شقيقي داود وأيّام الشّقاء

Jan 30

أنجبت والدتي-رحمها الله- شقيقي داود يوم 30-1-1963، في “بيت الشّعَر” أمام مغارة الشّاعر في جوفة جبل المنطار في براري السّواحرة القريبة من القدس، حيث كنّا نملك قطيعا من الأغنام الحلوبة، فقد كانت أسرتنا تنقسم إلى قسمين، قسم يعيش في بيتنا الحجريّ الكائن في جبل المكبر، وهم تلاميذ المدارس، حيث تبقى معهم زوجة أبي وأمّي الثّانية المرحومة حمدة حسن نوّارة. والقسم الثّاني وهم الوالد والوالدة -رحمهما الله- ومعهم الأطفال الذين هم دون سنّ الدّراسة.
أنجبت والدتي شقيقي داود وهي تغربل تِبْنَ الحبوب، لتنقيته من غبار الزّرع الذي يتسبّب بأمراض رئويّة للماشية التي تأكله. عندما جاءها المخاض، دخلت البيت المنسوج من شَعَر الماعز، ولم يكن هناك من يساعدها، قطعت سُرّة الوليد داود، وألبسته ما توفّر لها من ملابس، وكانت فرحتها كبيرة جدّا بحيث أنستها آلام المخاض، فقد جاء داود بعد خمس بنات، سبقهما ولدان هما شقيقي ابراهيم الذي يكبرني بأحد عشر شهرا وأنا. فكان ترتيبه الثّامن من أبناء أمّي وأبي، والسّادس عشر إذا أضفنا إليهم إخوتنا وهم ستّة أبناء وابنتان أنجبتهما أمّنا الثّانية.
كنت أنا في الصّفّ الإعداديّ الثّالث، فسجّلتُ يوم ميلاده وكان يوم اثنين، وذهبت إلى جارنا المختار المرحوم حسين أحمد سرور حيثّ عبّأ لي نموذجا للتّبليغ عن ولادة جديدة، وذهبت إلى مكتب وزارة الصّحّة في القدس واستصدرت له شهادة ميلاد.
حظي شقيقي داود الذي تحلّى بوسامة مميّزة، وذكاء لافت أيضا بمحبّة الجميع، بحيث أنّ الوالد -رحمه الله- صار يكنّي والدتي -رحمها الله- بـ “أمّ داود” مع أنّني وشقيقي ابراهيم نكبره عمرا، تماما مثلما كان يكّنّي المرحومة أمّنا الثّانية بـ”
أمّ أحمد” علما أنّ ترتيب أحمد هو الثّالث من أبناء والدته، فهل تنبّأ الوالد بأنّ أحمد وداود سيشبّان ويكونان أكثرنا حذاقة ونجاحا في حياتيهما، أم هي الفراسة والصّدفة التي توافقت مع قلب والد لم يبخل على أبنائه بحنانه وحبّه ورعايته؟
ومكافأة من الوالد للوالدة لإنجابها ولدا هو داود كانت بإعادتها إلى البيت الحجريّ لترعى تلاميذ المدارس، واستبدلها بزوجته الأولى لتكون رفيقته في البراري. وهذه المكافأة شملتنا نحن أبناء أمّي، لنحظى للمرّة الأولى بحضنها في الفصل الّدراسيّ الثّاني من العام الدّراسيّ 1962-1963.
وعندما بلغ شقيقي داود من العمر حوالي عشرة أشهر أصيب بفيروس رفع درجة حرارته إلى مرحلة لم يستطع احتمالها، ولمّا عرضه المرحوم عمّي محمد على أحد الأطبّاء في القدس ووصف له دواء ما أن تناوله حتّى ازدادت حالته سوءا، فقرّر “كبار العائلة” بأنّ وضع داود خطير جدّا، ولا بدّ من إحضار الوالد فأرسلوني لإبلاغ الوالد، ولسوء حظّي عندما وصلت الوالد فقد وجدت راعي الأغنام قد أخذ إجازة لمدّة يومين، وبجهلي قلت للوالد بأنّ داود مريض جدّا وعلى فراش الموت، فضرب الوالد كفّا على كفّ وتركني مع الأغنام، بعد أن أوصاني بربط الخروف الوحيد المولود في نفس اليوم بـ “بطانة حلس الحمار” بجانبي في المكن الذي سأنام فيه، وامتطى والدي البغل وعاد مسرعا إلى البيت في جبل المكبر. ومن سوء حظّي أنّ الذّئب قد اختطف الخروف الوحيد أثناء نومي.
عندما وصل الوالد البيت في جبل المكبر وجد داود قد تعافى! وعندما عاد إلى الغنم في اليوم التّالي ووجد أنّ الذئب قد افترس الخروف قال لي ساخرا” مليح اللي أكل الخروف وما أكلك!”
ونظرا لفارق العمر بيني أنا المولود عام 1949 وبين شقيقي داود، فقد أعطيته رعاية خاصّة فهو متميّز على الآخرين. وعشت وإيّاه وأشقّائي الذين يصغرونه عمرا وهم” عمر، عرفات وراتب” في بيت واحد. ورعيتهم ضمن إمكانيّاتي بكل محبّة حتّى شبّوا وتزوّجوا.
لكنّ داود سافر إلى أمريكا في العام 1988، وجدّ واجتهد وشقي وعانى واشتغل بالتّجارة ونجح في حياته بشكل لافت. لكنّه لم ينس يوما بلاده وأسرته، ولم يبخل على أيّ منّا بشيء، وله أيادٍ بيضاء علينا جميعنا. فقد قدّم لنا وساعدنا بأمور كثيرة.
وفي العام 1995 عاد داود في زيارة إلى البلاد، وتزوّج من أخت فاضلة هي تهاني علي عبد العلي جعافرة، التي التحقت به إلى أمريكا بعد خمس سنوات، وعاشا بمحبّة ورخاء، وأنجبا ثلاثة أبناء”علاء، هناء وريام”.
وشقيقي داود الذي يرتبط بالبلاد وبالأهل ارتباطا مقدّسا، علمّ أبناءه في مدرسة إسلاميّة هي مدرسة جمعيّة الأقصى في “بريدج فيو” في شيكاغو، فأجادوا اللغة العربيّة وعرفوا مبادئ دينهم الإسلاميّ، وتربّوا تربية عربيّة إسلاميّة، حتّى أنّ ابنته هناء أدّت شعائر العمرة مع طالبات مدرستها وهي في الصّفّ الحادي عشر.
وارتباط شقيقي داود بالبلاد وبالأهل، دعاه في العام 2019 للعودة بزوجته وابنتيه إلى البلاد، حيث تدرس ابنته هناء الطّبّ في جامعة القدس في أبو ديس، بينما التحقت ابنته ريام في الصّفّ الإعداديّ الثّاني في المدرسة الأرثوذكسيّة في العيزريّة. وقام ببناء قاعة أفراح في أبو ديس تعتبر القاعة الأولى في الضّفّة الغربيّة من حيث المساحة وموقف السّيّارات والأجهزة، ويقوم الآن بتصفية أعماله في أمريكا تمهيدا للعودة إلى البلاد والإقامة الدّائمة فيها.
وفي هذا اليوم 30 يناير يحتفل شقيقي داود بإطفاء الشمعة الثّامنة والخمسين من عمره المديد، فنتمنّى له العمر المديد والصّحّة الجيّدة وعقبى للمية وخمسين وهو يرفل بثياب العزّ والسّؤدد.
30-1-2021



اترك تعليق