدَةِ العَينِ سامي مَضَى وَهْوَ في مِثلِ عُمرِكَ.. (67).. لا. لا أُطيقُ العَدَدْ وأنتُمْ أبَدْ يضُمُّ الأبَدْ ويَمْحُو الأبَدْ تتكرر الدلالات التي تضيء فضاءات النص الشعري هنا، بأن شاعرنا الذي ارتبط بالراحل في حياته، فإنه يلوم الراحل على تركه وراءه، إلا إنه تارة يواسي نفسه بأن موعد اللقاء قريب، وتارة يقول بأن الشاعر عائد له حيا وميتا، فهل يعود الميت؟ بالطبع لا ، إلا إن شيئا ما في نفس الشاعر يريد قوله ولا يريد قوله، وهو إن الشاعر لم يرحل الا بجسده المادي فقط، أما روحه فهي محلقة على نغم معزوفة عذبة، وهي لا شك أعمال الشاعر وقصائده الخالدة التي لا تموت أبدا، إلا ان الشاعر يصر على الرجوع إلى العنصر الضعيف من المسألة عندما يقول بشكل مباشر وصريح، بأنه لولا إيمانه بالله، لطلب الرحيل مع صديقه ليكونا في دار الخلد معا، فهو يتحدث بحسرة قائلا: وَأَعلَمُ. سوفَ تَعودونَ. ذاتَ صباحٍ جديدٍ تعودُونَ للدَّار والجار والقدس والشمس. سَوفَ تَعودونَ. حَياً تَعودُ. وَمَيْتاً تَعودُ. وسَوفَ تَعودون. مَا مِن كَفَنْ يَليقُ بِنا غيرَ دَمعَةِ أُمٍّ تبلُّ تُرابَ الوَطَنْ ومَا مِن بِلادٍ تَليقُ بِنا ونَليقُ بِها غير هذي البلادْ ويوم المعادِ قريبٌ كيومِ المعادْ وحُلم المغنّي كِفاحٌ وموتُ المغنّي جهادُ الجِهادْ.. * * * إذاً أنتَ مُرتحلٌ عَن دِيارِ الأحِبَّةِ في زّوْرَقٍ للنجاةِ. على سَطْحِ بحرٍ أُسمّيهِ يا صاحبي أَدْمُعَكْ وَلولا اعتصامي بحبلٍ مِن الله يدنو سريعاً. ولكنْ ببطءٍ.. لكُنتُ زَجَرْتُكَ: خُذني مَعَكْ وخُذني مَعَكْ خذني معك



اترك تعليق