مقابلة جميل السلحوت في مجلة البيان الكويتية

Apr 07

حوار أجراه الصحفي أوس داود يعقوب مع الأديب المقدسي جميل السلحوت، ونشر بمجلة البيان التي تصدر عن رابطة الأدباء الكويتيين، في العدد”548″ مارس- آذار 2016.
1) في  إصداركِ الروائي الجديد “رُولا”، الصادر عن دار “الجندي”، بمدينة القدس، ما الذي أملى عليكِ هذه الحكاية تحديدًا؟
رواية رولا هي الجزء السّادس من مسلسلي الرّوائي”درب الآلام الفلسطيني” والأجزاء الخمسة الأولى هي بالتّرتيب:
“ظلام النّهار”، جنّة الجحيم”، “هوان النّعيم”، “برد الصّيف” و”العسف”. ويمتد زمن هذا المسلسل الذي كتبته من أربعينات القرن العشرين، وحتى بداية حرب اكتوبر 1973. وهذه الأجزاء يمكن قراءة أيّ جزء منها بشكل منفصل، كما يمكن قراءتها كمسلسل روائيّ.
والذي دفعني لكتابة هذا المسلسل الرّوائيّ، هو تساؤلاتي أنا المولود في 5 حزيران 1949 عن أسباب هزائم أمّتنا في حربي العام 1948 و1967، وتساؤلاتي عن دور شعبنا الفلسطينيّ وأمّتنا العربيّة! ومن خلال دراساتي واستقصائي للحقائق وجدت أنّ الجهل والتّخلف والفقر كانت واحدة من أسباب الهزيمة، ومع الأسف فإنّ هذا الجهل لا يزال موجودا حتّى أيّامنا هذه، وإن بصور وأشكال مختلفة.
2) ما الذي تغيّر في كتاباتك تقنياً، أو على الصعيد الفني الروائي منذ عملك الأدبي الأول وحتى يومنا هذا؟.
هذا السّؤال يجيب عليه النّقاد وليس أنا، لكنّني أزعم بأنّني أطوّر نفسي ثقافيا وأطوّر كتاباتي بشكل دائم مستفيدا من تجاربي السّابقة وتجارب غيري أيضا، وهذا ما يؤكّده النّقاد الذين يتابعون اصداراتي.
3) ماهي نقطة التحوّل التي أسست فعلاً لبدء مسيرتك الأدبية؟.
على الصّعيد الشّخصيّ شكّلت هزيمة حزيران 1967 انقلابا في حياتي، فليس سهلا على المرء أن يعيش تحت احتلال غاشم أهلك ويهلك البشر والشّجر والحجر.
وأنا أهوى المطالعة منذ طفولتي الذّبيحة، والتي عانيت فيها الكثير من الحرمان، وكنت أحرص على نصف القرش الذي هو مصروفي اليوميّ في المدرسة منذ تعلّمت الأبجديّة، وعندما كنت في الصّف الرّابع الابتدائيّ كنت أذهب من قريتي-جبل المكبر- خمسة كيلو مترات- مشيا على الأقدام إلى القدس؛ لأشتري كتابا أطالعه. وفي الصّف الرّابع الابتدائيّ تعرّضت للضّرب من معلم اللغة العربيّة عندما سألني عن موضوع تعبير”انشاء”: من كتب لك هذا الموضوع أمّك أم أبوك؟ فأجبته ببراءة: والله أنا يا استاذ. ولا أدري الآن إن كنت أعلم وقتئذ أنّ أبي وأمّي أمّيّان! فانهال عليّ ضربا وهو يردّد: غشّاش ويقسم بالله كذبا!
ومرّ معلم التربية الدّينيّة وأمسك بالمعلّم سائلا: لماذا تضرب هذا الولد فهو مجتهد، ولمّا أخبره بالأمر قال له:
هذا هو الطالب الوحيد الذي يجيب بشكل صحيح في الامتحانات بلغته الخاصّة القوّية، وبامكانك أن تأخذه إلى غرفة المعلمين وتختبر ذلك بتكليفه كتابة موضوع تعبير ليكتبه أمامك، فقادني معلم العربيّة إلى غرفة المعلّمين غاضبا، وأعطاني ورقة وقال:
اكتب عن أيّ شيء تريده.
وكان اليوم ماطرا، فكتبت موضوعا عنوانه”يوم ماطر” وصفت فيه المطر. ولمّا قرأ المعلم الموضوع “كافأني” بضربي كفّا على مؤخّرة رأسي وهو يردّد:” والله كاين شاطر يا تيس″!
وفي الصّف الثاني الاعدادي وكنت طالبا في مدرسة صورباهر الاعداديّة، كتبت لصحيفة مقدسيّة ونشرت لي تحت زاوية” بأقلام القرّاء” وكنت سعيدا بأن أرى اسمي على صفحات الجريدة، وفي المرحلة الثانويّة انتقلت للدّراسة في مدينة القدس،  والصّف الأوّل الثّانوي –العاشر حاليّا- تعرّفت على مقرّ الصّحيفة في القدس، فأردت توفير طابع البريد –قرش ونصف-فذهبت بنفسي لتسليم موضوعي لهم، وكنت مزهوّا بنفسي وأنا أقول للمراسل: أنا الكاتب…أريد مقابلة رئيس التّحرير! فسمح لي بعد أن أخذ موافقة رئيس التحرير، الذي انفرط ضاحكا عندما رآني ولدا، وطلب من المراسل أن يرمي بي خارج مكتب الصحيفة، ولم يعودوا ينشّرون لي لمدّة ثلاثة شهور، فأرسلت مواضيعي باسم” جميل حسين” وحسين هو اسم والدي، فانطلت الحيلة عليهم وعادوا ينشرون لي تحت هذا الاسم ما رفضوا نشره سابقا.
وفي العام 1975 عملت محرّرا في صحيفة الفجر التي كانت تصدر في القدس، وبدأت الكتابة بشكل مكثّف.
4) إذا عدنا معًا إلى مرحلة البدايات وسألنا عن الأدباء والكتاب الذين تأثرت بهم والذين كانوا مصدر الإلهام لك… فماذا تقول؟
في بداياتي لم يكن يهمّني لمن أطالع، فالمهمّ عندي أن أطالع وأن أنمّي ثقافتي، وقد تأثّرت بقريبيّ وابنا حامولتي الأديب الرّاحل خليل السّواحري، والأديب الكبير محمود شقير اللذين يكبرانني عمرا بحوالي ثماني سنوات.
5) هل نالت تجربتك في الكتابة حظها من المتابعة النقدية؟ وإلى أي حدّ أسهم النقد في تطوير مشروعك السردي؟ وكيف ترى معايير النقد اليوم؟
في الواقع لا يوجد عندنا حركة نقديّة، مع وجود ناقد محترف هو الدكتور عادل الأسطة المحاضر في جامعة النّجاح في نابلس، والدّكتور نبيه القاسم في قرية الرّامة الجليليّة، وكان الدّكتور ابراهيم العلم في جامعة بيت لحم، وبعد اتفاقات أوسلو عاد الناقد المعروف وليد أو بكر، ويكتب الشاعر احمد دحبور مقالة نقديّة اسبوعيّة في صحيفة الحياة الجديدة التي تصدر في رام الله، وهناك كتابات نقديّة للدكتور محمد البوجي المحاضر في جامعة الأقصى في قطاع غزّة، وما تبقى هو كتابات نقديّة انطباعيّة، ويظهر ذلك في ندوة “اليوم السّابع الثّقافيّة الأسبوعيّة الدّوريّة” والمستمرة منذ آذار –مارس- 1991 وحتى يومنا هذا دون انقطاع، وصدر عنها حتى الآن خمسة عشر كتابا تسجيليّا،  وهذه النّدوة فكرتي أنا، وأسّستها مع زملائي: ديمة السّمّان، ابراهيم جوهر، ربحي الشويكي ونبيل الجولاني وكنّا أعضاء هيئة اداريّة لاتحاد الكتّاب الفلسطينيين. ونقوم كل اسبوع بمناقشة كتاب محلّيّ أو عربيّ، ونكتب عنه، أو نحضر مسرحيّة ونناقشها مع المخرج والممثلين ونكتب عنها، وكذلك مع الأفلام الوثائقيّة، كما نعنى بالأخذ بيد المواهب الشّبابيّة. وقد ناقشت هذه الندوة وكتب روّادها عن غالبية اصداراتي.
وبالتّأكيد فإنّني أستفيد كثيرا من ملاحظات النّقاد، وأسعى باستمرار لتطوير أدواتي الكتابيّة.
6) هل تكتب بعيدا عن شروط النشر الخاضعة بشكل رئيسي لمزاج الناشر ومتطلباته، والتي كثيراً ما تُفقِد الحكايات جماليتها وبساطتها..؟
لم أكتب ولن أكتب يوما بناء على طلب ناشر أو غيره. وما أكتبه فكرتي ومسؤوليّتي الشّخصيّة.
7) وجودك في مدينة القدس المحتلة هل تعتبره ميزة على الصعيد الإبداعي؟ أم أنه أفقدك ميزات ما؟
لا أتمنّى لانسان كائنا من كان أن يعيش تحت احتلال، فوجود الاحتلال يعني أنّ الانسان يعيش في ظروف تمتهن كرامته وانسانيّته، فلا شيء يعدل حرّيّة الوطن والحرّيّة الشّخصيّة، ونحن في القدس نعاني من اضطهاد قوميّ، اقتصادي، اجتماعي، وتمييز في مختلف مجالات الحياة، ومع ذلك تبقى القدس جنّة السّماوات والأرض، ويعذّبني سرقة جغرافيّة وتاريخ وثقافة المدينة بشكل يوميّ ومتسارع. والقدس حبيبتي الأولى والأخيرة، تكاد تدخل في كتاباتي جميعها. ورواياتي تدور أحداثها في مدينة القدس وقراها.
8) كيف ترى الحياة الثقافية الفلسطينية في مدينة القدس في ظل الوضع الحالي؟
رغم محاصرة القدس العربيّة المحتلة ومنعها من التّواصل مع محيطها الفلسطينيّ وامتدادها العربيّ، إلا أنّ الحراك الثّقافي فيها لم يتوقف. والثقافة في القدس جزء من الثقافة الفلسطينيّة التي هي جزء من الثّقافة العربيّة، وفي القدس مؤسّسات ثقافيّة رائدة، تمارس دورها رغم أزماتها المّادّيّة، ومن هذه المؤسّسات: المسرح الوطني الفلسطيني-الحكواتي سابقا-، مركز القدس للموسيقى، مؤسّسة يبوس، الملتقى الفكري العربي، مؤسّسة باسيا، مركز اسعاف النّشاشيبي الثّقافي، متحف دار الطفل العربي، مسرح سنابل،  ندوة اليوم السّابع، دواة على السّور وهي نشاط ثقافي شبابيّ شهريّ تأسّس عام 2011 بمبادرة من الشّابتين نسب أديب حسين، ومروة خالد السّيوري، وهذا النّشاط ابن شرعيّ لندوة اليوم السّابع. وفي العام 2010 تأسّست دار الجندي للنّشر والتّوزيع لصاحبها الأديب سمير الجندي، وقد أصدرت حتّى الأن –اكتوبر 2015- حوالي 350 كتابا،  المقهى الثّقافي، نادي الصّحافة،  مبادرة شباب البلد في جبل المكبر والتي ابتدعت حدثاثقافيّا عالميّا هو أطول سلسلة قارئة حول سور القدس عام 2013 واستشهد أحد مؤسّسيها بهاء محمد خليل عليّان في اكتوبر 2015.
كتّاب القدس:
في القدس عشرات الأدباء من قاصّين، وروائيين وشعراء، ونقاد، وكتاب مسرح منهم على سبيل المثال لا الحصر: الأديب الكبير محمود شقير، جميل السلحوت، فوزي البكري، ديمة جمعة السمان، أسعد الأسعد، مزين برقان، ابراهيم قراعين، ابراهيم جوهر، حليمة جوهر، ربحي الشويكي، عزام أبو السعود، عيسى القواسمي، د.محمد شحادة، هالة البكري، سمير الجندي، سامي الجندي، لؤي زعيتر، نزهة أبو غوش، رفيقة عثمان، كاميليا عراف بدر، د. معتز القطب، نبيل الجولاني،رفعت زيتون، بكر زواهرة، يوسف حامد، مروة السيوري، نعيم عليّان، د. وائل أبو عرفة، محمد عليان وآخرون.
وفي القدس عشرات المثقفين والباحثين الذين كتبوا في مجالات مختلفة.
9) للاحتلال تأثيرات على مجمل الحياة سواء الحياة الثقافية وعلى الحياة بشكل عام، كيف تقرأ هذا التأثير على النتاج الإبداعي الفلسطيني في الداخل؟
أثناء الغزو الاسرائيلي للبنان عام 1982 قال الشّاعر محمود درويش:” عندما تسكت المدافع يتكلّم الشاعر” والاحتلال الاسرائيلي طال أمده، لكنّ الابداع لم يتوقّف، فلا يمكن أن تهزم ثقافتنا العريقة أمام ثقافة الفانتوم والأباتشي والمركفاه، فالابداع في فلسطين متجدّد ويواكب المرحلة باستمرار.
10) من هذا المنطلق، ألا ترى أن الواقع اليومي في فلسطين يشكل مادة مفتوحة للإبداع في ظل الأحداث المتلاحقة التي تشهدها البلاد؟
نعم صحيح فالنّكبة صدر عنها عشرات الرّوايات، والواقع اليوميّ المعاش هو من أفرز “أدب المقاومة” والحياة اليوميّة تملي مضامين كتابات المبدعين من شعراء وقاصّين وروائيّين ومسرحيّين.  ومحاولات تهويد القدس المسعورة انعكست في قصائد ودواوين شعريّة، وفتحت أبواب الرّواية على مصاريعها، وكلّها بشكل وآخر تتحدّث عمّا يجري في المدينة من موبقات الاحتلال، وتتحدّث عن الحياة اليوميّة للناس وعن تاريخ المدينة وغير ذلك.
11) ما أهم ما يميز الأدب الفلسطيني بشكل عام في اللحظة الراهنة؟  وهل يمكننا القول إن هناك أدب مقدسي؟
هناك مبدعون مقدسيّون، وما ينتجونه من ابداع هو جزء من الثّقافة الفلسطينيّة التي هي جزء من الثّقافة العربيّة، وللابداع الفلسطينيّ مميّزات فرضتها الخصوصيّة الفلسطينيّة، مثل مراثي المدن والقرى والمكان، أدبيّات الاعتقال والسّجون، سير الأبطال الشّعبيين، أدب المقاومة، المراثي، التّمسّك بالهويّة الوطنيّة والقوميّة، الأبحاث في الموروث الشّعبي الذي يتعرّض للسّرقة والطّمس والتّشويه، قضايا الطّفولة والمرأة وغيرها.
لا يمكن الحديث عن أدب مقدسيّ، فالقدس جزء لا يتجزّأ من الأراضي الفلسطينيّة المحتلة، بل هي جوهرتها، وهي العاصمة السيّاسيّة والثقافيّة والدّينيّة والاقتصاديّة للشعب الفلسطينيّ ودولته العتيدة، وبالتّالي فإنّ ما يكتبه الأدباء المقدسيّون جزء من الأدب الفلسطينيّ.
12) كيف ترى الأدب كشهادة حية عن اللحظة التاريخية؟ وما هو دور الكاتب برأيك بعد أن قطعت ذلك الشوط الطويل من الزمن في الكتابة؟
للأدب دور في مختلف مراحل الحياة، والأدب الفلسطيني يواكب المرحلة المعاشة باستمرار، ويلفت الانتباه لقضايا تغيب عن السّياسيّ، والأديب الذي يحترم نفسه ويحترم أدبه لا ينحاز إلا لشعبه وأمّته ووطنه، وقضايا التّحرّر والانسانيّة.
13) هل تتفق مع الرأي القائل أن “الرواية تحكي ما لم يقله التاريخ”؟
بالتّأكيد فالرّواية تطرق الحياة الاجتماعيّة ومعاناة الشعوب التي لا يسجّلها التّاريخ، والرّواية تستفيد من التّاريخ لكنّها لا تؤرّخ.
14) إلى أي مدى يمكن أن يساهم الالتزام السياسي بفكر أو قضية ما على الناحية الجمالية أو الفنية للعمل الإبداعي، خاصة وأن هناك نقادا يتهمون “النص الفلسطيني” بأنه مباشر وانفعالي؟
ذات مرّة قال الأديب المصريّ الراحل عبد الرّحمن الخميسي متسائلا عندما سئل عن التزامه في كتاباته بهموم المسحوقين، وعدم كتابته في الحب والجمال بطريقة مجرّدة:” كيف تطلبون من انسان جائع أن يصف لكم روعة السّماء؟” وأنا أتساءل : هل الكتابة عن هموم الوطن والشّعب عيب أم حرام؟ والأدب الفلسطيني مثل غيره من الآداب لا تنقصه الفنّيّة العالية، وإن وجدت آداب تسجيليّة فهي في مكانها الصّحيح، والأدب التّسجيلي فنّ معروف عند كلّ الشّعوب. ولدينا شعراء وأدباء وصلوا العالميّة أمثال الرّاحلين: محمود درويش، سميح القاسم، غسان كنفاني، اميل حبيبي، توفيق زيّاد، جبرا ابراهيم جبرا، ومثل من نتمنى لهم طول العمر مثل: ابراهيم نصر الله، محمود شقير، احمد رفيق عوض، وغيرهم كثيرين، والمبدعون وابداعاتهم ملك للشعب وليس لحزب أو فصيل معيّن.
السؤال الأخير:
استاذي الفاضل هذا السؤال لملف خاص أعده حول “الأدباء العرب والكتابة”..
وأسألكم: “لمن ولماذا ومتى تكتب؟
أكتب لأبوح بما يثقل صدري ويؤرّقني، أشعر براحة بعد أن أكتب شيئا يلحّ على ذاكرتي. وأكتب بالدّرجة الأولى لأبناء شعبي وأمّتي، وأرى أنّ دور الأديب دور تعبويّ وانسانيّ، والأديب النّاجح هو من يعبّر عن هموم النّاس. نحن نعيش في القدس صراعا ثقافيّا واضحا، فالاحتلال يسعى الى فرض لغته كلغة رسميّة، يتمثل ذلك في مختلف المراسلات الرّسميّة والتي هي باللغة العبريّة، وكذلك تغيير أسماء الأماكن مثلا: الأقصى اسمه “هار هبيت وتعني جبل الهيكل” وباب العمود “شاعر شخيم” وباب الأسباط” شعار هآريوت” والشيخ جرّاح” جبعات تسرفتيت” وجبل المشارف “ماونت سكوبس″ وجبل المكبر” أرمون هناتسيف” وهكذا، هذه القضايا تشغلني وتشغل غيري، فنكتب الرواية مستخدمين الأسماء العربيّة للمكان كي لا يضيع من ذاكرة الأجيال القادمة.
 لديك اهتمام خاص بأدب الأطفال، فلتحدثنا عن تجربتك الخاصة في هذا المجال. وأي متعة تجدها في هذا النوع من الأدب؟ وكيف يمكن الوصول إلى الطفل؟.
الطّفولة ذبيحة في الوطن العربيّ، خصوصا في فلسطين، العراق، سوريّا، ليبيا، السّودان، اليمن، ومصر التي يبلغ عدد أطفال الشّوارع فيها مليوني شخص – حسب الاحصاءات الرّسميّة-  وغيرها نتيجة الحروب العدوانيّة والاقتتال الدّاخليّ، ونتيجة للفقر وعدم وجود مؤسّسات رسمية تعنى بالأطفال والطّفولة. فالشّخص الذي لا يجد قوت يومه يستحيل أن يشتري كتابا لطفله، و”فاقد الشّيء لا يعطيه”
بالنّسبة لتجربتي الشّخصيّة في الكتابة للأطفال، فقد كانت بداياتي في الانتفاضة الأولى، حيث كنت أعمل في الصّحافة، وما صاحب ذلك من سقوط مئات الأطفال شهداء، واصابة الآلاف بجراح، أورثت كثيرين منهم اعاقات دائمة، بعضها يصل درجة الاعاقة الحركيّة الكاملة. وكثير من هذه الحالات إمّا شاهدتها بعيني، أو سمعت أو قرأت عنها. فهالني ذلك خصوصا وأنّني أحبّ الأطفال وأتعاطف معهم بشكل كبير بغضّ النّظر عن لونهم أو عرقهم أو دينهم، فللطفولة قداستها ومتطلباتها الانسانيّة، وأطفال شعبي وأمّتي يستحقون الكثير، وهم محرومون من أشياء كثيرة، وطفلنا الفلسطينيّ يولد بيمينه شهادة ميلاده، وفي يساره شهادة استشهاده تنتظر تعبئة التّاريخ. ولشدّة تأثّري بما جرى ويجري لأطفالنا، ألحّت عليّ فكرة المساهمة في الكتابة عنهم ولهم وهذا أضعف الايمان، وكانت مجموعتي القصصيّة الأولى”المخاض” وجميعها عن أطفال الانتفاضة الأولى. وبعد ذلك انتبهت للخرافات الشّعبيّة المخيفة التي يحكيها الآجداد والآباء لأطفالهم فتدبّ الرّعب في نفوسهم فكتبت قصّة “الغول” لأبيّن للأطفال أنّ الغول مجرّد خرافة، وأنّه غير موجود على أرض الواقع.
ثمّ انتبهت لأساليب التّعليم التي تعتمد على التّلقين ولا تحترم عقليّة التلميذ سواء كان طفلا أو فتى، وكانت روايتي للفتيان”عشّ الدّبابير” وبما أنّ صراعنا مع المحتلّ يرتكز على الأرض، فقد كتبت رواية “الحصاد” للفت انتباه الأطفال إلى أهميّة الأرض كمصدر للدّخل المحترم والعيش الكريم، ركّزت فيها على دور المرأة في الاقتصاد المنزليّ والذي لا ينتبه له كثيرون.
وواصلت كتابتي فكانت رواية “البلاد العجيبة” التي ستصدر خلال الأيّام القليلة الماضية، وهي رواية ترتكز على الخيال العلمي والتّفكير، وعن امكانيّة وجود حياة متقدّمة على كواكب أخرى.
وقد عالجت كيفيّة الوصول إلى الأطفال وغرس قضيّة المطالعة في أذهانهم لتصبح سلوكا، فكانت روايتي “لنّوش” التي ستصدر خلال الأسابيع القليلة القادمة، وهي عن حفيدتي لينا ابنة ابني قيس، المولودة في أمريكا حيث يتعلّم ويعمل والدها في شهر أيار- مايو- 2015. وقد كنت هناك فلفت انتباهي أنّ صديقة أمريكيّة مسنّة لزوجة ابني جاءت تبارك بالمولودة الجديدة، وهديّتها كانت مجموعة قصصيّة عشرين جزءا للأطفال من عمر يوم واحد حتى عام! وهي مطبوعة بأناقة بائنة وبرسومات مفروزة الألوان، وبورق مقوّى كي لا يمزّقها الطفل، ومّما قالته: أنّ الأطفال يفهمون وإن لم يستطيعوا الكلام والقراءة والكتابة، وأنّهم عندما يبلغون الثّالثة ستجدونهم قد فهموا هذه القصص؛ ليعودوا إلى قراءتها من جديد، وقد أثبتت الدّراسات أن الأطفال يفهمون ما يسمعون وهم أجنّة في بطن أمّهاتهم، وقد شاهدت ذلك بعينيّ مع حفيدتي لينا، حيث كان والدها وأمّها يسمعانها قطعة موسيقيّة عذبة للثّلاثي جبران، منذ كانت جنينا في شهرها السابع، وبعد ولادتها كانت تسمعها باصغاء لافت، وعندما كنّا نضع لها وهي ابنة أسبوع قطعة موسيقيّة أخرى كانت لا تنتبه أو ترفضها بالبكاء. أقول ذلك لنتعلّم كيف نغرس ثقافة المطالعة في نفوس أطفالنا.
وللوصول إلى الأطفال يجب أن يُدعم كتاب الأطفال ليصل إليهم مجّانا أو بسعر رمزيّ، وقد عملنا في القدس على توزيع كتاب الطّفل على صفّ دراسيّ في أكثر من مدرسة، ليتمّ بعد ذلك مناقشة الطلاب له مع الكاتب في المدرسة. وقد أثبتت هذه التّجربة جدواها، وأصبحت المدارس تتنافس على شراء مئات النّسخ من كتب الأطفال لاستضافة الكاتب ومناقشتها مع التّلاميذ في مدارسهم. كما أنّها شجّعت الأطفال على عمل مكتبة بيتيّة ليحتفظوا بالكتاب الموقّع من كاتبه، وصورة التلميذ مع الكاتب.
 كيف تقيم حال أدب الطفل في بلادك اليوم وخاصة بمدينة القدس؟ وما هي الآفاق التي يمكن أن تنفتح أمام هذا الأدب في فلسطين؟.
في فلسطين كما بقيّة العالم العربيّ نعاني من مشكلة النّشر، ومن عدم وجود رسّامين محترفين لكتب الأطفال، ومع ذلك لدينا مؤسّات تعنى بأدب الأطفال مثل مؤسّسة “أوغاريت” و”تامر” و”البحيرة” في رام الله، مؤسّسة “الأسوار” في عكا، وقد صدر عنها مئات الكتب. كما قامت مؤّسّسة ” دياكونيّا السويديّة” بترجمة مئات القصص والرّوايات لمشاهير أدباء الأطفال في الدّول الاسكندنافيّة، وصدرت عن دار المنى لصاحبتها منى زريقات هيننج، ووزّعتها مجانا بآلاف النّسخ على المدارس في العديد من الدّول العربيّة، ومن ضمنها فلسطين.
وتصدر في القدس مجلة “غدير” للأطفال وهي جهد فرديّ لصاحبها خليل سموم، كما تصدر في رام الله مجلّة الزّيزفونة عن جمعية الزّيزفونة التي يديرها شريف سمحان.
ولدينا العشرات ممّن كتبوا ويكتبون للأطفال منهم على سبيل المثال لا الحصر، جميل السلحوت، محمود شقير، ابراهيم جوهر، نزهاة أبو غوش، فاضل علي، محمد علي طه، رفيقة عثمان، أماني الجنيدي، علي الجريري، أحلام بشارات، يحيى يخلف، ماجد أبو غوش وآخرون.

حوار أجراه الصحفي أوس داود يعقوب مع الأديب المقدسي جميل السلحوت، ونشر بمجلة البيان التي تصدر عن رابطة الأدباء الكويتيين، في العدد”548″ مارس- آذار 2016.
1) في  إصداركِ الروائي الجديد “رُولا”، الصادر عن دار “الجندي”، بمدينة القدس، ما الذي أملى عليكِ هذه الحكاية تحديدًا؟رواية رولا هي الجزء السّادس من مسلسلي الرّوائي”درب الآلام الفلسطيني” والأجزاء الخمسة الأولى هي بالتّرتيب:”ظلام النّهار”، جنّة الجحيم”، “هوان النّعيم”، “برد الصّيف” و”العسف”. ويمتد زمن هذا المسلسل الذي كتبته من أربعينات القرن العشرين، وحتى بداية حرب اكتوبر 1973. وهذه الأجزاء يمكن قراءة أيّ جزء منها بشكل منفصل، كما يمكن قراءتها كمسلسل روائيّ.والذي دفعني لكتابة هذا المسلسل الرّوائيّ، هو تساؤلاتي أنا المولود في 5 حزيران 1949 عن أسباب هزائم أمّتنا في حربي العام 1948 و1967، وتساؤلاتي عن دور شعبنا الفلسطينيّ وأمّتنا العربيّة! ومن خلال دراساتي واستقصائي للحقائق وجدت أنّ الجهل والتّخلف والفقر كانت واحدة من أسباب الهزيمة، ومع الأسف فإنّ هذا الجهل لا يزال موجودا حتّى أيّامنا هذه، وإن بصور وأشكال مختلفة.2) ما الذي تغيّر في كتاباتك تقنياً، أو على الصعيد الفني الروائي منذ عملك الأدبي الأول وحتى يومنا هذا؟.هذا السّؤال يجيب عليه النّقاد وليس أنا، لكنّني أزعم بأنّني أطوّر نفسي ثقافيا وأطوّر كتاباتي بشكل دائم مستفيدا من تجاربي السّابقة وتجارب غيري أيضا، وهذا ما يؤكّده النّقاد الذين يتابعون اصداراتي.3) ماهي نقطة التحوّل التي أسست فعلاً لبدء مسيرتك الأدبية؟.على الصّعيد الشّخصيّ شكّلت هزيمة حزيران 1967 انقلابا في حياتي، فليس سهلا على المرء أن يعيش تحت احتلال غاشم أهلك ويهلك البشر والشّجر والحجر.وأنا أهوى المطالعة منذ طفولتي الذّبيحة، والتي عانيت فيها الكثير من الحرمان، وكنت أحرص على نصف القرش الذي هو مصروفي اليوميّ في المدرسة منذ تعلّمت الأبجديّة، وعندما كنت في الصّف الرّابع الابتدائيّ كنت أذهب من قريتي-جبل المكبر- خمسة كيلو مترات- مشيا على الأقدام إلى القدس؛ لأشتري كتابا أطالعه. وفي الصّف الرّابع الابتدائيّ تعرّضت للضّرب من معلم اللغة العربيّة عندما سألني عن موضوع تعبير”انشاء”: من كتب لك هذا الموضوع أمّك أم أبوك؟ فأجبته ببراءة: والله أنا يا استاذ. ولا أدري الآن إن كنت أعلم وقتئذ أنّ أبي وأمّي أمّيّان! فانهال عليّ ضربا وهو يردّد: غشّاش ويقسم بالله كذبا! ومرّ معلم التربية الدّينيّة وأمسك بالمعلّم سائلا: لماذا تضرب هذا الولد فهو مجتهد، ولمّا أخبره بالأمر قال له: هذا هو الطالب الوحيد الذي يجيب بشكل صحيح في الامتحانات بلغته الخاصّة القوّية، وبامكانك أن تأخذه إلى غرفة المعلمين وتختبر ذلك بتكليفه كتابة موضوع تعبير ليكتبه أمامك، فقادني معلم العربيّة إلى غرفة المعلّمين غاضبا، وأعطاني ورقة وقال: اكتب عن أيّ شيء تريده. وكان اليوم ماطرا، فكتبت موضوعا عنوانه”يوم ماطر” وصفت فيه المطر. ولمّا قرأ المعلم الموضوع “كافأني” بضربي كفّا على مؤخّرة رأسي وهو يردّد:” والله كاين شاطر يا تيس″!وفي الصّف الثاني الاعدادي وكنت طالبا في مدرسة صورباهر الاعداديّة، كتبت لصحيفة مقدسيّة ونشرت لي تحت زاوية” بأقلام القرّاء” وكنت سعيدا بأن أرى اسمي على صفحات الجريدة، وفي المرحلة الثانويّة انتقلت للدّراسة في مدينة القدس،  والصّف الأوّل الثّانوي –العاشر حاليّا- تعرّفت على مقرّ الصّحيفة في القدس، فأردت توفير طابع البريد –قرش ونصف-فذهبت بنفسي لتسليم موضوعي لهم، وكنت مزهوّا بنفسي وأنا أقول للمراسل: أنا الكاتب…أريد مقابلة رئيس التّحرير! فسمح لي بعد أن أخذ موافقة رئيس التحرير، الذي انفرط ضاحكا عندما رآني ولدا، وطلب من المراسل أن يرمي بي خارج مكتب الصحيفة، ولم يعودوا ينشّرون لي لمدّة ثلاثة شهور، فأرسلت مواضيعي باسم” جميل حسين” وحسين هو اسم والدي، فانطلت الحيلة عليهم وعادوا ينشرون لي تحت هذا الاسم ما رفضوا نشره سابقا.وفي العام 1975 عملت محرّرا في صحيفة الفجر التي كانت تصدر في القدس، وبدأت الكتابة بشكل مكثّف.4) إذا عدنا معًا إلى مرحلة البدايات وسألنا عن الأدباء والكتاب الذين تأثرت بهم والذين كانوا مصدر الإلهام لك… فماذا تقول؟في بداياتي لم يكن يهمّني لمن أطالع، فالمهمّ عندي أن أطالع وأن أنمّي ثقافتي، وقد تأثّرت بقريبيّ وابنا حامولتي الأديب الرّاحل خليل السّواحري، والأديب الكبير محمود شقير اللذين يكبرانني عمرا بحوالي ثماني سنوات.5) هل نالت تجربتك في الكتابة حظها من المتابعة النقدية؟ وإلى أي حدّ أسهم النقد في تطوير مشروعك السردي؟ وكيف ترى معايير النقد اليوم؟  في الواقع لا يوجد عندنا حركة نقديّة، مع وجود ناقد محترف هو الدكتور عادل الأسطة المحاضر في جامعة النّجاح في نابلس، والدّكتور نبيه القاسم في قرية الرّامة الجليليّة، وكان الدّكتور ابراهيم العلم في جامعة بيت لحم، وبعد اتفاقات أوسلو عاد الناقد المعروف وليد أو بكر، ويكتب الشاعر احمد دحبور مقالة نقديّة اسبوعيّة في صحيفة الحياة الجديدة التي تصدر في رام الله، وهناك كتابات نقديّة للدكتور محمد البوجي المحاضر في جامعة الأقصى في قطاع غزّة، وما تبقى هو كتابات نقديّة انطباعيّة، ويظهر ذلك في ندوة “اليوم السّابع الثّقافيّة الأسبوعيّة الدّوريّة” والمستمرة منذ آذار –مارس- 1991 وحتى يومنا هذا دون انقطاع، وصدر عنها حتى الآن خمسة عشر كتابا تسجيليّا،  وهذه النّدوة فكرتي أنا، وأسّستها مع زملائي: ديمة السّمّان، ابراهيم جوهر، ربحي الشويكي ونبيل الجولاني وكنّا أعضاء هيئة اداريّة لاتحاد الكتّاب الفلسطينيين. ونقوم كل اسبوع بمناقشة كتاب محلّيّ أو عربيّ، ونكتب عنه، أو نحضر مسرحيّة ونناقشها مع المخرج والممثلين ونكتب عنها، وكذلك مع الأفلام الوثائقيّة، كما نعنى بالأخذ بيد المواهب الشّبابيّة. وقد ناقشت هذه الندوة وكتب روّادها عن غالبية اصداراتي.وبالتّأكيد فإنّني أستفيد كثيرا من ملاحظات النّقاد، وأسعى باستمرار لتطوير أدواتي الكتابيّة.6) هل تكتب بعيدا عن شروط النشر الخاضعة بشكل رئيسي لمزاج الناشر ومتطلباته، والتي كثيراً ما تُفقِد الحكايات جماليتها وبساطتها..؟لم أكتب ولن أكتب يوما بناء على طلب ناشر أو غيره. وما أكتبه فكرتي ومسؤوليّتي الشّخصيّة.7) وجودك في مدينة القدس المحتلة هل تعتبره ميزة على الصعيد الإبداعي؟ أم أنه أفقدك ميزات ما؟لا أتمنّى لانسان كائنا من كان أن يعيش تحت احتلال، فوجود الاحتلال يعني أنّ الانسان يعيش في ظروف تمتهن كرامته وانسانيّته، فلا شيء يعدل حرّيّة الوطن والحرّيّة الشّخصيّة، ونحن في القدس نعاني من اضطهاد قوميّ، اقتصادي، اجتماعي، وتمييز في مختلف مجالات الحياة، ومع ذلك تبقى القدس جنّة السّماوات والأرض، ويعذّبني سرقة جغرافيّة وتاريخ وثقافة المدينة بشكل يوميّ ومتسارع. والقدس حبيبتي الأولى والأخيرة، تكاد تدخل في كتاباتي جميعها. ورواياتي تدور أحداثها في مدينة القدس وقراها.8) كيف ترى الحياة الثقافية الفلسطينية في مدينة القدس في ظل الوضع الحالي؟ رغم محاصرة القدس العربيّة المحتلة ومنعها من التّواصل مع محيطها الفلسطينيّ وامتدادها العربيّ، إلا أنّ الحراك الثّقافي فيها لم يتوقف. والثقافة في القدس جزء من الثقافة الفلسطينيّة التي هي جزء من الثّقافة العربيّة، وفي القدس مؤسّسات ثقافيّة رائدة، تمارس دورها رغم أزماتها المّادّيّة، ومن هذه المؤسّسات: المسرح الوطني الفلسطيني-الحكواتي سابقا-، مركز القدس للموسيقى، مؤسّسة يبوس، الملتقى الفكري العربي، مؤسّسة باسيا، مركز اسعاف النّشاشيبي الثّقافي، متحف دار الطفل العربي، مسرح سنابل،  ندوة اليوم السّابع، دواة على السّور وهي نشاط ثقافي شبابيّ شهريّ تأسّس عام 2011 بمبادرة من الشّابتين نسب أديب حسين، ومروة خالد السّيوري، وهذا النّشاط ابن شرعيّ لندوة اليوم السّابع. وفي العام 2010 تأسّست دار الجندي للنّشر والتّوزيع لصاحبها الأديب سمير الجندي، وقد أصدرت حتّى الأن –اكتوبر 2015- حوالي 350 كتابا،  المقهى الثّقافي، نادي الصّحافة،  مبادرة شباب البلد في جبل المكبر والتي ابتدعت حدثاثقافيّا عالميّا هو أطول سلسلة قارئة حول سور القدس عام 2013 واستشهد أحد مؤسّسيها بهاء محمد خليل عليّان في اكتوبر 2015. كتّاب القدس:في القدس عشرات الأدباء من قاصّين، وروائيين وشعراء، ونقاد، وكتاب مسرح منهم على سبيل المثال لا الحصر: الأديب الكبير محمود شقير، جميل السلحوت، فوزي البكري، ديمة جمعة السمان، أسعد الأسعد، مزين برقان، ابراهيم قراعين، ابراهيم جوهر، حليمة جوهر، ربحي الشويكي، عزام أبو السعود، عيسى القواسمي، د.محمد شحادة، هالة البكري، سمير الجندي، سامي الجندي، لؤي زعيتر، نزهة أبو غوش، رفيقة عثمان، كاميليا عراف بدر، د. معتز القطب، نبيل الجولاني،رفعت زيتون، بكر زواهرة، يوسف حامد، مروة السيوري، نعيم عليّان، د. وائل أبو عرفة، محمد عليان وآخرون.وفي القدس عشرات المثقفين والباحثين الذين كتبوا في مجالات مختلفة.9) للاحتلال تأثيرات على مجمل الحياة سواء الحياة الثقافية وعلى الحياة بشكل عام، كيف تقرأ هذا التأثير على النتاج الإبداعي الفلسطيني في الداخل؟أثناء الغزو الاسرائيلي للبنان عام 1982 قال الشّاعر محمود درويش:” عندما تسكت المدافع يتكلّم الشاعر” والاحتلال الاسرائيلي طال أمده، لكنّ الابداع لم يتوقّف، فلا يمكن أن تهزم ثقافتنا العريقة أمام ثقافة الفانتوم والأباتشي والمركفاه، فالابداع في فلسطين متجدّد ويواكب المرحلة باستمرار.10) من هذا المنطلق، ألا ترى أن الواقع اليومي في فلسطين يشكل مادة مفتوحة للإبداع في ظل الأحداث المتلاحقة التي تشهدها البلاد؟نعم صحيح فالنّكبة صدر عنها عشرات الرّوايات، والواقع اليوميّ المعاش هو من أفرز “أدب المقاومة” والحياة اليوميّة تملي مضامين كتابات المبدعين من شعراء وقاصّين وروائيّين ومسرحيّين.  ومحاولات تهويد القدس المسعورة انعكست في قصائد ودواوين شعريّة، وفتحت أبواب الرّواية على مصاريعها، وكلّها بشكل وآخر تتحدّث عمّا يجري في المدينة من موبقات الاحتلال، وتتحدّث عن الحياة اليوميّة للناس وعن تاريخ المدينة وغير ذلك.11) ما أهم ما يميز الأدب الفلسطيني بشكل عام في اللحظة الراهنة؟  وهل يمكننا القول إن هناك أدب مقدسي؟هناك مبدعون مقدسيّون، وما ينتجونه من ابداع هو جزء من الثّقافة الفلسطينيّة التي هي جزء من الثّقافة العربيّة، وللابداع الفلسطينيّ مميّزات فرضتها الخصوصيّة الفلسطينيّة، مثل مراثي المدن والقرى والمكان، أدبيّات الاعتقال والسّجون، سير الأبطال الشّعبيين، أدب المقاومة، المراثي، التّمسّك بالهويّة الوطنيّة والقوميّة، الأبحاث في الموروث الشّعبي الذي يتعرّض للسّرقة والطّمس والتّشويه، قضايا الطّفولة والمرأة وغيرها.لا يمكن الحديث عن أدب مقدسيّ، فالقدس جزء لا يتجزّأ من الأراضي الفلسطينيّة المحتلة، بل هي جوهرتها، وهي العاصمة السيّاسيّة والثقافيّة والدّينيّة والاقتصاديّة للشعب الفلسطينيّ ودولته العتيدة، وبالتّالي فإنّ ما يكتبه الأدباء المقدسيّون جزء من الأدب الفلسطينيّ. 12) كيف ترى الأدب كشهادة حية عن اللحظة التاريخية؟ وما هو دور الكاتب برأيك بعد أن قطعت ذلك الشوط الطويل من الزمن في الكتابة؟للأدب دور في مختلف مراحل الحياة، والأدب الفلسطيني يواكب المرحلة المعاشة باستمرار، ويلفت الانتباه لقضايا تغيب عن السّياسيّ، والأديب الذي يحترم نفسه ويحترم أدبه لا ينحاز إلا لشعبه وأمّته ووطنه، وقضايا التّحرّر والانسانيّة.13) هل تتفق مع الرأي القائل أن “الرواية تحكي ما لم يقله التاريخ”؟بالتّأكيد فالرّواية تطرق الحياة الاجتماعيّة ومعاناة الشعوب التي لا يسجّلها التّاريخ، والرّواية تستفيد من التّاريخ لكنّها لا تؤرّخ.14) إلى أي مدى يمكن أن يساهم الالتزام السياسي بفكر أو قضية ما على الناحية الجمالية أو الفنية للعمل الإبداعي، خاصة وأن هناك نقادا يتهمون “النص الفلسطيني” بأنه مباشر وانفعالي؟ذات مرّة قال الأديب المصريّ الراحل عبد الرّحمن الخميسي متسائلا عندما سئل عن التزامه في كتاباته بهموم المسحوقين، وعدم كتابته في الحب والجمال بطريقة مجرّدة:” كيف تطلبون من انسان جائع أن يصف لكم روعة السّماء؟” وأنا أتساءل : هل الكتابة عن هموم الوطن والشّعب عيب أم حرام؟ والأدب الفلسطيني مثل غيره من الآداب لا تنقصه الفنّيّة العالية، وإن وجدت آداب تسجيليّة فهي في مكانها الصّحيح، والأدب التّسجيلي فنّ معروف عند كلّ الشّعوب. ولدينا شعراء وأدباء وصلوا العالميّة أمثال الرّاحلين: محمود درويش، سميح القاسم، غسان كنفاني، اميل حبيبي، توفيق زيّاد، جبرا ابراهيم جبرا، ومثل من نتمنى لهم طول العمر مثل: ابراهيم نصر الله، محمود شقير، احمد رفيق عوض، وغيرهم كثيرين، والمبدعون وابداعاتهم ملك للشعب وليس لحزب أو فصيل معيّن.
السؤال الأخير:استاذي الفاضل هذا السؤال لملف خاص أعده حول “الأدباء العرب والكتابة”..وأسألكم: “لمن ولماذا ومتى تكتب؟أكتب لأبوح بما يثقل صدري ويؤرّقني، أشعر براحة بعد أن أكتب شيئا يلحّ على ذاكرتي. وأكتب بالدّرجة الأولى لأبناء شعبي وأمّتي، وأرى أنّ دور الأديب دور تعبويّ وانسانيّ، والأديب النّاجح هو من يعبّر عن هموم النّاس. نحن نعيش في القدس صراعا ثقافيّا واضحا، فالاحتلال يسعى الى فرض لغته كلغة رسميّة، يتمثل ذلك في مختلف المراسلات الرّسميّة والتي هي باللغة العبريّة، وكذلك تغيير أسماء الأماكن مثلا: الأقصى اسمه “هار هبيت وتعني جبل الهيكل” وباب العمود “شاعر شخيم” وباب الأسباط” شعار هآريوت” والشيخ جرّاح” جبعات تسرفتيت” وجبل المشارف “ماونت سكوبس″ وجبل المكبر” أرمون هناتسيف” وهكذا، هذه القضايا تشغلني وتشغل غيري، فنكتب الرواية مستخدمين الأسماء العربيّة للمكان كي لا يضيع من ذاكرة الأجيال القادمة.

 لديك اهتمام خاص بأدب الأطفال، فلتحدثنا عن تجربتك الخاصة في هذا المجال. وأي متعة تجدها في هذا النوع من الأدب؟ وكيف يمكن الوصول إلى الطفل؟.الطّفولة ذبيحة في الوطن العربيّ، خصوصا في فلسطين، العراق، سوريّا، ليبيا، السّودان، اليمن، ومصر التي يبلغ عدد أطفال الشّوارع فيها مليوني شخص – حسب الاحصاءات الرّسميّة-  وغيرها نتيجة الحروب العدوانيّة والاقتتال الدّاخليّ، ونتيجة للفقر وعدم وجود مؤسّسات رسمية تعنى بالأطفال والطّفولة. فالشّخص الذي لا يجد قوت يومه يستحيل أن يشتري كتابا لطفله، و”فاقد الشّيء لا يعطيه”بالنّسبة لتجربتي الشّخصيّة في الكتابة للأطفال، فقد كانت بداياتي في الانتفاضة الأولى، حيث كنت أعمل في الصّحافة، وما صاحب ذلك من سقوط مئات الأطفال شهداء، واصابة الآلاف بجراح، أورثت كثيرين منهم اعاقات دائمة، بعضها يصل درجة الاعاقة الحركيّة الكاملة. وكثير من هذه الحالات إمّا شاهدتها بعيني، أو سمعت أو قرأت عنها. فهالني ذلك خصوصا وأنّني أحبّ الأطفال وأتعاطف معهم بشكل كبير بغضّ النّظر عن لونهم أو عرقهم أو دينهم، فللطفولة قداستها ومتطلباتها الانسانيّة، وأطفال شعبي وأمّتي يستحقون الكثير، وهم محرومون من أشياء كثيرة، وطفلنا الفلسطينيّ يولد بيمينه شهادة ميلاده، وفي يساره شهادة استشهاده تنتظر تعبئة التّاريخ. ولشدّة تأثّري بما جرى ويجري لأطفالنا، ألحّت عليّ فكرة المساهمة في الكتابة عنهم ولهم وهذا أضعف الايمان، وكانت مجموعتي القصصيّة الأولى”المخاض” وجميعها عن أطفال الانتفاضة الأولى. وبعد ذلك انتبهت للخرافات الشّعبيّة المخيفة التي يحكيها الآجداد والآباء لأطفالهم فتدبّ الرّعب في نفوسهم فكتبت قصّة “الغول” لأبيّن للأطفال أنّ الغول مجرّد خرافة، وأنّه غير موجود على أرض الواقع. ثمّ انتبهت لأساليب التّعليم التي تعتمد على التّلقين ولا تحترم عقليّة التلميذ سواء كان طفلا أو فتى، وكانت روايتي للفتيان”عشّ الدّبابير” وبما أنّ صراعنا مع المحتلّ يرتكز على الأرض، فقد كتبت رواية “الحصاد” للفت انتباه الأطفال إلى أهميّة الأرض كمصدر للدّخل المحترم والعيش الكريم، ركّزت فيها على دور المرأة في الاقتصاد المنزليّ والذي لا ينتبه له كثيرون.وواصلت كتابتي فكانت رواية “البلاد العجيبة” التي ستصدر خلال الأيّام القليلة الماضية، وهي رواية ترتكز على الخيال العلمي والتّفكير، وعن امكانيّة وجود حياة متقدّمة على كواكب أخرى.وقد عالجت كيفيّة الوصول إلى الأطفال وغرس قضيّة المطالعة في أذهانهم لتصبح سلوكا، فكانت روايتي “لنّوش” التي ستصدر خلال الأسابيع القليلة القادمة، وهي عن حفيدتي لينا ابنة ابني قيس، المولودة في أمريكا حيث يتعلّم ويعمل والدها في شهر أيار- مايو- 2015. وقد كنت هناك فلفت انتباهي أنّ صديقة أمريكيّة مسنّة لزوجة ابني جاءت تبارك بالمولودة الجديدة، وهديّتها كانت مجموعة قصصيّة عشرين جزءا للأطفال من عمر يوم واحد حتى عام! وهي مطبوعة بأناقة بائنة وبرسومات مفروزة الألوان، وبورق مقوّى كي لا يمزّقها الطفل، ومّما قالته: أنّ الأطفال يفهمون وإن لم يستطيعوا الكلام والقراءة والكتابة، وأنّهم عندما يبلغون الثّالثة ستجدونهم قد فهموا هذه القصص؛ ليعودوا إلى قراءتها من جديد، وقد أثبتت الدّراسات أن الأطفال يفهمون ما يسمعون وهم أجنّة في بطن أمّهاتهم، وقد شاهدت ذلك بعينيّ مع حفيدتي لينا، حيث كان والدها وأمّها يسمعانها قطعة موسيقيّة عذبة للثّلاثي جبران، منذ كانت جنينا في شهرها السابع، وبعد ولادتها كانت تسمعها باصغاء لافت، وعندما كنّا نضع لها وهي ابنة أسبوع قطعة موسيقيّة أخرى كانت لا تنتبه أو ترفضها بالبكاء. أقول ذلك لنتعلّم كيف نغرس ثقافة المطالعة في نفوس أطفالنا.وللوصول إلى الأطفال يجب أن يُدعم كتاب الأطفال ليصل إليهم مجّانا أو بسعر رمزيّ، وقد عملنا في القدس على توزيع كتاب الطّفل على صفّ دراسيّ في أكثر من مدرسة، ليتمّ بعد ذلك مناقشة الطلاب له مع الكاتب في المدرسة. وقد أثبتت هذه التّجربة جدواها، وأصبحت المدارس تتنافس على شراء مئات النّسخ من كتب الأطفال لاستضافة الكاتب ومناقشتها مع التّلاميذ في مدارسهم. كما أنّها شجّعت الأطفال على عمل مكتبة بيتيّة ليحتفظوا بالكتاب الموقّع من كاتبه، وصورة التلميذ مع الكاتب.  كيف تقيم حال أدب الطفل في بلادك اليوم وخاصة بمدينة القدس؟ وما هي الآفاق التي يمكن أن تنفتح أمام هذا الأدب في فلسطين؟.في فلسطين كما بقيّة العالم العربيّ نعاني من مشكلة النّشر، ومن عدم وجود رسّامين محترفين لكتب الأطفال، ومع ذلك لدينا مؤسّات تعنى بأدب الأطفال مثل مؤسّسة “أوغاريت” و”تامر” و”البحيرة” في رام الله، مؤسّسة “الأسوار” في عكا، وقد صدر عنها مئات الكتب. كما قامت مؤّسّسة ” دياكونيّا السويديّة” بترجمة مئات القصص والرّوايات لمشاهير أدباء الأطفال في الدّول الاسكندنافيّة، وصدرت عن دار المنى لصاحبتها منى زريقات هيننج، ووزّعتها مجانا بآلاف النّسخ على المدارس في العديد من الدّول العربيّة، ومن ضمنها فلسطين.وتصدر في القدس مجلة “غدير” للأطفال وهي جهد فرديّ لصاحبها خليل سموم، كما تصدر في رام الله مجلّة الزّيزفونة عن جمعية الزّيزفونة التي يديرها شريف سمحان.ولدينا العشرات ممّن كتبوا ويكتبون للأطفال منهم على سبيل المثال لا الحصر، جميل السلحوت، محمود شقير، ابراهيم جوهر، نزهاة أبو غوش، فاضل علي، محمد علي طه، رفيقة عثمان، أماني الجنيدي، علي الجريري، أحلام بشارات، يحيى يخلف، ماجد أبو غوش وآخرون.



اترك تعليق