رواية جرة ذهب في اليوم السابع

Mar 07

القدس: 7-3-2019 ناقشت ندوة اليوم السّابع الثّقافيّة في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس روايّة “جرّة ذهب- قافلة الذهب والموت” للكاتب المقدسيّ فوزي عبده، تقع الرّواية الصّادرة عام 2018 عن دار الجندي للنّشر والتّوزيع في القدس في 659 صفحة من الحجم الكبير.
افتتح النّقاش جميل السلحوت وممّا قاله:
سبق وأن قرأنا لفوزي عبده رواية “زوجتي من الجنّ” التي نشرت في مجلّة “فوستا” في تسعينات القرن الماضي، وصدرت في كتاب قبل عدّة سنوات، كما صدرت طبعتها الثّانية في القاهرة قبل أسابيع قليلة.
ومن خلال تلك الرّواية تبيّن للقارئ أنّ الكاتب فوزي عبده يملك خيالا خصبا، ولديه القدرة الفائقة في السّرد الرّوائيّ.
وفي روايته الثانية “جرّة ذهب” التي نحن بصددها يثبت لنا الكاتب من جديد أنّه صاحب خيال مجنون، يجرّ القارئ إلى اللا متوقّع، من خلال سرد يطغى عليه عنصر التّشويق.
وفي تقديري أنّ الكاتب استمدّ فكرة روايته هذه من خلال واقع فيه شيء من الصّحة، لكنّه جرى تضخيمه بشكل كبير، وكأنّ البعض مهووس به. فمن المعروف أنّ العثمانيّين بطشوا وظلموا ونكّلوا ونهبوا في أواخر عهدهم، وعندما اشتدّت الحرب عليهم في الحرب الكوّنيّة الأولى، لم يستطع الباشوات وقادة الجيوش العثمانيّة نقل ما نهبوه من ليرات ذهبيّة عثمانيّة، فكانوا يدفنونها في مكان يعرفونه على أمل العودة إليها عندما تنتهي الحرب، وانتهت الحرب بهزيمتهم هزيمة ماحقة، جرّدت السّلطنة من أراضيها ومناطق نفوذها، لتنحصر فيما يعرف الآن بتركيّا. فمنهم من قتل، ومنهم من عاد إلى تركيّا ولم يعد قادرا على العودة لاستخراج كنزه الدّفين، وهناك من استطاع بشكل وآخر من العثور على بعض هذه المدفونات؛ فاغتنى منها، وهذا كان سببا كافيا للغير للبحث عن كنوز أخرى، وإن بطريقة مبالغ فيها، ولا يزال حتّى يومنا هذا من يقومون في بلادنا فلسطين بحفريّات غير منتظمة على أمل العثور على الكنوز العثمانيّة وغيرها من الآثار القديمة.
وهذا ما شكّل تربة خاصّة للكاتب؛ ليكتب روايته هذه.
وكاتبنا اعتمد على السّرد الحكائي والرّوائيّ في هذه الرّواية، حشد فيها كلّ ما يعرفه من تراثنا الشّعبيّ، وما تناقلته الأجيال من حكايات حول هذا الموضوع، إضافة إلى مطالعاته التّاريخيّة، التي ضخّمها بخياله الواسع، فقدّم لنا هذه الرّواية التي تصلح بأن تكون من ثلاثة أجزاء، وحبّذا لو أنّه قسّمها للتّسهيل على القارئ، ولوفّر على نفسه مغبّة الوقوع في التّكرار.
لكنّ الكاتب عاد في النّهاية ومن خلال التّسلسل الرّوائيّ إلى مفهوم إنسانيّ، وهو أنّ السّعادة تكون بين أحضان الأسرة، وليس بحيازة الذّهب. وأنّ الصّراع على الأموال لن ينتج عنه سوى الجريمة والقلق والشّقاء.
وقال عبدالله دعيس:
ضعف الإنسان أمام بريق الذهب، واستماتته للحصول على المال حتّى في حال يقينه أنّه لن ينجو لينفق شيئا منه، هو جوهر هذه الرّواية، التي تقود القارئ في رحلة طويلة، بصحبة قافلة تحمل صناديق الذهب وتدفن الجرار المليئة به في باطن الأرض. لكنّ شبح الموت يحوم حول كلّ من يسير فيها، حتّى لا ينجو منها سوى الرّاوي، حاملا حكاياتها الأليمة وأحداثها المستعصية حتّى على الخيال، ويختفي الذهب ويُدفن الطمع الإنسانيّ معه في أعماق الأرض. وتبقى الحكاية، والتي مع غرابتها، تتكرّر في كلّ مكان وكلّ زمان.
الزمان، هو أواخر العهد العثمانيّ، والمكان بلاد الشام. تترنّح الدولة العثمانيّة وينهش كلّ صاحب أطماع في جسدها الهزيل، أمّا أموالها الطائلة، فتختفي في باطن الأرض مخضّبة بدماء حامليها ودافنيها، كما كانت دوما مخضّبة بدماء وعرق أجيال من الأمم التي رزحت تحت حكم الأمبراطوريّة العجوز. يفترض الكاتب مؤامرة تحاك بين جمال باشا، حاكم الشام، وبين الإنجليز؛ ليستولي الباشا على أموال الدولة ويستقلّ ببلاد الشام. تحمل قافلة كبيرة مئات من الصناديق المحمّلة بالذهب، وتدور في أنحاء فلسطين، تُخفي جرار الذهب في أرجائها، ثمّ تقطع القافلة نهر الأردن شرقا، لتنتهي رحلتها نهاية مأساويّة. ومع كلّ جرّة تغوص في الأرض، يُذبح رجل من القافلة، وتمتزج روائح الدم مع رائحة الخرافة، التي تنبئ عن مستوى الجهل الذي كان قد وصل الناس إليه في ظل الحكم العثمانيّ، في بداية القرن العشرين.
أحداث الرّواية مثيرة، وفيها كثير من التّشويق والغرابة، تشدّ القارئ ليتابع رحلة القافلة في ربوع الوطن في الجبال والوديان والصحارى، ويعيش مع شخصيّاتها من عرب وترك، ومن علية القوم وباشواتهم وعسكريّيهم، وكذلك مع البسطاء والسذّج، الذين وجدوا أنفسهم وقودا لرحلة الذّهب والموت. يعيش مع الشعوذة ومع القسوة الشّديدة وإراقة الدّماء بغير حساب، ومع أكل قلوب البشر وأكبادهم، غير مصدّق لما يحدث من أهوال، منكرا لكل هذه القسوة والوحشيّة، عادّا لها من ضروب الخيال الذي لا يمكن أن يحدث في الواقع، ليعود القارئ ويخرج من عالم الخيال الذي وضعه فيه الكاتب، وينظر حوله ليرى قافلة الذهب والموت ما زالت تسير، والدماء ما زالت تسيل، والقسوة والهمجيّة وأكل لحوم البشر وقلوبهم وأكبادهم على أشدّه! فما يحرّك الحكّام المتسلّطين غير بريق الذهب وحبّ المال والشهرة! وهل تدمير البلاد والعباد والقتل والدّمار الذي استشرى في كلّ ركن من هذا العالم الفسيح أقل قسوة ووحشيّة من قسوة طبرق المشعوذ؟ فالرواية رمزيّة بامتياز، وترسم قافلة الحياة على مسار التاريخ.
يطيل الكاتب في وصف الأحداث وسردها، فتسير القافلة ببطء شديد، ويكرّر الكثير من الأحداث مرّة بعد مرّة، مما يجعل الرّواية طويلة جدّا دون داع. ويكرّر بعض الأحداث البسيطة عشرات بل مئات المرّات، فمثلا يذكر أن عزير(الشخصيّة الرئيسيّة في الرّواية) كان يبصق في طعام وشراب الآخرين، في مواضع كثيرة جدّا، وكان يكفي الإشارة إلى ذلك مرّة واحدة. وهكذا تتكرّر كثير من الأحداث، حيث يصف عمليات القتل واستخراج الكبد والقلوب مرات ومرات ومرات، وكذلك سبب كره عزيز للعرب، مرات عديدة، وهذا التكرار يضعف التّشويق ويجعل القارئ يملّ أحيانا. بالمقابل، وعند اقتراب الرّواية من نهايتها، تتسارع الأحداث حتّى تنقلب السنين بسرعة البرق، رغم أن الأيام والليالي كانت تسير ببطء طوال الرواية.
ومما يميّز الرّواية استخدامها الفكاهة رغم الجوّ الدموي الذي يحياه القارئ في أحضان قافلة الذهب والموت، فشخصيّة عزيز ذي البنية القصيرة وهو يتقمّص الأدوار وينجو من الموت مرّة بعد مرّة، ويعيش في قالب مضحك فكاهي، تضفي روحا من المرح استطاع الكاتب بمهارة أن يغرسها بين أحداث لا تحمل إلا الموت والدمار.
لم يكن عنوان الرواية (جرة ذهب) موفقا؛ حيث أن هذا العنوان غير مشوق ولا يدفع القارئ للشروع بالقراءة وخاصة أن حجم الكتاب كبير، فلو كان العنوان (قافلة الذهب والموت) فقط لكان أفضل بكثير. أما صورة الغلاف ولونه فهما مناسبان لمضمونها.
وقالت هدى عثمان أبو غوش:
المكان: انطلقت قافلة الذهب من مرج ابن عامر متجهة إلى سوريا، وفي الجليل تمّ الإستيلاء عليها، سارت القافلة في جبال وكهوف الأردن وفلسطين.
الزّمان: في عام1914 في فترةالحرب العالميّة الاولى، قبل انهيار الدّولةالعثمانيّة.
الشّخصيّات في الرّوايّة -قادّة القافلة الّذين استولوا على القافلة ،جودت، فاطمة الغجريّة، يعقوب، والشّيخ طبرق الّذي كان المشرف على دفن الذّهب وذبح الحمير والبشر.
شخصيّة-عزيز هو الشخصيةّ الرئيسية الّذي يرافق عالم الآثار روهان بيك في رحلتهما، لكنهما يقعان في قافلة الموت والّذهب، وشخصيّة حيّان.
العنوان ملائم لأن الرّوايّة تتحدث عن الموت وجراتِ الذّهب، وهنا يتبادر لذهني حسب رأيي الرّمزيّة في الرّوايّة، حيث قصة الموت في الشّام وفلسطين ويمكن الرمز لقافلة الموت هو الموت والتعذيب من قبل الأنظمة الفاسدة والظالمة، أمّا الذهب فهي الأرض التي يتصارعون عليها، أو الصراع حول الكراسي.
قام الكاتب من خلال الرّوايّة بتسليط الضوء على شخصيّة عزيز حقي الشّاب التّركي الخادم من النّاحيّة النفسيّة والعاطفيّة. فقد ظهر عزيز وهو يحاول أن يتمرّد على نفسه ويُعلي من شأنها من خلال إختلاق الأكاذيب، كقوله أنّه أُستاذ كبير ويحاول أن يبرز نفسه كشخصيّة مهمّة يتباهى بها وبغروره، ويستخدم الحيَل لينقذ نفسه، بالمقابل فإنّه يعترف بأن ّالجميع في الماضي كانوا يصفعونه في البيت والمدرسة، وروهان بيك يهدم شخصيّته أمام النّاس ويذلّه كمشهد تغسيل قدم روهان وتلميع حذائه من قبل عزيز كما وكان حيّان يذلّه. وأيضا كشف عن الحرمان العاطفي لعزيز من خلال تخيّله الجنسي لعلاقته مع فتاة الكعب ورباب.
بيّن الكاتب حالة وظروف القافلة من نشوب الخلافات وقلّة الماء والأكل والحرّ في الخيام.
جاء السّرد طويلا وخيال الكاتب جميلا، واستخدم الحوار بالّلغة الفصحى وأحيانا بالعاميّة، إلاّ أنّ إطالة السّرد لم تعجبني، كقارئة شعرت أنّ الزّمن لا يتحرّك، لأنّ الكاتب أسهب بالتفاصيل وبدا الوصول إلى النّهايّة بعيدا.وأيضا فإنّ الأحداث تسير بوتيرة بطيئة، وكان باستطاعة الكاتب اختصار الصفحات الكثيرة؛ خاصة في عالم متسارع في تلقي الحدث المباشر، ويجدر بالذكر أنّ الرّوايّة تبدو مثل سيرة ذاتيّة أومذكرات.
جعل الكاتب نهايّةالرّوايّة إعترافات لعزيز تجاه معاني الحياة وقيمتها؛ ليتضح عجزه في استرجاع الذّهب الذّي دفنه. وأنّ الذهب الذّي امتلكه في النّهايّة هو الأحفاد.
وكتبت نزهة أبو غوش:
عالم غامض غريب يسعى خلف المال والثّروة. تلك الثّروة الّتي زحف خلفها عشرات الأفراد ضمن قافلة مؤلّفة من رجال ونساء منهم الكبير والصّغير، الشّيخ والشّاب، والفتى؛ منهم الخطّاط والمهندس والدّليل والقائد والمنفّذ وعالم الآثار والخدم والعبيد ؛ والنّساء المرافقات للرّجال، والنّساء القائدات الآمرات النّاهيات ، وجمال ونوق وحمير وبغال ونعاج وثيران.
للكاتب عبده خيال خصب بل جامح لم ينضب طوال روايته ” جرّة ذهب”، استطاع من خلال هذا الخيال نسج رواية متشابكة أحداثها تحرّكها شخصيّات مختلفة الثّقافات والحضارات، فمنهم الفلسطينيّ، والتّركيّ، والسّوداني، والمصري، واليوناني والمغربي .
غلب على أُسلوب الكاتب القدرة في دقّة الوصف الخارجي للشّخصيّات وإعطائها طابعها الأصلي، الّذي يعلق بذهن القارئ على طول الرّواية.
نحو:” رشيد؛ لم يبلغ العشرين بعد أسمر اللون، ضئيل الجسد، قصير القامة، رفيع الأنف، بنيّ العينين، هزيل الشّارب، ينبت الشّعر في وجهه كفتى في الثّالثة عشرة، يلاحظ عليه هوسه بالملازم….” ص 26.
لكنّ الكاتب لم يستطع أن ينفذ إِلى دواخل شخصيّاته، بل كان بعيدا عنها كلّ البعد. لم نعرف من خلال قراءتنا للرّواية ما هي مشاعر الشّخصيّة؟ ما هي أحاسيسها، وتوجّهاتها العاطفيّة؟ هل هو متألّم أم خائف؟ أم فرح ما هي آماله وتطلّعاته؟ ما هي توقّعاته من تلك الرّحلة المضنية؟ كلّ ما عرفناه كقرّاء هو ما صدر على لسان الرّاوي بطل الرّواية- عزيز أفندي- عالم الآثار التّركي في بلاد الشّام، والّذي كان مرافقا للقائد طوال الرّحلة الّتي بدأت من مدينة الناصرة مرورا بحيفا والقدس وبيت لحم والأغوار ونهر الأردن والعقبة.
إِنّ اختيار الكاتب لراوٍ واحد قد خلق هذا الضّعف؛ لأنّ الرّاوي غير قادر بأن يعبّر عن مكنونات الشّخصيّة وأسرارها الدّاخليّة مهما كان مبدعا بالوصف. ولن يستخدم الكاتب أسلوبا فنيّا يمكن الدّخول به لنفسيّة الشّخصيّات من خلال الرّاوي نفسه؛ وإِنّما اعتمد الرّاوي في وصفه للنّفسيّات من خلال تصوّراته وخياله هو وحده.
لعب الكاتب في روايته بعواطف ومشاعر القارئ من خلال وصفه للأحداث المؤلمة والمؤثّرة جدّا، حيث جعل من أحد شخصيّات الرّواية، (كعب أو طبرق )العربي إِنسانا ماردا متوحّشا ليس له أيّ مشاعر انسانيّة تجاه الآخرين المرافقين في رحلة دفن الذهب، إِلا حبيبته الملاصقة له طوال الرّحلة، وجرار الذّهب الّتي كان يدفنها خلال مسيرة القافلة.
أرى بأنّ الكاتب فوزي قد بالغ في تصوير الأحداث حين وصف هذا الرّجل آكل لحوم البشر بعد قتلها، وخاصّة أكل القلوب والكبد مطبوخا أو نيئا؛ ومن ثمّ انسجام بطل الرّواية- عزيز- بهذه الشّخصيّة مرغما ومساعدا في القتل والذّبح وأكل القلوب.
اعتمد الكاتب في أُسلوبه على تكرار الأحداث بأشكال مختلفة، فمثلا حادثة قتل فرد من أفراد القافلة تتكرّر مع فرد آخر بأسلوب جديد أو مماثل مع بعض الاضافات نحو قتل حيوان بدل قتل إِنسان؛ وهذا حسب رأيي أضاف حجما ومساحة أكبر للرّواية ممّا يجب أن تكون عليه، وساهمت في إِضافة بعض الملل عند القارئ رغم عنصر التّشويق الّذي كان في النّصف الأوّل للرّواية.
استطاع الكاتب أن يوصل فكرته للقارئ من خلال العناصر الأساسيّة الّتي استخدمها. كان العنصر الاوّل هو الذّهب (العثمليّ)الّذي صوّره لنا الكاتب على أنّه كثير جدا لدرجة يصعب عدّه، ولمعانه يخطف الأبصار، حيث نفذت قوّة الجمال والبغال، والحمير، والحمّالون وامتلأت الجّرار والصّناديق، فملأت الحفر في الوديان والجبال حيث تسللت القافلة.
العنصر الآخر الّذي استخدمه الكاتب هو الموت، أو على الأصحّ صناعة الموت، حيث رافق الموت شخصيّات القافلة على طول رحلتهم السّريّة؛ في دفن الذّهب؛ من أجل العودة اليه ونقله إِلى مدينة استنبول، وذلك بأساليب مختلفة: خنقا أو ذبحا أو رميا بالرّصاص، أو الدفن حيّا أو استخدام السّم، أو الانتحار أو بسبب الضّباع المتواجدة في الوديان.
في النّهاية لم يتبق من الشّخصيّات إِلا الأعداد القليلة جدا الّتي عادت إِلى بلادها ومنهم الرّاوي عزيز الّذي كان أصله من البورصة في تركيّا؛ كلّ ذلك بسبب الأنانيّة والطّمع وقتل الآخر من أجل الاستحواذ على الثروة الطائلة.
نلحظ بأنّ الحياة الاجتماعيّة بين أعضاء وشخصيّات القافلة كانت طبقيّة هرميّة. الباشا كان يستريح في خيمة فاخرة أثاثها مميّز نظيفة لها خدم يحضّرون الطّعام، يقف على بابها حرّاس، وهم المرافقون أثناء سير القافلة؛ العبيد يبيتون مع الدّواب المرافقة، والخدم في خيام بسيطة متواضعة، أمّا النّساء القائدات فقد فزن بمرتبة اجتماعيّة مرموقة، حيث الخدم والحشم والحرّاس وفراش الحرير والفرس الأصيلة.
هناك حياة متفكّكة بين الأفراد، حتّى عندما يقتل شخص ويدفن لا يعرف عنه أحد، وحين يفتقده أحدهم يقول لهم – عزيز- بأنّه قد هرب من القافلة لا نعرف إِلى أين؛ لأنه مطّلع على معظم ما يجري بين شخصيّات القافلة، ويخاف الكشف عن الحقيقة لأنّه أيضا مشارك في القتل مع العربي “كعب”.
استطاع الكاتب أن يوصل فكرته للقارئ – بعد التّوسّع العريض في الرّواية – حيث أنّ الجري خلف الثّروة والمال لا يساوي شيئًا مقابل حياة هانئة في ظلّ من نحبّهم ويحبوننا؛ حتّى لو كنّا معدمين.
يقول الرّاوي – عزيز أفندي الّذي كاد يموت في سبيل حصوله على الذّهب؛ من أجل ذلك لكنّه في النهاية ظلّ معدما يرجو لقمة العيش:
” لأوّل مرّة في حياتي أحمل بين ذراعّيّ ما هو أثمن من الذّهب، حفيدتي الّتي استطاعت منذ شهرها الأوّل أن تدخل السّرور إِلى حياتي” ص656.
لغة الكاتب سلسة جميلة كثرت بها التشبيهات والاستعارات في وصف الأماكن والشخصيّات. استخدم الكاتب على لسان الرّاوي فذلكة الكلام والفلسفة المصطنعة والفكاهات العفويّة، الّتي فيها روح المرح، وخاصّة حين حوّل نفسه بعد أن نصحه قائده (روهان) بان يتحوّل إِلى سناتور؛ كي لا يستقوي عليه قادة القافلة فكثيرا ما كان يستخدم أسلوب( الاستهبال) في اللغة والأفعال الّذي كان ينطلي على الجميع حسب رأيه.
وكتبت رائدة أبو الصوي:
رواية جريئة جدا. فيها أرجحة بين الخيال والواقع بشكل لافت .ما اشبه اليوم بالبارحة ،الصراع من اجل الحصول على الثروة .اختلف شكل الثروة ولكن الطرق تتكرر بصور حديثة .بأيّ وسيلة شرعية أم غير شرعية ،ارقام وتواريخ الزمان تتغير لكن النفوس تتشابه .
بين الماضي والحاضر :استطاع الكاتب فوزي عبده نقل صورة من زمن غابر. عام 1914 وقت الحرب العالمية الأولى . قبل انهيار الدولة العثمانية .
قافلة الذهب التي انطلقت من مرج بن عامر إلى سوريا والتي تعرضت للسرقة .
ودارت أحداث الرواية حول هذه العقدة ، الحصول على جرة الذهب ومن بحث عن الذهب …ذهب، الرواية تحمل رسالة من بدايتها الى نهايتها، بدءا من الإهداء الذي يدعو إلى التفاءل “إلى الذين يؤمنون بأن الحياة لا تنتهي بعد غروب الشمس″
والأحداث المتشبعة بالخيال والواقع والفلسفة، أحداث اجتماعية / سياسية/ ثقافية .
بانوراما. رواية ناطقة بصوت مرتفع، فيها حياة .هذه الرواية تتحدث عن الخيانه / الطمع / الشُحْ
عندما قرأت الرواية تأكدت من الحديث النبوي الشريف ومصداقيته “إيّاكم والشُّحَّ، فإنه أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم .
جرة الذهب هنا رمز ،رمز موفق جدا. من منا يكره الذهب؟
جمع الكاتب بين الحاضر والماضي ،مسكين يا انسان تحرص على المال والذهب وتهلك دون الاستمتاع به ،من لحق الذهب فقد ذهب.
شخصيات الرواية :الراوي عزيز الذي رافق القافلة .فاطمة الغجرية ،جودت
يعقوب السفاح، الشيخ طبرق، وعالم الآثار روهان بيك ،وغيرهم من الشخصيات الثانوية ،نجح الكاتب في جعل كل شخصية تتقمص الدور الذي رسمه الكاتب لها
نتعاطف مع بعض المواقف ونكره بعض المواقف .
بعض الصور خدمت الرواية بشكل كبير، صورة ذبح البعير على يد عزيز ص 326 . وجدت فيها مشهدا قاسيا جدا، قتل سفينة الصحراء بدم بارد ، في الرواية وجدت السم في العسل عندما وجدت بعض المشاهد التي تحتوي إيحاءات جنسية. وقالت رفيقة عثمان:
تعتبر رواية جرّة الذهب، التي دارت رحاها في فلسطين بالجليل، والأردن، عام 1914 رواية طويلة، تحتوي على ست مئة وستين صفحة من القطع الكبير؛ روى أحداثها الروائي فوزي عبده، حيث سرد الكاتب سلسلة من الأحداث، من الاستيلاء على الذهب؛ من كهف في الجليل بمنطقة فلسطين، واختلق الراوي حبكات متكررة أثناء دفن الذهب في الكهوف والطرقات المؤدية إلى فلسطين والأردن؛ والحفاظ عليها بهدف العودة وأخذها لتركيا الإمبراطورية العثمانيّة. خلال هذه المسيرة الطويلة حُصدت أرواح عديدة، وسفكت دماء أبرياء.
عمل الراوي السيد عزيز بيك أفندي، مع روهان بيك خادما، وهو المسؤول عن حفظ الآثار الواردة من كافة أرجاء الامبراطورية العثمانية، وهو نفسه الرواي الذي تحدّث بضمير الأنا. استطرد الروائي في وصف الأحداث بكل تفاصيلها وصفا دقيقا؛ مما بعث على التشويق في القراءة، ولجمال صياغة اللغة المطعمة بالبلاغة الجميلة؛ كما ورد صفحة 46 ” يرتفع رأسه عن سنام الجمل، قصير الشعر، خفيف اللحية، حليق الشارب، يرتدي سروالا حتى ركبتيه، حافي القدمين، ممزق الثياب، تكشّف صدره الأشعر، وفي عنقه سلسلة كالتي يُربط فيها البغال، بدا بينه وبين الخدم نوع من الانسجام”.
استخدم الروائي اللغة العربية الفصحى بإتقان، هذا العمل الكبير لا يخلو من الأخطاء النحوية واللغوية؛ إلا أن الروائي استعمل اللهجة العامية واللغة البذيئة الّتي غلبت على طابع الرّواية، نحو ما ورد صفحة 70 “إيش هاظا يا اولاد الحرام؟” ،” بتظحك يا ولد السقيطة! بتفكرنا هبايل!على من تتخوث يا ابن الخايسة”، صفحة 71 “منو راعي هالصناديق يا ابن السقيطة؟”، “ومنو التركي اللي عاشر أمك وعوج لسانك”. صفحة 72 ” اركز مطرحك يا ولد السقيطة”، صفحة 103 ” يلعن أبوك وأبو ملط معك.” صفحة 106 “يا ابن الكلب، الحركات دي تعملها مع امّك واختك” صفحة 116 ” اذهب يا كلب واحضر الجوارب والدواء”، صفحة 594 “يا ابن القوادة أكنت تسخر منا كل هذا الوقت؟”
أشبع الكاتب روايته لغة الخوف والرّعب والإذلال: كما ورد صفحة 203، ” تقمصت دور المرعوب المصدوم، فأخذت قدمي اليسرى ترتعش، وأصابعي تهتز، وفغرت فاهي ودفعت بعض اللعاب يسيل على ذقني من هول الصّدمة امام قدرات عفاريته على كشف المستور.”. صفحة 204 “قبّل حذائي أيّها السافل”.
لم تخلُ لغة الروائي من روح الدعابة والهزل، كما ورد صفحة 287 “عزيز باشا والله العظيم اشتقتلك! شوهذا يخرب بيتك طولان ونصحان”.
كما أنّ الرّوائي قد لجأ إِلى لغة الحوارالذّاتي والانتقام للذات: صفحة 304 ” ولجت المغارة ووقفت حيث دفنّا الجرار وأسقطت سروالي، وجلست القرفصاء وتغوطت على الذهب، أفرغت ما في معدتي وامتلأت بالسعادة والسرور، شعرت بالحماس وبدأت أهز مؤخرتي مُقلدا الكعب.. ولم أخشَ سوى أفعى أو عقرب يلدغ مؤخرتي ويُفسد نشوتي، تملّكني الشعور بالفخر والكرامة”. من الملاحظ بأن لغة الحوار لعبت دورا هاما في الرواية: صفحة 370 “وشعرت أني باشا حقيقي، فأي باشا يمتلك الجرأة ليتغوط فوق كل هذه الثروة! أهتف سرا”.
كان للغة الحوار نصيب كبير، كما ورد صفحة 307 حاور الروائي نفسه: “اجتاحتني ثورة عارمة وغضبت من هذا المهذب الذي يسكن في داخلي: قلت سرّا في داخلي:” ألا يحق لي أن أفخر بشجاعة مؤخرتي التي تحدتهم جميعا.”.: لا يليق بها إلا الرديء، تبّا لها”.
أبدع الروائي في وصف لغة التعبير الإيمائي – الجسدي عن الفرح والسعادة: كما ورد صفحة 330 “كم شعرت بالسعادة، وأنا أحاول أن أخمن وزن كل إسورة لأقدر ثمنها! وانجرفت بعواطفي ولم أتوقف عن الحراك، أرقص تارة، أقف ثم أجلس، أستلقي، أقبّل كنزي، أحضنه، أغطّيه باللحاف، أعود أكشف عنه.”
لغة المخاطبة الّتي تعني التّسلط، كانت ضروريّة استخدامها من أجل أن تظهر المراكز لمرافقي الرّحلة وخاصّة النّساء: صفحة 393 خاطبته من فوق صهوة حصانها المرقط وقالت: “أنت يا هذا اذهب وساعدهم في شدّ الحبال.”، ” أنت أنت .. لا تترك ظهرك لي وأنا أحدثك.”
لم يتنازل الروائي عن لغة التّهجم والتّهكّم: كما ورد صفحة 342 ” ماذا تريد أيها المخنث؟”
” لا يليق بكِ أن يكون السلطان والدك”. ” انقلِع واحفر معهم”.
تخلّلت الرواية اللهجة المصرية ( الرّدح) على لسان إحدى البطلات المنتحلة اسم (فاطمة) (فيرد) التي تحدثت باللهجة المصرية: ” أنت بتقول إيه ؟ سمّعني إن كنت راجل”
ليس غريبا عن استخدام الروائي للغة الاستهزاء: صفحة 357 ” واستمر بحك رأسه وفرك وجهه وتمتم”، تكررت هذه اللغة في معظم طيّات الرواية. كذلك صفحة 595 ” كيف لأبله أن يكون قادرا على القراءة وفك رموز الشيفرات؟”.
اهتم الروائي فوزي عبده بلغة التعبير عن المشاعر ووصفها بصورة تعبر عن الأحاسيس المختلفة، سواء كانت فرحا أم حزنا: ” لم أشعر بشيء، لا خوف، لا حزن، لا شفقة! لا قرف، لا شيء”
تبلّدت أحاسيسي! قضم قلبه قضمة واحدة، وأخرج لسانه ليلحس ما سال على ذقنه وشفتيه من دماء”؛ هنالك العديد من الأمثلة.
لجأ الروائي لاستخدام لغة القسم: كما ورد صفحة 510 ” أقسم بالله أني جاد فيما أقول وإن لم تصدق تعال واحفر بنفسك..”؛ لا شك بأن لغة روح الدعابة والنكتة وجدت سبيلا للغة الروائي، كما ورد صفحة 639 ” عزيز كم روح تمتلك؟ وكيف نجوت من المخيم؟
وأخيرا في نهاية الرواية، استخدم الروائي لغة المناجاة، والتوجه لله؛ من الغريب لم يذكر اسم الله أو التوجه إليه خلال طول الرواية؛ إلا في الخاتمة تضرع الراوي لله كما ورد صفحة 535 ” ارحمني يا رب ارحمني، وعجل بأجلي ! ما عدت قادرا على شئ.” يبدو أنه بعد أن وصل الراوي إلى مرحلة اليأس والضعف؛ لجأ للمناجاة والتوسل الى الله سبحانه وتعالى.
خلاصة القول: هذه الرواية تعتبر من أطول الروايات العربية التي صادفتها، أو قرأتها في حياتي، رواية طويلة جدا، مخصبة بالخيال، الممزوج بالواقع.
كان بإمكان الروائي اختصار الرواية وسردها في عدد أقل، أي للنصف مما هي عليه، لتكرار أحداثها المتشابهة، في خلق الحيل، وحصد أرواح؛ للحفاظ على الذهب.
لا شك في قدرات الروائي فوزي عبده على السرد الجميل والقوي، وضلاعة اللغة التي نجح الروائي عبده في عرضها، وغرس عنصر التشويق فيها.
الفكرة الرئيسية واضحة جدا، من الممكن إيصال الفكرة الرئيسية بدون الإطالة في السرد.
العبرة تتلخص في المثل القائل: الطمع ضرّ وما نفع.



اترك تعليق