عبدالله دعيس:رواية البلاد العجيبة ومزج الخيال بالواقع

Jan 27

صدرت رواية البلاد العجيبة للكاتب المقدسي جميل السلحوت، أواخر العام 2015 عن مكتبة كل شيء في حيفا، وتقع الرّواية التي صمّم غلافها شربل الياس في 83 صفحة من الحجم المتوسّط.

ما أن يطالعك غلاف رواية البلاد العجيبة، وترى ذاك الدرج الذي يصعد إلى الغيوم، والجنّية الطيّبة التي تطلّ من بينها، والأكواخ التي تشبه الفطر، حتّى تتأهب لرحلة خياليّة في عالم الأطفال البريء، وتتذكّر القصص التي قرأتها في طفولتك، والمستمدّة في معظمها من الحكايات العالميّة، وتدرك أنّ هذه الرّواية الموجّهة لليافعين، لا بدّ أن تكون رحلة خياليّة تليق بعقولهم وخيالهم الواسع المحلّق فيما وراء الطبيعة.

تبدأ الرّواية بوصف مفصّل لمدينة القدس بأبوابها وأسواقها ومسجدها الأقصى دون خيال أو بلاد عجيبة، ليتساءل القارئ وهل القدس بلاد عجيبة؟ ويجيب نفسه، وهل أعجب من هذه البلاد؟ أليست القدس مهبط الرّسالات وبوّابة السماء؟ وما يلبث القارئ أن يرى بوّابة تنفتح في باحات المسجد الأقصى لينطلق محمود، بطل الرّواية، على بساط الرّيح في رحلة إلى كوكب آخر تعمّه السّعادة والمحبّة وتسوسه النّساء. ويذكّرني هذا بحكاية كنت سمعتها من جدّتي، -رحمها الله- عن صيّاد تبع غزالة حتّى فُتحت له بوّابة في الأرض وولج إلى عالم آخر يسوده الخير، فيه كلّ ما تشتهيه الأنفس، وتستطيع أن تحصل على ما تشاء منه بالكلمة الطيّبة عوضا عن المال، وتحكمه أيضا النّساء بعيدا عن تسلّط الرّجال. وهنا نجد أن الكاتب يدمج بين الحكايات العالميّة والحكايات الشعبيّة؛ ليخلق عالما جديدا تسوده المحبّة ويعمّه الإخاء، يعيش في كنف العلم بعيدا عن الحرب والصّراع.

وينتقّل، بعد ذلك، بين ذاك العالم الافتراضيّ وبين القدس، ويقفز قفزات سريعة تفتح المجال للطفل القارئ ليقارن بين الخير والشّر وبين الجمال والقبح، ويترك لعقل الطّفل أن يختار القدس من عالمه الواقعيّ، والعلم من البلاد العجيبة، ليصل إلى نتيجة أن العلم والمحبة والتّسامح ستجعل الأرض أفضل من تلك البلاد العجيبة التي تقع في أقصى الخيال.

ولم ينسَ الكاتب أن يؤكّد أن الشّر لا بدّ من وجوده حتّى في بلاد الفضيلة، فالشرّيرون في البلاد العجيبة يُرسلون إلى جزر معزولة، ويعيشون بعيدا عن أهلها الطيّبين، فليس لهم الصّولة والحكم كما هو الحال في الأرض، ويستغل الكاتب أحداث الرّواية ليعرّف الأطفال اليافعين بكثير من المعلومات النّافعة، فيصف القدس، ويتحدّث عن الأحجار الكريمة والمجوهرات، ويعرّفهم بتاريخ الفراعنة وبلاد ما بين النّهرين واليبوسيّين الذين بنوا القدس قبل ستة آلاف عام، ليجيء مدّعون غرباء ويعتبرونها أرضا لهم.

هل يجلب المال السّعادة؟ سؤال يثيره الكاتب في ذهن الطفل القارئ، فبينما يعيش الإنسان في البلاد العجيبة حياة رخاء وسعادة دون حاجة للمال، يسعى عبد المعطي وعائلته لاكتساب المال، فيبيعون العقد بملايين الدّولارات ويسعون لامتلاك الأراضي نافضين غبار الفقر عن أنفسهم، لاهثين وراء سعادة مصدرها الثّراء. أشار الكاتب في الرّواية إلى أنّ المال والقصور لا تجلب السّعادة، عندما استحضر قصّة ميسون بنت بحدل الكلبيّة ورفضها للعيش الرّغيد في القصور، وتوقها لحياة البساطة، لكنّه ترك الأمر مفتوحا، وترك الطّفل محتارا، ربما ليحلّق في خياله، ويبحث عن حقيقة الأمر بنفسه.

لا شكّ أن الكاتب أراد من هذه الرّواية تحيق المتعة، والتّحليق في عالم الخيال للأطفال اليافعين، وكذلك أراد لهم أن يتعلّموا منها الدّروس والعبر. فخلاصتها أنّ العلم والمحبّة والإخاء هي الطريق إلى السّعادة. لكن هناك بعض الأحداث في الرّواية التي لم تخدم هذا الهدف: فمثلا استطاع عبد المعطي المزارع البسيط الذي لم ينل قسطا من العلم أن يحصل على المال والغنى والسّعادة في أحضان زوجة جميلة من عالم آخر، دون عناء منه ولا كدّ، بينما أضطرّ أخوه عثمان الحاصل على الدّكتوراه أن يترك مقاعد التدّريس في الجامعة، ويُلقي بعلمه وراء ظهره ليعمل على استثمار أموال عبد المعطي التي هبطت عليه فجأة. وكذلك أراد الكاتب أن ينصف النّساء وجعلهنّ الحاكمات في البلاد العجيبة، لكنّه همّش دور سعاد زوجة عبد المعطي، واختفت في نهاية الرّواية وكأنّها لم تكن، مع أنّها هي الأمّ التي أنجبت وربّت الطفلين محمود وزينب بطلي الرّواية. وتعمّد الكاتب أن يقدّم المعلومات الجنسيّة للأطفال اليافعين الذين يقرؤون روايته، فأغرق في وصف النّساء والفتيات بشعورهنّ السّوداء الطويلة وجمالهنّ الباهر وصدورهن النّاهدة، ثمّ أشار إلى اللقاءات الجنسيّة بين عبد المعطي وزوجته من العالم الآخر. لا أعلم إذا كان هذا الوصف مناسبا للأطفال في هذه السّنّ، أو أنّه جزء من الثّقافة الجنسيّة المقبولة لهم، لكن حبّذا لو ترك الكاتب الأطفال لطفولتهم وبراءتهم بعيدا عن عالم الكبار.

كما وأنّ الكاتب أعطى صورة نمطيّة للمتديّنين بأن ساواهم بالمجرمين في تلك البلاد العجيبة، وحشرهم في جزر بعيدة عن التّأثير في حياة النّاس. أعتقد أنّ الكاتب لم يكن موفّقا في ذلك، فالدّعوة إلى الإخاء والمحبّة لا تكون بالإقصاء، فالدّين هو الذي ينقّي النّفس الإنسانيّة ويجعلها تصل إلى أعلى مراتبها، حين يعيش الإنسان حياة واقعيّة فيها الخير والشرّ وفيها الجميل والقبيح. إنّ النّظرة الإقصائيّة في هذا العالم الذي يسوده التّمييز والظّلم والعدوان، لم تبرز إلا  في ظلّ الابتعاد عن معين الدّين وروحه، وفي ظلّ الغرب العلمانيّ الذي رفع الشّعار الذي أورده الكاتب في روايته (الدّين لله والوطن للجميع). أليس الوطن والأرض والإنسان وكلّ شيء هو لله الذي خلقها؟ أوليس السّعادة والهناء أن نعيش ضمن القانون الذي وضعه الخالق؟

الكاتب مزج الحقيقة بالخيال والواقع القائم بالمتخيّل. مزج بين عالمين: عالم موجود وعالم يحلم به كلّ من يبحث عن العدل والسّعادة، وأخرج توليفة فريدة ممتعة جميلة، لا تخلو من الفائدة والعبرة.



اترك تعليق