فلسطين والأردن توأمان سياميان

Jul 10

لا يختلف عاقلان على حق الشعب الفلسطيني العربي في تحقيق مصيره، واقامة دولته المستقلة بعاصمتها القدس الشريف بعد كنس الاحتلال وكافة مخلفاته، وبقراءة موضوعية للواقع المحلي والاقليمي والدولي، وما تحمله من مرارة الخاسر الوحيد فيها هو شعوب المنطقة والسلم العالمي نتيجة لغطرسة القوة الاسرائيلية التي تقهر دول وشعوب المنطقة، ونتيجة لسياسة التوسع الاسرائيلي تنفيذا للمشروع الصهيوني طويل المدى، والذي تتخطى أطماعه حدود فلسطين التاريخية الى دول الجوار، ورغم الدور النضالي الكبير والهائل الذي قامت ولا تزال به منظمة التحرير الفلسطينية في سبيل تحقيق الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني الا أن الشعب الفلسطيني، ومنظمته وقواه السياسة غير قادرين وحدهما على تحقيق تطلعات هذا الشعب في التحرر والاستقلال، وذلك نظرا لاختلال ميزان القوى وحجم التكالب الاستعماري الذي يستهدف هذا الشعب وقضيته.

 وعودة الى الوراء فانه من الخطايا التي ارتكبناها وفرحنا بها وصفقنا لها، هو قرار مؤتمر القمة العربية في الرباط عام 1974 القاضي باعتبار منظمة التحرير ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني، ومع عدم الانتقاص من هيبة ودور هذه المنظمة الا أن القرار كان التفافا عليها وعلى شعبها وقضيتها أكثر مما هو دعم لها، ولعل العاهل الأردني الراحل الملك حسين هو من أدرك ذلك منذ البداية، لكن أحدا من القادة الفلسطينيين والعرب لم يستمع له، فاضطر الى الموافقة خضوعا لوحدة القرار العربي، وتنبع خطيئة هذا القرار من أن الأنظمة العربية قد تبرأت من مسؤولياتها الدينية والقومية والأخلاقية تجاه القضية الفلسطينية، بالرغم مما تمثله هذه القضية من أولوية عند المواطن العربي، ومن تهديد للأمن القومي العربية ولاستقرار المنطقة المضطربة دوما لأكثر من سبب.

 والجميع يذكر أن الضفة الغربية وقعت تحت الاحتلال الاسرائيلي في حرب الخامس من حزيران 1967 وهي جزء لا يتجزأ من المملكة الأردنية الهاشمية، تماما مثلما هو قطاع غزة الذي كان تحت الادارة المصرية منذ العام 1948وها هي مصر والأردن تتحدثان عن الجوار الفلسطيني والاسرائيلي بلغة تكاد تكون محايدة بعد التوقيع على اتفاقات السلام بينهما وبين اسرائيل.

ويبدو أن قرار مؤتمر القمة آنف الذكر يكاد يكون القرار الوحيد الذي التزمت به الدول العربية تجاه القضية الفلسطينية، مع المعرفة المسبقة من الدول العربية بأن منظمة التحرير وذراعها السلطة الفلسطينية غير قادرتين على تحرير الأراضي الفلسطينية المحتلة وحدهما، وأن دورهما هو دور تحريكي لدائرة الصراع ليس اكثر.

ومما يلفت الانتباه هذه الأيام هو الحراك القائم في الأردن حول دستورية”فك الارتباط” بين الأردن والضفة الغربية، ذلك القرار الذي اتخذه العاهل الأردني الملك حسين في العام 1988بعد اشتداد لهيب الانتفاضة الشعبية الفلسطينية الأولى ضد المحتلين الاسرائيليين، والخوف من امتدادها للأردن، ولا يخفى على أحد مدى ارتباط الشعبين الفلسطيني والأردني عبر التاريخ، وقبل نكبة الشعب الفلسطيني الأولى في العام 1948 واضطرار جزء كبير من هذا الشعب للجوء الى الأردن، ليشكلوا لاحقا الجزء الأعظم من الشعب الأردني، بعد ان اتخذ النظام الأردني بقيادة الملك الراحل الحسين بن طلال قراره الصائب بتجنيس الفلسطينيين  القاطنين في المملكة من أبناء الضفة الغربية، واللاجئين من المناطق التي قامت عليها دولة اسرائيل، ففي الوقت الذي ثبت فيه الانتداب البريطاني الحدود بين فلسطين والأردن بعد الحرب الكونية الأولى، وتقسيم العالم العربي الى دويلات، فان التواصل بين القطرين لم يتوقف، فقد استمر التواصل العائلي والتجاري عن طريق تخطي الحدود الوهمية تهريبا، مع كل المخاطر التي كانت تصاحب ذلك، والتي حصدت أرواحا بريئة، وجاءت وحدة ضفتي الأردن في مؤتمر أريحا لتؤكد على هذه الأخوة التي لا تنفصم، غير أن قرار فك الارتباط -مع عدم دستوريته-أعقبته اجراءات ومضايقات للفلسطينيين لم يعهدوها من الأشقاء في الأردن، وذلك تحت ذرائع مختلفة منها دعم صمود الأهل في فلسطين، وعدم تشجيعهم على النزوح من وطنهم ، غير أن الواقع شيء والشعارات شيء آخر، فعلى سبيل المثال هناك فلسطينيون اضطروا للتعلم أو العمل في الأردن أو دول عربية وأجنبية أخرى، ولم يتمكنوا من العودة الى ديارهم نتيجة لقوانين الاحتلال الجائرة، واستقر بهم المطاف في الأردن، وهم لا يستطيعون العمل في المؤسسات الرسمية، أو التملك، أو الحصول على رخصة سياقة، أو التسجيل في التأمين الصحي، بل انهم لا يستطيعون تسجيل أبنائهم في المدارس الأردنية، وأعرف أشخاصا يعانون من هذه المشكلة، وأطفالهم يدخلون المدارس الخاصة على مسؤولية المديرات والمديرين، ودون تسجيل ودون الحصول على شهادات مدرسية، ومن يصل الى التوجيهية فانه لا يستطيع اجتيازها لعدم وجود ما يثبت أنه وصل اليها، ولعدم حيازته على رقم وطني، في حين انه يتم تسجيل أي شخص من ابناء الوافدين الى الأردن من مختلف الجنسيات الأخرى.

 وتتعالى بعض الأصوات هذه الأيام مطالبة بـ(دسترة) فك الارتباط لسحب الجنسيات من الفلسطينيين بحجة الحفاظ على أمن البلد، والحفاظ على التحولات الديموقراطية، وكأن الفلسطينيين يشكلون خطرا على أمن الأردن وديموقراطيته، مع أنهم يفتدونه بأرواحهم، وهنا لا بد من التنويه الى الدور الريادي والايجابي الذي يقوم به العين أحمد عبيدات مدير الخابرات ورئيس الوزراء الأسبق في التصدي الواعي والعقلاني لهذا الحراك، ففلسطين والأردن توأمان سياميان لا ينفصلان، والأردن مطالبة أكثر من غيرها بأن لا تتخلى عن دورها-وهي لم تتخلى- في حل مشاكل مواطنيها ورعاياها من أصل فلسطيني، والسعي لكنس الاحتلال ومخلفاته، كون الضفة الغربية احتلت وهي جزء من المملكة الأردنية الهاشمية، وليس سرا أن السلطة الفلسطينية وشعبها يتوقان الى الوحدة مع الأردن الشقيق بعد أن يتمكن من حقه في تقرير مصيره، واقامة دولته المستقلة بعاصمتها القدس الشريف.

وهنا يجدر الحديث عن الدور المصري،حيث تشارك مصر بالحصار الجائر على قطاع غزة، وتقوم ببناء الجدار الفولاذي لإحكام هذا الحصار الذي يستهدف مليون ونصف مليون فلسطيني الى درجة الموت جوعا ومرضا، وذلك بحجة السيادة على الأرض المصرية واحترام الاتفاقات الموقعة مع اسرائيل، ويبدو أن النظام المصري قد تناسى أن قطاع غزة وقع تحت الاحتلال وهو تحت السيادة المصرية، وأن من أبسط الحقوق الدينية والسياسية والأخلاقية والانسانية والقومية أن لا تترك مصر هذا الشعب فريسة للجوع والمرض، فالحصار مخالف للوائح حقوق النسان وللقانون الدولي، ومن يشارك في هذا الحصار هو مشارك في هذا الخرق الذي يستهدف حق الانسان في الحياة.

13-5-2010



اترك تعليق