رواية “غفرانك قلبي” في ندوة اليوم السابع

Nov 28

القدس: 26-11-2015 ناقشت ندوة اليوم السابع في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس رواية”غفراك قلبي” للأديبة المقدسيّة ديمة جمعة السّمان، وتقع الرّواية التي صدرت مؤخرا عن دار الجندي للنّشر والتوزيع في 224 صفحة من الحجم المتوسّط، ويحمل غلافها الأوّل لوحة للفنّنة المغربيّة د.أمّ البنين سلاوي.
قال جميل السلحوت:
المضمون: تتحدّث الرّواية عن هجرة قبيلة بدوية من مضاربها بسبب القحط، باحثة عن الماء والكلأ، وتجري خلافات بين أبناء شيخ القبيلة الذي مات في الطريق، ودفن في مكان أصبح مكان اقامتهم الدّائم، حيث زرعوا الأرض واستقرّوا، وبنوا البيوت الحجريّة وافتتحوا المدارس والمتاجر، وحتى الجامعات.
البناء الرّوائي: جاء في “مدخل” الرّواية أنّها تختصر الزّمان والمكان لمتابعة تطوّرات المجتمعات العربية، وكيف وصل الى بناء أنظمة مستبدّة.
والقارئ للرّواية سيجد أنّ هناك قفزات هائلة في هذا التطوّر، فقد مارسوا الزّراعة وهم في طريق رحيلهم بحثا عن الكلأ والماء…واستقرّوا هناك حيث مات شيخ قبيلتهم، وبقوا يمارسون فلاحة الأرض وزراعتها، وتطوّروا من حياة البداوة غير المستقرة، إلى بناء مدينة ووطن جديد….وتتوالى الحياة جيلا بعد جيل إلى أن يقتل أحد الأحفاد حاكم البلاد…وتتوزّع حياتهم بين التّجارة والتّعليم الجامعي، فمنهم من درس الهندسة والزراعة، ومنهم من التحق بالجيش…الخ، وتدور غالبيّة أحداث الرّواية في وصف علاقة حبّ بين شابّ” وحيد” وشابّة “منى” وهي علاقة حب عذري شبيهة بحكاية”مجنون ليلى”.
اللغة…الخيال والحوار
لغة الكاتبة جميلة بالرّغم من اتّكائها على السّجع، كما هو الحال في رواياتها السابقة، لكن اللغة اتخذت سياقا نمطيّا واحدا، أمّا الخيال فأديبتنا تمتلك خيالا جامحا، تمتطي فرسه وتحلّق به عاليا، وتخلق من لا شيء شيئا…فنراها تارة تحلق في سماء الواقع وتحطّ على أرضه، ونراها أحينا أخرى تحلق عاليا في الفضاء.
أمّا بالنسبة للحوار فهو موجود بكثافة في الرّواية، وقد خلطت الكاتبة الواقع بالخيال في أكثر من موضع لتخدم النّصّ الرّوائيّ.
عنصر التّشويق: يطغى عنصر التّشويق على الرّواية بشكل جارف…ومن يبدأ بقراءتها ستجبره على متابعتها حتى النهاية.
وماذا بعد؟: يبدو أنّ ما يسمّى بالرّبيع العربيّ، وما ألحقه في بعض البلدان العربيّة من دمار، خراب، قتل وتشريد، يؤرّق الكاتبة مثلها مثل غيرها من شرفاء الأمّة، فعادت إلى مخزونها الثّقافي والتّاريخيّ، لترى حياة العرب وكيف تطوّرت، ويبدو أنّ تطوّرهم لم يكن إلا تطويرا لعقليّة القبيلة، التي سارت على رصيف الحضارة والعلم والتطوّر الذي يشهده العالم المتحضّر، وإذا كانت القبائل العربيّة تتناحر وتتقاتل ويغزو بعضها بعضا، ويتحالف بعضها مع الأعداء ضدّ بعضهم البعض، كما فعل “المناذرة والغساسنة” فإنّ الحال في عصرنا الرّاهن لم يختلف كثيرا، أي أنّ جاهليّة العربان الحاليّة لا تختلف كثيرا عن جاهليّة ما قبل الاسلام، وما مظاهر بعض العمران إلا نوع من الزّيف، لكنّ الجوهر بقي كما هو.
ومن هنا يأتي دور هذه الرّواية، التي حوت أحداثا كثيرة، تآمر فيها الأخ على أخيه، وانتقلت القبيلة من التّرحال طلبا للماء والكلأ إلى الزّراعة والاستقرار، ثمّ بناء القرى والمدن. لكن الفساد والتّخلف والصّراع على السّلطة بقي مصاحبا لمراحل هذا “التطوّر.”
ويبدو أنّ الكاتبة تأثّرت بمقدّمة ابن خلدون ووصفه للأعراب ووحشيّتهم وسوء فهمهم لبناء الدّولة.
ما بين السّطور: القارئ لهذه الرّواية، لن يخفى عليه ما بين السّطور والكلمات من معاني مستفادة، فدراسة الماضي ستجعل المرء يقف على الحاضر وما فيه من خراب ودمار، ويستقرئ المستقبل الذي لن يكون مشرقا.
أمّا عبدالله دعيس فقد قال:
المكان في رواية غفرانك قلبي
تعلن الكاتبة في مقدّمة كتابها أنّ روايتها ليس لها مكان ولا زمان، وأنّ أحداثها ربما تقع على أيّ أرض عربيّة وفي أيّ زمن. وهي ربّما تريد من خلال ذلك أن ترسل رسائل عدّة، منها وحدة الأرض العربيّة، ووحدة الثّقافة العربيّة، وحتّى وحدة المشكلات في المجتمعات العربيّة. فالكاتبة أرادت للرّواية أن تكون رمزيّة، لا أن تتكلّم عن مكان معيّن، أو أن تسرد أحداثا حصلت لجماعة معيّنة؛ لذلك نجدها تخلق فضاء تدور فيه الأحداث، وتتحرّك خلاله الشخصيّات، قد لا يتّفق مع أيّ مكان واقعيّ في مخيّلة القارئ، بل هو مكان خياليّ له مقوّماته الخاصّة وأبعاده المتميّزة. فلم تسمّ الكاتبة المكان في روايتها باسم حقيقيّ، ولم تربطه بمعلم حقيقيّ أو بلد معروفة، فأتاحت المجال للقارئ أن يتخيّل هذا المكان بالشّكل الذي يرتئيه، ويعيش مع الشّخصيّات ويتخيّلها كما يريد، في أيّ بلد عربي كان. فمعالم المكان في الرّواية تشترك فيها معظم البلدان العربيّة تماما مثلما تشترك الأمّة العربيّة في تاريخها وحاضرها وتطلّعها نحو المستقبل.
تبدأ الرّواية في واحة آل سالم التي تقع في إحدى الصحارى بعيدا عن العمران، وتعاني من الجفاف ونضوب الماء. والصّحراء هي رمز للأرض العربيّة، فالعرب خرجوا من الصّحراء إلى العمران، وكذلك فعل آل سالم حين خرجوا من الصّحراء، وانتقلوا إلى مكان آخر ليبدؤوا حياة جديدة، ويتحوّل ذلك المكان النّائي إلى مدينة واسعة، ودولة فسيحة.
تتغيّر طبيعة المكان خلال الرّواية سريعا، لكنّ طبيعة الشّخوص فيها لم تواكب هذا التغيّر، ولم تتطوّر إلى الأفضل. فنرى شيخ القبيلة يستشير أفرادها، شيوخهم وشبابهم، رغم سلطته المطلقة، ولا يقطع أمرا قبل أن يأخذ آراءهم. وعندما يتطوّر المكان ليصبح مدينة، يحكمها حاكم متسلّط لا يأخذ مشورة أحد، ولا يوقّر كبيرا. ثمّ يثور النّاس عليه ويتخلّصون من حكمه، لكنّهم لا يتّجهون إلى حكم أنفسهم بأنفسهم ولا يعودون للشّورى، ولا يقيمون حكمهم على أساس العدل، وإنّما يسلّمون رقابهم لجماعة من العسكر، لا شكّ أنّهم سيعيدون سيرة الحاكم المتسلّط، ويستعبدونهم تارة أخرى، وكأنّ الحريّة لا تجد لها مكانا في بلاد العرب أينما كانت.
والمكان في رواية (غفرانك قلبي) يعبّر عن نفسيّة الشّخصيّات،  وينسجم مع رؤيتها للحياة. فتبدأ الرّواية في صحراء قاحلة وشجرة جمّيز وحيدة، وتمرّ الأحداث هناك، وكأنّك تعيش في غابر الزذمان، وترى التّفاعل بين الشّخصيّات منسجما تماما مع المكان الذي تصفه الكاتبة بدقّة، حتى لغة الرّواية تنسجم مع المكان والزّمان، فنرى الكاتبة تجنح إلى السّجع مثلا في بداية الرّواية، ثم تتركه فيما بعد عندما يتغيّر المكان والزّمان. فهناك علاقة وثيقة بين المكان والأحداث والشّخصيّات.
تصف الكاتبة المكان الذي تتحرّك فيه شخصيّاتها وصفا دقيقا حيّا، يستطيع القارئ أن يتخيّل الواحة في وسط الصّحراء، ثم شجرة الجمّيز التي تحيط بها السّهول والجبال. ما يلبث المكان أن يتحوّل بسرعة، فنرى الأرض ذات الشّجرة اليتيمة تتحوّل إلى أراضي زراعيّة تعجّ بأنواع النّباتات، ثمّ ما تلبث أن تتحوّل إلى مدينة كبيرة تتوسّطها مزرعة لا يبقى من معالمها إلا شجرة الجمّيز العتيقة، فيصبح هذا المكان واحة مرّة أخرى، ولكن ليس في وسط صحراء وإنّما في بحر من العمران. فالمكان في الرّواية كالشّخصيّة النّامية التي تتحوّل وتتغيّر تبعا للتّغيّرات التي تطرأ على الأحداث في السّرد.
وكما يتحوّل النصّ فجأة من حكاية أمّة ودولة إلى حكاية حبّ عادية بين شابّ وفتاة، فإنّ المكان الواسع ينحصر جدّا في شوارع المدينة، وداخل بيت آل سالم الجديد، وبيت أنسبائهم وتلك المزرعة التي تميّزها شجرة جميّز حديثة ليس لها عراقة الشّجرة القديمة، فيصبح مكانا عاديّا ضيّقا.
هل ارتباط العربيّ بأرضه ضعيف؟ وهل يترك العربيّ أرضه ويهجرها ويفرّط بها ولا يعود إليها؟ يجيب عن هذا السؤال الخلاف الذي تبدأ به الرّواية بين جيل الشّيوخ الذين يتمسّكون بواحتهم، وجيل الشّباب الذين يريدون أن ينطلقوا إلى أرض جديدة،  وتكون النّتيجة أنّ القبيلة في النّهاية تهجر أرضها وتعيش في مكان آخر، فمن طبيعة العربيّ التنقّل رغم حبّه لأرضه وتمسّكه بها، لكنّه قد يغادرها إذا نفد الكلأ ونضب الماء أو أحسّ بالخطر على حياته.  وكما أنّ هناك صراعا بين الأجيال، فإنّ هناك صراعا بين العربيّ الذي يرتبط بوطنه، ويتمسّك بأرضه وذاك الذي تشدّه جذور البداوة؛ فيغادر أرضه عند أوّل شعور بالخطر. فهل هذا يفسّر ضعف ارتباط بعض العرب بأرضهم وتخلّيهم عنها لعدوّهم رغم تغنّيهم الدّائم بحبّ الوطن.
وقال نمر القدومي:
الحاضر امتداد للماضي في رواية”غفرانك قلبي”
بين الحين والآخر، لا بدّ أن تراود الذّات الإنسانيّة مشاعر خوف في حقبات الزّمن التي تعيشه، ذلك الخوف الموروث عبر ذكرى النّاس والكتب، والذي يمتدّ منذ أضعاف وأضعاف سنوات العمر. إنَّ أسوأ ما يصطدم به الفكر هو ظلم يهدم الأحلام والحرّيات والبيوت .
في رواية ” غفرانك قلبي ” للأديبة المقدسيّة “ديمة السّمان” والتي تقع في 224 صفحة من الحجم المتوسّط والصادرة مؤخّرا عن دار الجندي للنّشر والتّوزيع .. تكشف الكاتبة الغطاء عن أيدولوجيّة متعفّنة عهدناها منذ الأزل، راسخة وممتدّة بين الماضي والحاضر، تُحاكي نمط التّقدم والإزدهار والإرتقاء بالأرض والروح والجسد. تفنّد النّفس البشريّة ذات النّظرة الحضاريّة المتقدّمة، وتلك المرتبطة بالجذور والأصول النابضة بين طيّات التّاريخ، تلك التي عَصَفَ بها الزّمن والمكان وغدر الإنسان !
إرتأتْ الكاتبة بريشتها العريقة أن ترسم لوحة فنّيّة بالألوان القاتمة تعبيرا عن فحوى روايتها، فكانت ” شجرة الجمّيزة ” هي القلب النّابض والشّريان المغذّي لشخصيّات الرّواية .
تلك الشّجرة المباركة حسب اعتقادهم، ارتبط بها الايمان المطلق، وأنّها مصدر الخير وحفظ السّماء لكلّ مَن يستظلّ بظلّها. وقد صوّرتها الأديبة بمثابة الرّوح الطّاهرة الّتي تحمي أهل القبيلة، فمنها اقتطت قطعة اللحاء التي كُتبتْ عليها وثيقة الأرض والعرق وتاريخ الأمم. فكان أجمل المشاهد حين يُمَرَّغ الخدّ بالتّراب من تحت الجمّيزة؛ ليصبح البدن أكثر صحّة ومرحا وإقبالا على الحياة.
إنَّ الخلافات التي نسجتها الأديبة بين الشّخصيّات تناولت الصّراع والتّناحر بين الماضي والحاضر .. بين شيوخ القبيلة أصحاب الحِكمة والبلاغة والخبرة، وكذلك نظرتهم الثّاقبة للمستقبل، وبين حماس الشّباب النّابع من رغبتهم في إمتلاك وإستغلال نعيم الحياة، لكنّهم لم يستوعبوا مسألة أنَّ الشَعر الأبيض والخطأ لا يتّفقان؟
هذا التمرّد والتّناحر أدّى إلى قتل الحقّ آنذاك، حين ضُرب عنق القاضي بالسّيف! كيف لا وهذا يُعيدنا إلى زمن هابيل وقابيل وأسلوب القتل لفضّ المشاكل والسّيطرة.
إنَّ تاريخ الإنسانيّة مزوّر ومبني على أكاذيب.. هذا ما جاء في الرّواية على لسان الجدّ ” أبو سعد ” عندما قرأ تاريخ عائلة الحاكم حسب الوثيقة التي بحوزته، ومفادها أنَّ عبيدا طعنوا بأسيادهم وقتلوهم غدرا؛ ليُصبح قطّاع الطرق هم مَن يحكمون البلاد.. وقتلوا الجدّ لصراحته وجرأته! إلاّ أنَّ الأديبة أبدعتْ حين فجّرت ثورة غاضبة على الحاكم الظالم وحاشيته في نفس المكان والزّمان وقبل أن يرتد طرفنا إلينا .
أمّا وضع المرأة العربيّة عبر التّاريخ، فقد مرَّ بمراحل من التّمييز ممّا أدّى إلأى خضوعها لقيود على حريّاتها وحقوقها، تعود إلى الثّقافة وتنبع من التّقاليد أكثر من كونها قائمة على الدّين. صوت المرأة في الرّواية عالٍ وحضورها ظاهر، فقد وضعتها بمثابة نواة ارتكاز ومُحرّك فعّال في مجريات الأحداث وإنصياع كبار الشّخصيّات لأوامرها .
إختصر قلم الأديبة مراحل من الرّواية وأطال في قصّة حُبّ “وحيد”و”منى”. هذا الشّاب الذي ارتكزت عليه الكاتبة في قراءة الأحداث، ووضعتنا بين مدّ وجزر في شخصيّته، تارة مُتيّم بحب “منى” وتارة أخرى يعيش بروح أبيه وجدّه، ووعد قطعه على نفسه أن يُعيد المجد لآل سالم. ذلك الهاجس الذي لازمه طول الوقت، وانتصر على الحبّ وأحيا الأصول بقراره .
“غفرانك قلبي ” عنوان خرجت به الأديبة من التهاب المشاعر التي قد تسكن قلوبنا إذا ما عشنا مع واقعنا المرير. أمّا الرّواية فامتازت ببلاغة مزيونة والعبارات المسجوعة أحيانا، والتي تضفي على النّصّ رونقا خاصا، وأسلوبها رفع من درجة حرارة عواطفنا.
وقالت ديانا أبو عيّاش:
تبدأ الرّواية بإطلالة لشمس الصّباح على واحة تسكنها قبيلة بدويّة أصابها القحط، وتدور أحداثها حول التّقدّم الحضاريّ بدءا بحياة القبيلة وجريها وراء الماء والكلأ إلىلى الاستقرار بالزّراعة، والتّمسك بالأرض لدرجة الموت في سبيلها، وما تبعه من اهتمام بالغ بالتّجارة والصّناعة والتّقدّم العلميّ، إضافة الى العلاقة مع الأنثى، مع الآخر المحتلّ، ومع النّفس، ومع شجرة الجمّيز الشّائخة التي رمزت إلى الخير النّماء والعطاء والامتداد من الجذور؛ لتقول لنا أنّ من لا تاريخ له لا مستقبل له، ولا حياة.
و يأتي التّحليل على النّحو التّالي:
طور القبيلة:
تجري الكاتبة مقارنة بين جيلين؛ جيل الشّباب وتسرّعه، وطموحه لكشف المجهول والبحث عن مستقبل مضمون وجيل الشّيوخ وحكمته.
كذلك مقارنة بين نوعين من الشّباب الذين مثّلهم ابنا الشّيخ سالم (عثمان وعمران )، عثمان الذي يمثّل التّشدّد والتّمسك بوالده وأفكاره والموازنة ما بين الأمور، وعمران الذي يرى في ترك والده وأفكاره من أجل التّجديد والابتكار، والرّحيل إلى مكان آخر للنّجاة بالقوم لدرجة أنّه ارتكب جرما بقتله للقاضي وعزل أخاه عثمان..
مرحلة الزّراعة:
حيث عاد القوم برئاسة شيخهم عمران إلى الارض التي تركوا فيها عثمان؛ ليموت وتتعفّن جثّته فيها، ليجدوا أنّها أعطتهم لهم الخير من البذور التي زرعوها، ولم يصبروا حتى تأتيهم بالخير، فاستقرّوا في المكان؛ ليصبح بين الانسان والأرض علاقة عشق وحبّ أبديّ.
مرحلة التّجارة:
حيث تحوّلت من نظام المقايضة الى التّعامل بالنّقود، الاهتمام بالعلم حيث أصبح لكلّ عمل تخصّص يتمّ تدريسة في الجامعات، فيعطى الأبناء الحقّ باختيار التّخصّص الذي يرونه مناسبا لشخصيّاتهم، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ لكلّ فرد في المجتمع حقّ الحرّيّة باختيار الحياة التي سيعيشها في مستقبله.
وورد في الرّواية عن العنف الذي يمارس ضدّ المرأة، بدءا بالشّيخ سالم الذي كان يلوم زوجته لأنّها لم تخلذف له الكثير من الأبناء، وحتى الاعتداء عليها بالألفاظ الجارحة.
من خلال الجدّ الذي يذكر لرئيس البلدية أصل وفصل الغرباء الذين استولوا على أرضهم، وضرورة الاحتفاظ بالوثائق التي تثبت ملكيّتهم للارض، سيثبت جذورهم فيها ويخلع هؤلاء منها، لأنّه في النّهاية لا يصح إلا الصّحيح، حيث يقول ص 111
اسمع يا سعد .. الأمر جدّ خطير، الوثيقة التي بحوزتكم يجب الحرص عليها .. إنّها ثروة قوميّة لا تقدر بثمن.
وقوله له أنّ الأسرة الحاكمة شجرة ملعونة حملتها عواصف شيطانيّة إلى بلادنا وغرستها في أرضنا.
هذا التّمسك بالأرض، والتّاريخ، والحضارة، ورفض الآخر وظلمه وتجبّره أدّى إلى قتل الجدّ على يد الحاكم، ومقتل الابن ومن ثم محاولة قتل الحفيد فارس الذي كان لموقف زملائه في الجيش موقف الثّورة فتحرير البلاد.
تعليم المرأة في الجامعات مثلها مثل الرّجل والذي مثلته هنا حنان، منى، وعبير.
وأخيرا قصّة الحبّ العذريّ ما بين وحيد سعد سالم ومنى شقيقة زوجة أخيه، والتي جاءت في الرّواية على لسانه، تمثّل فيها الصّراع ما بين الحبّ والمستقبل العلميّ والإحياء لجذور الأجداد، فكان تخليه عن محبوبته ظلما لها ولنفسه.
وقالت رفيقة عثمان:
قيمة الأرض في رواية ديمة السَّمَّان: “غفرانك قلبي”
كرَّست الروائيَّة ديمة السَّمَّان مساحة واسعة، لأحداث الرّواية حول تمسُّك الأجيال الكبيرة بالأرض، والدّفاع عنها،  وتوريثها للأبناء والأحفاد؛ خاصَّةً بعد البحث عن أرض خصبة، ولم يعثروا عليها. والتمسُّك بالتّاريخ الحقيقي للبلاد، والحرص من عدم دسّ حقائق مُزيَّفة فيه.
” التاريخ الذي نعرفه عن بلادنا مدسوس ومُزوَّر، عبثت به يد الأسرة الحاكمة فشوَّهته”
الصراع حول الأرض، احتّل مكانة كبيرة في الرّواية، كما ورد صفحة: 111. ” الوثيقة التي في حوزتكم، يجب الحرص عليها وعدم التّفريط بها”.. إنَّها ثروة قوميَّة حقيقيَّة لا تُقدَّر بثمن”. “إن هذه الوثيقة مسؤوليَّة قوميَّة خطيرة”.
أهميَّة الأرض تجلَّت في محبَّة الأمّ (أم فارس) لها، ورعايتها من بعد الجدّ، كما ورد صفحة 122: ” أمَّا الأرض فتبقى تُخرج الخير من باطنها، وتُعطي ربحًا حلالا أكبر وأوفر” ، صفحة 126، تتابع الأمّ وصيَّتها للأبناء، “والله يشهد أنَّني أسلّمكم الأمانة كما أحبّ جدُّكم، فحافظوا عليها وزيدوا في مساحتها يزيد الله في أعماركم، وتنالون رضى أجدادكم”؟
في نهاية الرّواية، ركَّزت الكاتبة على الصّراع بين الأجيال في الحفاظ على الأرض، كما ورد صفحة 206 ” آبائي وأجدادي جاهدوا من أجل الحفاظ على الأرض، وأنا أجاهد للحفاظ على حبِّي”.
وُفِّقت الروائيَّة  ديمة في صياغة الرمزيَّة في الرواية، وخلق انعكاس للواقع المعاصر، والصّراع على الأرض في كافَّة الأزمنة، وأهميَّة الحفاظ عليها من الأجداد للأحفاد.
شملت الرّواية عنصر التّشويق، والخيال الجامح والخصب الذي تتمتع به روائيّتنا من بداية الرّواية حتى نهايتها.
لغة الرّواية سهلة، ورصينة تتيح لأيّ قارئ فهمها، على الرّغم من عمق الأفكار فيها.
وكتبت نزهة أبو غوش:
الصراع في الرّواية في روايتها، عمدت الكاتبة أن تخلق صراعًا طويلًا حول الأرض، صراع ما بين الجدّ والابن، ثمّ ما بين الابن والاخوة؛ وصراع أصعب ما بين العائلة، والحاكم الظّالم.
مهّدت الكاتبة ديمة السّمان لروايتها بأُسلوب الحكاية الّتي تبدأ من الصّفر ثُمّ تبدأ تتصاعد بأحداثها نحو الصّراع الّذي ينتظر حلًّا.
عاشت أحداث الرّواية في زمن التّرحال، والتّنقّل، والمقايضات.
ابتدأ الصّراع منذ أن وضع عثمان بن الحاجّ سالم الأوّل يده على الأرض البديلة لأرضه، الّتي سحقها الجفاف. احتدم الصّراع بين الأخوين عثمان وعمران، حيث تمسّك الأوّل بالأرض؛ لأنّ والده الحاج سالم دُفن بها تحت شجرة الجُمّيزة.
أمّا الثّاني فقد رفض البقاء؛ بسبب شحّ الأرض والجفاف وقلّة الأمطار.
يبدو لنا الصّراع هنا ما بين العاطفة والعقل، حيث يمثّل الأخ الأكبر العاطفة والتّعلّق بتاريخ الآباء والوفاء؛ حتّى لجسد والده تحت التّراب، أما الأخ الأصغر عمران فقد مثّل الجزء الثّاني، وهو العقل والمنطق، حيث لا فائدة من البقاء ما دامت الأرض بخيلة وشحيحة، ومن الواجب البحث عن أرض بديلة.
عمدت الكاتبة السّمان هنا أن تنتصر للعاطفة على العقل، إِذ جادت السّماء بالخير على الأرض بعد ثلاثة أعوام، ورجع عمران وجماعته؛ ليتمسّكوا بها بعد فشلهم بالبحث عن أرض بديلة خصبة، ثمّ انتهت بموت عثمان من شدّة البرد، دون أن يعلم أحد به.
الصراع الثّاني كان صراع القوّة مع الزّمن. من سيتسلّط على الأرض؟ من سبق إليها زمنيًّا، أم من له تاريخ يثبت وجوده، أم من هو الأقوى؟
انتصر عنصر القوّة هنا، حيث هزم آل سالم بسيوفهم القوم الّذين سبقوهم قبل عودتهم من سوق المقايضة. هنا أثبتت لنا الكاتبة، كما أثبت لنا التّاريخ على مرّ العصور بأنّ البقاء للأقوى. أنت قويّ: تقتل، تدمّر، تسحق،؛ أنت موجود، حتّى لو كان غيرك هو الأفضل.
ظلّ الصّراع على الأرض مستمرًّا في عائلة الحاج سالم.
سالم حفيد الحفيد، قاوم حتّى الممات بقاءه بالارض. قاتل ولده الوحيد المستهتر بالأرض ، ولده االّذي أدار ظهره للأرض وابتعد عنها للتّجارة. قاتل زوجته الّتي أحبّها؛ بسبب نصرتها لولدها، وبسبب عدم انجابها إلا بطنا واحدةً كما يقول. احتدم الصّراع بينه وبين أحفاده. فضّل عليهم الحفيد فارس الّذي تعلّق بالأرض ودرس في كليّة الزّراعة. أحبّ زوجة ابنه، أيضًا لتعلّقها ولمحبّتها للأرض.
كان الصّراع في العائلة قويًّا. انتصر به الجد، الّذي أعطى الأرض جهده وعرقه ومحبّته؛ فأعطته وأعطت عائلته الكثير من الخير والبركة.
قمّة الصّراع في الرّواية، كانت ما بين الجدّ، وكلّ العالم من حوله.
وصل بالجدّ حدّ الجنون عندما قرّر حاكم البلديّة الظالم، مصادرة أرض آل سالم.
استسلم الابن والأحفاد وراحوا يقنعون الجدّ بالموافقة والتّنازل، لكنّ الجدّ لم يلق سلاحه. واجه الحاكم الظّالم، وعرّفه بأصله، وأخرج كلّ وثائقه ودلائله بأحقيّة ملك عائلته للأرض.
نتج عن هذا الصّراع المرير مقتل الجدّ، والابن الّذي ثار بالنّهاية لمقتل والده ، مما تمخّض عن ثورة عارمة قضت على الظّلم. واعطاء أرض بديلة للّتي صودرت لمصلحة البلد.
في نهاية الرّواية، خلقت الكاتبة صراعًا ما بين الحبّ والمسؤوليّة، والانتماء، وتثبيت وصيّة الأجداد. حبّ الحفيد وحيد للفتاة منى، وحبّها له حبًّا جارفًا، حتّى أنّه أُصيب بالمرض الّذي أهزله وأقعده الفراش؛ بسبب فراقها له عدّة أيّام.
عاش وحيد صراعًا مريرًا ما بين أن يتزوّج من منى، وينسى وصيّة أجداده، وبين أن يتمسّك بالوصيّة ويحارب من أجل الأرض، ويثبت نفسه ووجوده ويشهر عائلته؟
انتصرت الكاتبة للحلّ الثّاني وهو انتصار التّمسك بوصيّة الأجداد، حيث خطبت حبيبته شخصا آخر، فاستسلم هو بعد مرض وهزال طويلين .
أرى بأن الصّراع على الأرض والهويّة في الجزء الأوّل من الرواية، كان أقوى بكثير من الجزء الثّاني، حيث نلحظ ضعف الصّراع في نهاية الرواية؛ لأنّه غير مقنع، حيث أنّني لا أرى أيّ مانع من أن يحبّ الانسان ويتزوّج ويبني أُسرة؛ مقابل أن يتمسّك بأرضه وأجداده وتراثه، ويستمرّ بإثبات نفسه حتّى آخر رمق من حياته.
وكتبت سوسن عابدين الحشيم:
تثير الكاتبة في روايتها قضايا اجتماعيّة ذات بعدين سياسيّ وثقافيّ، فقد ارتأت الكاتبة استخدام أسلوب السّرد القصصي لكي تسترسل بأحداث الرّواية بلغة سليمة وسهلة، كان عنصر التّشويق جليّا حيث تبدأ الرّواية بأحداث دراميّة لعائلة آل سالم، فقتل الأخ للقاضي الذي حكم لصالح أحد الأخوة في مسألة الانتقال للعيش من مكان الى آخر طلبا للغيث والرزق، لجأت الكاتبة إلى تقسيم أحداث الرّواية إلى قسمين، القسم الأوّل يتحدّث عن انتقال القبيلة إلى مكان يصبح بعدها مقرّهم واستقرارهم، فيتحول أفرادها من عيشة البداوة إلى الحضارة وبناء المدينة، والقسم الثّاني كانت قصّة حبّ بين أحد أفراد القبيلة اسمه وحيد ومحبوبته منى، وتنتهي بالفشل، اتّخذت الكاتبة الرّمز في توضيح البعد السياسيّ في هذه الرّواية، حيث ما تعرضت له قبيلة آل سالم التي بنت مدينتها وزرعت أشجارها ليأتي محتل يغتصب هذه المدينة بكلّ خيراتها واقتلاع شجرة الجمّيز من جذورها، والتي كانت ترمز إلى مصدر الخير والبركة، وقوف شيخ القبيلة وتصدّيه للمحتلّ الغاشم بكلّ قوّته حاملا شجرة العائلة التي تبيّن أصل كلّ عائلة في المدينة، لكن ينتهي هذا الصمود والتّحدي بقتل الحاكم الظالم لشيخ القبيلة لرفضه الخنوع لأوامره الظالمة، دفاع الابن سعد لأبيه وانتقامه له بقتل الحاكم؛ ليبدأ مشوار النّضال من أجل اعادة الحقوق الانسانيّة المغتصبة من الحاكم المعتدي على أرض غيره، فهذا الحاكم يمثّل الاحتلال الذي لا أصل له ولا أرض، فهم كانوا عبيدا تمرّدوا على أسيادهم وقتلوهم ليستولوا على الحكم والسّيادة، تأخذنا الكاتبة في روايتها إلى عائلة مكوّنة من أحفاد آل سالم الذين بنوا أمجادهم وحضارتهم، فكانوا رمز الشّرف والنّضال بداية بالأمّ وما تحمله من ثقافة الجيل الماضي المتمسك بأرضه، ورباطه فيها بكل قوّة وتحدٍ وصمود؛ لتزرعها وتحصدها وتربّي الماشية ، هنا الكاتبة تعرض لنا البعد الثّقافيّ بين جيلين مختلفين في التّفكير والأسلوب للعيش في هذه الحياة، فالابن الأكبر كان من أكبر الثّوار المناضلين من أجل استرجاع ما سلب منهم، والعيش بحرّيّة وكرامة، والابن الأوسط كريم الذي لجأ إلى التّجارة ليساعد أباه في التّجارة، وينجح بها نجاحا كبيرا،  رفض الجدّ في بداية الأمر لافتتاح هذا المتجر لابنه واقتناعه بعد ذلك تبيّن الكاتبة من خلاله الفرق الثّقافي بين الأجداد والأبناء، الاجداد يريدون من أبنائهم العمل في الأرض ليرثوا حبّها والحفاظ عليها من الضّياع، تمسكهم بالارض والاقتراب منها والعيش عليها يزيد من حبّهم لها، فلا يفرّطون بها بمال الدّنيا جميعه، ويفدونها بدمهم وأرواحهم. الابن الأصغر الذي كان راويا لقصّة حبّه يتعلق بحبّ زميلته بالجامعة، ويتبيّن بعد ذلك أنّها أخت زوجة أخيه، يدرس الهندسة ويطمح في الوصول إلى هدف يحمّله الألم والأسى فقد جعلت الكاتبة من شخصيته فتى عاشقا متيّما، لكن العقدة التي نشأت معه من صغره تمنعه من الاستمتاع بهذا الحبّ، عقدة استرجاع أمجاد آل سالم بعيدا عن الحياة الزوجيّة التي ستعرقل تحقيق هدفه كما كان يعتقد، تجوّلت بنا الكاتبة في أحضان الطبيعة الخلابة بتصويرها لمنظر الشّروق والغروب في لقاء الأحبّة بعيدا عن ضوضاء المدينة، فكانت الرّومانسية طاغية في لقائهما، تنشأ بين وحيد ومنى علاقة حبّ وطيدة، لكن الكاتبة تعود بنا إلى ثقافة الجيل الماضي الذي لا يقرّ بهذه العلاقة دون توثيقها بعقد زواج؛ ليسكت كلام الناس، فعائلة الطّرفين تحاول أن تثني وحيدا عن رأيه في الامتناع عن هذا الارتباط المقدّس، لكن عقدته في بناء نفسه والعلو الاقتصاديّ الذي يسعى للحصول عليه عن طريق الهندسة، فاسترجاع أمجاد عائلته تغلّب على تفكيره فترك منى ليخطبها رجلا آخر، أبوها أجبرها على القبول، حيث أنّ ثقافته تمنعه من السّماح بإقامة علاقة غير شرعيّة بين ابنته ورجل يرفض الزّواج منها إلا بعد فترة طويلة تستمر خلال عشر سنوات، كما وضح لهم وحيد، نجحت الكاتبة في اقناعنا بطريقة الحياة المختلفة بين الماضي والحاضر، طريقة الوصول إلى النّجاح، طريقة التّقدم والتّطوّر كل له أسلوبه وتفكيره الخاص به.
وشارك في النّقاش عدد من الحضور منهم: ابراهيم جوهر،  محمد عمر يوسف القراعين، حسن أبو خضير، رشا السّرميطي ّوخليل سموم.

رواية “غفرانك قلبي” في ندوة اليوم السابع القدس: 26-11-2015 ناقشت ندوة اليوم السابع في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس رواية”غفراك قلبي” للأديبة المقدسيّة ديمة جمعة السّمان، وتقع الرّواية التي صدرت مؤخرا عن دار الجندي للنّشر والتوزيع في 224 صفحة من الحجم المتوسّط، ويحمل غلافها الأوّل لوحة للفنّنة المغربيّة د.أمّ البنين سلاوي.

قال جميل السلحوت:
المضمون: تتحدّث الرّواية عن هجرة قبيلة بدوية من مضاربها بسبب القحط، باحثة عن الماء والكلأ، وتجري خلافات بين أبناء شيخ القبيلة الذي مات في الطريق، ودفن في مكان أصبح مكان اقامتهم الدّائم، حيث زرعوا الأرض واستقرّوا، وبنوا البيوت الحجريّة وافتتحوا المدارس والمتاجر، وحتى الجامعات.البناء الرّوائي: جاء في “مدخل” الرّواية أنّها تختصر الزّمان والمكان لمتابعة تطوّرات المجتمعات العربية، وكيف وصل الى بناء أنظمة مستبدّة.والقارئ للرّواية سيجد أنّ هناك قفزات هائلة في هذا التطوّر، فقد مارسوا الزّراعة وهم في طريق رحيلهم بحثا عن الكلأ والماء…واستقرّوا هناك حيث مات شيخ قبيلتهم، وبقوا يمارسون فلاحة الأرض وزراعتها، وتطوّروا من حياة البداوة غير المستقرة، إلى بناء مدينة ووطن جديد….وتتوالى الحياة جيلا بعد جيل إلى أن يقتل أحد الأحفاد حاكم البلاد…وتتوزّع حياتهم بين التّجارة والتّعليم الجامعي، فمنهم من درس الهندسة والزراعة، ومنهم من التحق بالجيش…الخ، وتدور غالبيّة أحداث الرّواية في وصف علاقة حبّ بين شابّ” وحيد” وشابّة “منى” وهي علاقة حب عذري شبيهة بحكاية”مجنون ليلى”.اللغة…الخيال والحوارلغة الكاتبة جميلة بالرّغم من اتّكائها على السّجع، كما هو الحال في رواياتها السابقة، لكن اللغة اتخذت سياقا نمطيّا واحدا، أمّا الخيال فأديبتنا تمتلك خيالا جامحا، تمتطي فرسه وتحلّق به عاليا، وتخلق من لا شيء شيئا…فنراها تارة تحلق في سماء الواقع وتحطّ على أرضه، ونراها أحينا أخرى تحلق عاليا في الفضاء.أمّا بالنسبة للحوار فهو موجود بكثافة في الرّواية، وقد خلطت الكاتبة الواقع بالخيال في أكثر من موضع لتخدم النّصّ الرّوائيّ.عنصر التّشويق: يطغى عنصر التّشويق على الرّواية بشكل جارف…ومن يبدأ بقراءتها ستجبره على متابعتها حتى النهاية.وماذا بعد؟: يبدو أنّ ما يسمّى بالرّبيع العربيّ، وما ألحقه في بعض البلدان العربيّة من دمار، خراب، قتل وتشريد، يؤرّق الكاتبة مثلها مثل غيرها من شرفاء الأمّة، فعادت إلى مخزونها الثّقافي والتّاريخيّ، لترى حياة العرب وكيف تطوّرت، ويبدو أنّ تطوّرهم لم يكن إلا تطويرا لعقليّة القبيلة، التي سارت على رصيف الحضارة والعلم والتطوّر الذي يشهده العالم المتحضّر، وإذا كانت القبائل العربيّة تتناحر وتتقاتل ويغزو بعضها بعضا، ويتحالف بعضها مع الأعداء ضدّ بعضهم البعض، كما فعل “المناذرة والغساسنة” فإنّ الحال في عصرنا الرّاهن لم يختلف كثيرا، أي أنّ جاهليّة العربان الحاليّة لا تختلف كثيرا عن جاهليّة ما قبل الاسلام، وما مظاهر بعض العمران إلا نوع من الزّيف، لكنّ الجوهر بقي كما هو.ومن هنا يأتي دور هذه الرّواية، التي حوت أحداثا كثيرة، تآمر فيها الأخ على أخيه، وانتقلت القبيلة من التّرحال طلبا للماء والكلأ إلى الزّراعة والاستقرار، ثمّ بناء القرى والمدن. لكن الفساد والتّخلف والصّراع على السّلطة بقي مصاحبا لمراحل هذا “التطوّر.”ويبدو أنّ الكاتبة تأثّرت بمقدّمة ابن خلدون ووصفه للأعراب ووحشيّتهم وسوء فهمهم لبناء الدّولة.ما بين السّطور: القارئ لهذه الرّواية، لن يخفى عليه ما بين السّطور والكلمات من معاني مستفادة، فدراسة الماضي ستجعل المرء يقف على الحاضر وما فيه من خراب ودمار، ويستقرئ المستقبل الذي لن يكون مشرقا.
أمّا عبدالله دعيس فقد قال:المكان في رواية غفرانك قلبيتعلن الكاتبة في مقدّمة كتابها أنّ روايتها ليس لها مكان ولا زمان، وأنّ أحداثها ربما تقع على أيّ أرض عربيّة وفي أيّ زمن. وهي ربّما تريد من خلال ذلك أن ترسل رسائل عدّة، منها وحدة الأرض العربيّة، ووحدة الثّقافة العربيّة، وحتّى وحدة المشكلات في المجتمعات العربيّة. فالكاتبة أرادت للرّواية أن تكون رمزيّة، لا أن تتكلّم عن مكان معيّن، أو أن تسرد أحداثا حصلت لجماعة معيّنة؛ لذلك نجدها تخلق فضاء تدور فيه الأحداث، وتتحرّك خلاله الشخصيّات، قد لا يتّفق مع أيّ مكان واقعيّ في مخيّلة القارئ، بل هو مكان خياليّ له مقوّماته الخاصّة وأبعاده المتميّزة. فلم تسمّ الكاتبة المكان في روايتها باسم حقيقيّ، ولم تربطه بمعلم حقيقيّ أو بلد معروفة، فأتاحت المجال للقارئ أن يتخيّل هذا المكان بالشّكل الذي يرتئيه، ويعيش مع الشّخصيّات ويتخيّلها كما يريد، في أيّ بلد عربي كان. فمعالم المكان في الرّواية تشترك فيها معظم البلدان العربيّة تماما مثلما تشترك الأمّة العربيّة في تاريخها وحاضرها وتطلّعها نحو المستقبل. تبدأ الرّواية في واحة آل سالم التي تقع في إحدى الصحارى بعيدا عن العمران، وتعاني من الجفاف ونضوب الماء. والصّحراء هي رمز للأرض العربيّة، فالعرب خرجوا من الصّحراء إلى العمران، وكذلك فعل آل سالم حين خرجوا من الصّحراء، وانتقلوا إلى مكان آخر ليبدؤوا حياة جديدة، ويتحوّل ذلك المكان النّائي إلى مدينة واسعة، ودولة فسيحة. تتغيّر طبيعة المكان خلال الرّواية سريعا، لكنّ طبيعة الشّخوص فيها لم تواكب هذا التغيّر، ولم تتطوّر إلى الأفضل. فنرى شيخ القبيلة يستشير أفرادها، شيوخهم وشبابهم، رغم سلطته المطلقة، ولا يقطع أمرا قبل أن يأخذ آراءهم. وعندما يتطوّر المكان ليصبح مدينة، يحكمها حاكم متسلّط لا يأخذ مشورة أحد، ولا يوقّر كبيرا. ثمّ يثور النّاس عليه ويتخلّصون من حكمه، لكنّهم لا يتّجهون إلى حكم أنفسهم بأنفسهم ولا يعودون للشّورى، ولا يقيمون حكمهم على أساس العدل، وإنّما يسلّمون رقابهم لجماعة من العسكر، لا شكّ أنّهم سيعيدون سيرة الحاكم المتسلّط، ويستعبدونهم تارة أخرى، وكأنّ الحريّة لا تجد لها مكانا في بلاد العرب أينما كانت. والمكان في رواية (غفرانك قلبي) يعبّر عن نفسيّة الشّخصيّات،  وينسجم مع رؤيتها للحياة. فتبدأ الرّواية في صحراء قاحلة وشجرة جمّيز وحيدة، وتمرّ الأحداث هناك، وكأنّك تعيش في غابر الزذمان، وترى التّفاعل بين الشّخصيّات منسجما تماما مع المكان الذي تصفه الكاتبة بدقّة، حتى لغة الرّواية تنسجم مع المكان والزّمان، فنرى الكاتبة تجنح إلى السّجع مثلا في بداية الرّواية، ثم تتركه فيما بعد عندما يتغيّر المكان والزّمان. فهناك علاقة وثيقة بين المكان والأحداث والشّخصيّات.تصف الكاتبة المكان الذي تتحرّك فيه شخصيّاتها وصفا دقيقا حيّا، يستطيع القارئ أن يتخيّل الواحة في وسط الصّحراء، ثم شجرة الجمّيز التي تحيط بها السّهول والجبال. ما يلبث المكان أن يتحوّل بسرعة، فنرى الأرض ذات الشّجرة اليتيمة تتحوّل إلى أراضي زراعيّة تعجّ بأنواع النّباتات، ثمّ ما تلبث أن تتحوّل إلى مدينة كبيرة تتوسّطها مزرعة لا يبقى من معالمها إلا شجرة الجمّيز العتيقة، فيصبح هذا المكان واحة مرّة أخرى، ولكن ليس في وسط صحراء وإنّما في بحر من العمران. فالمكان في الرّواية كالشّخصيّة النّامية التي تتحوّل وتتغيّر تبعا للتّغيّرات التي تطرأ على الأحداث في السّرد.وكما يتحوّل النصّ فجأة من حكاية أمّة ودولة إلى حكاية حبّ عادية بين شابّ وفتاة، فإنّ المكان الواسع ينحصر جدّا في شوارع المدينة، وداخل بيت آل سالم الجديد، وبيت أنسبائهم وتلك المزرعة التي تميّزها شجرة جميّز حديثة ليس لها عراقة الشّجرة القديمة، فيصبح مكانا عاديّا ضيّقا.هل ارتباط العربيّ بأرضه ضعيف؟ وهل يترك العربيّ أرضه ويهجرها ويفرّط بها ولا يعود إليها؟ يجيب عن هذا السؤال الخلاف الذي تبدأ به الرّواية بين جيل الشّيوخ الذين يتمسّكون بواحتهم، وجيل الشّباب الذين يريدون أن ينطلقوا إلى أرض جديدة،  وتكون النّتيجة أنّ القبيلة في النّهاية تهجر أرضها وتعيش في مكان آخر، فمن طبيعة العربيّ التنقّل رغم حبّه لأرضه وتمسّكه بها، لكنّه قد يغادرها إذا نفد الكلأ ونضب الماء أو أحسّ بالخطر على حياته.  وكما أنّ هناك صراعا بين الأجيال، فإنّ هناك صراعا بين العربيّ الذي يرتبط بوطنه، ويتمسّك بأرضه وذاك الذي تشدّه جذور البداوة؛ فيغادر أرضه عند أوّل شعور بالخطر. فهل هذا يفسّر ضعف ارتباط بعض العرب بأرضهم وتخلّيهم عنها لعدوّهم رغم تغنّيهم الدّائم بحبّ الوطن.
وقال نمر القدومي: الحاضر امتداد للماضي في رواية”غفرانك قلبي”بين الحين والآخر، لا بدّ أن تراود الذّات الإنسانيّة مشاعر خوف في حقبات الزّمن التي تعيشه، ذلك الخوف الموروث عبر ذكرى النّاس والكتب، والذي يمتدّ منذ أضعاف وأضعاف سنوات العمر. إنَّ أسوأ ما يصطدم به الفكر هو ظلم يهدم الأحلام والحرّيات والبيوت .في رواية ” غفرانك قلبي ” للأديبة المقدسيّة “ديمة السّمان” والتي تقع في 224 صفحة من الحجم المتوسّط والصادرة مؤخّرا عن دار الجندي للنّشر والتّوزيع .. تكشف الكاتبة الغطاء عن أيدولوجيّة متعفّنة عهدناها منذ الأزل، راسخة وممتدّة بين الماضي والحاضر، تُحاكي نمط التّقدم والإزدهار والإرتقاء بالأرض والروح والجسد. تفنّد النّفس البشريّة ذات النّظرة الحضاريّة المتقدّمة، وتلك المرتبطة بالجذور والأصول النابضة بين طيّات التّاريخ، تلك التي عَصَفَ بها الزّمن والمكان وغدر الإنسان !إرتأتْ الكاتبة بريشتها العريقة أن ترسم لوحة فنّيّة بالألوان القاتمة تعبيرا عن فحوى روايتها، فكانت ” شجرة الجمّيزة ” هي القلب النّابض والشّريان المغذّي لشخصيّات الرّواية .تلك الشّجرة المباركة حسب اعتقادهم، ارتبط بها الايمان المطلق، وأنّها مصدر الخير وحفظ السّماء لكلّ مَن يستظلّ بظلّها. وقد صوّرتها الأديبة بمثابة الرّوح الطّاهرة الّتي تحمي أهل القبيلة، فمنها اقتطت قطعة اللحاء التي كُتبتْ عليها وثيقة الأرض والعرق وتاريخ الأمم. فكان أجمل المشاهد حين يُمَرَّغ الخدّ بالتّراب من تحت الجمّيزة؛ ليصبح البدن أكثر صحّة ومرحا وإقبالا على الحياة.إنَّ الخلافات التي نسجتها الأديبة بين الشّخصيّات تناولت الصّراع والتّناحر بين الماضي والحاضر .. بين شيوخ القبيلة أصحاب الحِكمة والبلاغة والخبرة، وكذلك نظرتهم الثّاقبة للمستقبل، وبين حماس الشّباب النّابع من رغبتهم في إمتلاك وإستغلال نعيم الحياة، لكنّهم لم يستوعبوا مسألة أنَّ الشَعر الأبيض والخطأ لا يتّفقان؟ هذا التمرّد والتّناحر أدّى إلى قتل الحقّ آنذاك، حين ضُرب عنق القاضي بالسّيف! كيف لا وهذا يُعيدنا إلى زمن هابيل وقابيل وأسلوب القتل لفضّ المشاكل والسّيطرة.إنَّ تاريخ الإنسانيّة مزوّر ومبني على أكاذيب.. هذا ما جاء في الرّواية على لسان الجدّ ” أبو سعد ” عندما قرأ تاريخ عائلة الحاكم حسب الوثيقة التي بحوزته، ومفادها أنَّ عبيدا طعنوا بأسيادهم وقتلوهم غدرا؛ ليُصبح قطّاع الطرق هم مَن يحكمون البلاد.. وقتلوا الجدّ لصراحته وجرأته! إلاّ أنَّ الأديبة أبدعتْ حين فجّرت ثورة غاضبة على الحاكم الظالم وحاشيته في نفس المكان والزّمان وقبل أن يرتد طرفنا إلينا .أمّا وضع المرأة العربيّة عبر التّاريخ، فقد مرَّ بمراحل من التّمييز ممّا أدّى إلأى خضوعها لقيود على حريّاتها وحقوقها، تعود إلى الثّقافة وتنبع من التّقاليد أكثر من كونها قائمة على الدّين. صوت المرأة في الرّواية عالٍ وحضورها ظاهر، فقد وضعتها بمثابة نواة ارتكاز ومُحرّك فعّال في مجريات الأحداث وإنصياع كبار الشّخصيّات لأوامرها .إختصر قلم الأديبة مراحل من الرّواية وأطال في قصّة حُبّ “وحيد”و”منى”. هذا الشّاب الذي ارتكزت عليه الكاتبة في قراءة الأحداث، ووضعتنا بين مدّ وجزر في شخصيّته، تارة مُتيّم بحب “منى” وتارة أخرى يعيش بروح أبيه وجدّه، ووعد قطعه على نفسه أن يُعيد المجد لآل سالم. ذلك الهاجس الذي لازمه طول الوقت، وانتصر على الحبّ وأحيا الأصول بقراره .”غفرانك قلبي ” عنوان خرجت به الأديبة من التهاب المشاعر التي قد تسكن قلوبنا إذا ما عشنا مع واقعنا المرير. أمّا الرّواية فامتازت ببلاغة مزيونة والعبارات المسجوعة أحيانا، والتي تضفي على النّصّ رونقا خاصا، وأسلوبها رفع من درجة حرارة عواطفنا.
وقالت ديانا أبو عيّاش:تبدأ الرّواية بإطلالة لشمس الصّباح على واحة تسكنها قبيلة بدويّة أصابها القحط، وتدور أحداثها حول التّقدّم الحضاريّ بدءا بحياة القبيلة وجريها وراء الماء والكلأ إلىلى الاستقرار بالزّراعة، والتّمسك بالأرض لدرجة الموت في سبيلها، وما تبعه من اهتمام بالغ بالتّجارة والصّناعة والتّقدّم العلميّ، إضافة الى العلاقة مع الأنثى، مع الآخر المحتلّ، ومع النّفس، ومع شجرة الجمّيز الشّائخة التي رمزت إلى الخير النّماء والعطاء والامتداد من الجذور؛ لتقول لنا أنّ من لا تاريخ له لا مستقبل له، ولا حياة.و يأتي التّحليل على النّحو التّالي:طور القبيلة:تجري الكاتبة مقارنة بين جيلين؛ جيل الشّباب وتسرّعه، وطموحه لكشف المجهول والبحث عن مستقبل مضمون وجيل الشّيوخ وحكمته.كذلك مقارنة بين نوعين من الشّباب الذين مثّلهم ابنا الشّيخ سالم (عثمان وعمران )، عثمان الذي يمثّل التّشدّد والتّمسك بوالده وأفكاره والموازنة ما بين الأمور، وعمران الذي يرى في ترك والده وأفكاره من أجل التّجديد والابتكار، والرّحيل إلى مكان آخر للنّجاة بالقوم لدرجة أنّه ارتكب جرما بقتله للقاضي وعزل أخاه عثمان..مرحلة الزّراعة:حيث عاد القوم برئاسة شيخهم عمران إلى الارض التي تركوا فيها عثمان؛ ليموت وتتعفّن جثّته فيها، ليجدوا أنّها أعطتهم لهم الخير من البذور التي زرعوها، ولم يصبروا حتى تأتيهم بالخير، فاستقرّوا في المكان؛ ليصبح بين الانسان والأرض علاقة عشق وحبّ أبديّ.مرحلة التّجارة: حيث تحوّلت من نظام المقايضة الى التّعامل بالنّقود، الاهتمام بالعلم حيث أصبح لكلّ عمل تخصّص يتمّ تدريسة في الجامعات، فيعطى الأبناء الحقّ باختيار التّخصّص الذي يرونه مناسبا لشخصيّاتهم، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ لكلّ فرد في المجتمع حقّ الحرّيّة باختيار الحياة التي سيعيشها في مستقبله.وورد في الرّواية عن العنف الذي يمارس ضدّ المرأة، بدءا بالشّيخ سالم الذي كان يلوم زوجته لأنّها لم تخلذف له الكثير من الأبناء، وحتى الاعتداء عليها بالألفاظ الجارحة.من خلال الجدّ الذي يذكر لرئيس البلدية أصل وفصل الغرباء الذين استولوا على أرضهم، وضرورة الاحتفاظ بالوثائق التي تثبت ملكيّتهم للارض، سيثبت جذورهم فيها ويخلع هؤلاء منها، لأنّه في النّهاية لا يصح إلا الصّحيح، حيث يقول ص 111اسمع يا سعد .. الأمر جدّ خطير، الوثيقة التي بحوزتكم يجب الحرص عليها .. إنّها ثروة قوميّة لا تقدر بثمن.وقوله له أنّ الأسرة الحاكمة شجرة ملعونة حملتها عواصف شيطانيّة إلى بلادنا وغرستها في أرضنا.هذا التّمسك بالأرض، والتّاريخ، والحضارة، ورفض الآخر وظلمه وتجبّره أدّى إلى قتل الجدّ على يد الحاكم، ومقتل الابن ومن ثم محاولة قتل الحفيد فارس الذي كان لموقف زملائه في الجيش موقف الثّورة فتحرير البلاد.تعليم المرأة في الجامعات مثلها مثل الرّجل والذي مثلته هنا حنان، منى، وعبير.وأخيرا قصّة الحبّ العذريّ ما بين وحيد سعد سالم ومنى شقيقة زوجة أخيه، والتي جاءت في الرّواية على لسانه، تمثّل فيها الصّراع ما بين الحبّ والمستقبل العلميّ والإحياء لجذور الأجداد، فكان تخليه عن محبوبته ظلما لها ولنفسه.
وقالت رفيقة عثمان:قيمة الأرض في رواية ديمة السَّمَّان: “غفرانك قلبي”  كرَّست الروائيَّة ديمة السَّمَّان مساحة واسعة، لأحداث الرّواية حول تمسُّك الأجيال الكبيرة بالأرض، والدّفاع عنها،  وتوريثها للأبناء والأحفاد؛ خاصَّةً بعد البحث عن أرض خصبة، ولم يعثروا عليها. والتمسُّك بالتّاريخ الحقيقي للبلاد، والحرص من عدم دسّ حقائق مُزيَّفة فيه.” التاريخ الذي نعرفه عن بلادنا مدسوس ومُزوَّر، عبثت به يد الأسرة الحاكمة فشوَّهته”   الصراع حول الأرض، احتّل مكانة كبيرة في الرّواية، كما ورد صفحة: 111. ” الوثيقة التي في حوزتكم، يجب الحرص عليها وعدم التّفريط بها”.. إنَّها ثروة قوميَّة حقيقيَّة لا تُقدَّر بثمن”. “إن هذه الوثيقة مسؤوليَّة قوميَّة خطيرة”.  أهميَّة الأرض تجلَّت في محبَّة الأمّ (أم فارس) لها، ورعايتها من بعد الجدّ، كما ورد صفحة 122: ” أمَّا الأرض فتبقى تُخرج الخير من باطنها، وتُعطي ربحًا حلالا أكبر وأوفر” ، صفحة 126، تتابع الأمّ وصيَّتها للأبناء، “والله يشهد أنَّني أسلّمكم الأمانة كما أحبّ جدُّكم، فحافظوا عليها وزيدوا في مساحتها يزيد الله في أعماركم، وتنالون رضى أجدادكم”؟ في نهاية الرّواية، ركَّزت الكاتبة على الصّراع بين الأجيال في الحفاظ على الأرض، كما ورد صفحة 206 ” آبائي وأجدادي جاهدوا من أجل الحفاظ على الأرض، وأنا أجاهد للحفاظ على حبِّي”.وُفِّقت الروائيَّة  ديمة في صياغة الرمزيَّة في الرواية، وخلق انعكاس للواقع المعاصر، والصّراع على الأرض في كافَّة الأزمنة، وأهميَّة الحفاظ عليها من الأجداد للأحفاد.شملت الرّواية عنصر التّشويق، والخيال الجامح والخصب الذي تتمتع به روائيّتنا من بداية الرّواية حتى نهايتها.لغة الرّواية سهلة، ورصينة تتيح لأيّ قارئ فهمها، على الرّغم من عمق الأفكار فيها.
وكتبت نزهة أبو غوش:الصراع في الرّواية في روايتها، عمدت الكاتبة أن تخلق صراعًا طويلًا حول الأرض، صراع ما بين الجدّ والابن، ثمّ ما بين الابن والاخوة؛ وصراع أصعب ما بين العائلة، والحاكم الظّالم. مهّدت الكاتبة ديمة السّمان لروايتها بأُسلوب الحكاية الّتي تبدأ من الصّفر ثُمّ تبدأ تتصاعد بأحداثها نحو الصّراع الّذي ينتظر حلًّا.  عاشت أحداث الرّواية في زمن التّرحال، والتّنقّل، والمقايضات.ابتدأ الصّراع منذ أن وضع عثمان بن الحاجّ سالم الأوّل يده على الأرض البديلة لأرضه، الّتي سحقها الجفاف. احتدم الصّراع بين الأخوين عثمان وعمران، حيث تمسّك الأوّل بالأرض؛ لأنّ والده الحاج سالم دُفن بها تحت شجرة الجُمّيزة.أمّا الثّاني فقد رفض البقاء؛ بسبب شحّ الأرض والجفاف وقلّة الأمطار.يبدو لنا الصّراع هنا ما بين العاطفة والعقل، حيث يمثّل الأخ الأكبر العاطفة والتّعلّق بتاريخ الآباء والوفاء؛ حتّى لجسد والده تحت التّراب، أما الأخ الأصغر عمران فقد مثّل الجزء الثّاني، وهو العقل والمنطق، حيث لا فائدة من البقاء ما دامت الأرض بخيلة وشحيحة، ومن الواجب البحث عن أرض بديلة.عمدت الكاتبة السّمان هنا أن تنتصر للعاطفة على العقل، إِذ جادت السّماء بالخير على الأرض بعد ثلاثة أعوام، ورجع عمران وجماعته؛ ليتمسّكوا بها بعد فشلهم بالبحث عن أرض بديلة خصبة، ثمّ انتهت بموت عثمان من شدّة البرد، دون أن يعلم أحد به.الصراع الثّاني كان صراع القوّة مع الزّمن. من سيتسلّط على الأرض؟ من سبق إليها زمنيًّا، أم من له تاريخ يثبت وجوده، أم من هو الأقوى؟انتصر عنصر القوّة هنا، حيث هزم آل سالم بسيوفهم القوم الّذين سبقوهم قبل عودتهم من سوق المقايضة. هنا أثبتت لنا الكاتبة، كما أثبت لنا التّاريخ على مرّ العصور بأنّ البقاء للأقوى. أنت قويّ: تقتل، تدمّر، تسحق،؛ أنت موجود، حتّى لو كان غيرك هو الأفضل. ظلّ الصّراع على الأرض مستمرًّا في عائلة الحاج سالم. سالم حفيد الحفيد، قاوم حتّى الممات بقاءه بالارض. قاتل ولده الوحيد المستهتر بالأرض ، ولده االّذي أدار ظهره للأرض وابتعد عنها للتّجارة. قاتل زوجته الّتي أحبّها؛ بسبب نصرتها لولدها، وبسبب عدم انجابها إلا بطنا واحدةً كما يقول. احتدم الصّراع بينه وبين أحفاده. فضّل عليهم الحفيد فارس الّذي تعلّق بالأرض ودرس في كليّة الزّراعة. أحبّ زوجة ابنه، أيضًا لتعلّقها ولمحبّتها للأرض.  كان الصّراع في العائلة قويًّا. انتصر به الجد، الّذي أعطى الأرض جهده وعرقه ومحبّته؛ فأعطته وأعطت عائلته الكثير من الخير والبركة.قمّة الصّراع في الرّواية، كانت ما بين الجدّ، وكلّ العالم من حوله.وصل بالجدّ حدّ الجنون عندما قرّر حاكم البلديّة الظالم، مصادرة أرض آل سالم.استسلم الابن والأحفاد وراحوا يقنعون الجدّ بالموافقة والتّنازل، لكنّ الجدّ لم يلق سلاحه. واجه الحاكم الظّالم، وعرّفه بأصله، وأخرج كلّ وثائقه ودلائله بأحقيّة ملك عائلته للأرض.نتج عن هذا الصّراع المرير مقتل الجدّ، والابن الّذي ثار بالنّهاية لمقتل والده ، مما تمخّض عن ثورة عارمة قضت على الظّلم. واعطاء أرض بديلة للّتي صودرت لمصلحة البلد.  في نهاية الرّواية، خلقت الكاتبة صراعًا ما بين الحبّ والمسؤوليّة، والانتماء، وتثبيت وصيّة الأجداد. حبّ الحفيد وحيد للفتاة منى، وحبّها له حبًّا جارفًا، حتّى أنّه أُصيب بالمرض الّذي أهزله وأقعده الفراش؛ بسبب فراقها له عدّة أيّام.عاش وحيد صراعًا مريرًا ما بين أن يتزوّج من منى، وينسى وصيّة أجداده، وبين أن يتمسّك بالوصيّة ويحارب من أجل الأرض، ويثبت نفسه ووجوده ويشهر عائلته؟انتصرت الكاتبة للحلّ الثّاني وهو انتصار التّمسك بوصيّة الأجداد، حيث خطبت حبيبته شخصا آخر، فاستسلم هو بعد مرض وهزال طويلين .أرى بأن الصّراع على الأرض والهويّة في الجزء الأوّل من الرواية، كان أقوى بكثير من الجزء الثّاني، حيث نلحظ ضعف الصّراع في نهاية الرواية؛ لأنّه غير مقنع، حيث أنّني لا أرى أيّ مانع من أن يحبّ الانسان ويتزوّج ويبني أُسرة؛ مقابل أن يتمسّك بأرضه وأجداده وتراثه، ويستمرّ بإثبات نفسه حتّى آخر رمق من حياته.وكتبت سوسن عابدين الحشيم:    تثير الكاتبة في روايتها قضايا اجتماعيّة ذات بعدين سياسيّ وثقافيّ، فقد ارتأت الكاتبة استخدام أسلوب السّرد القصصي لكي تسترسل بأحداث الرّواية بلغة سليمة وسهلة، كان عنصر التّشويق جليّا حيث تبدأ الرّواية بأحداث دراميّة لعائلة آل سالم، فقتل الأخ للقاضي الذي حكم لصالح أحد الأخوة في مسألة الانتقال للعيش من مكان الى آخر طلبا للغيث والرزق، لجأت الكاتبة إلى تقسيم أحداث الرّواية إلى قسمين، القسم الأوّل يتحدّث عن انتقال القبيلة إلى مكان يصبح بعدها مقرّهم واستقرارهم، فيتحول أفرادها من عيشة البداوة إلى الحضارة وبناء المدينة، والقسم الثّاني كانت قصّة حبّ بين أحد أفراد القبيلة اسمه وحيد ومحبوبته منى، وتنتهي بالفشل، اتّخذت الكاتبة الرّمز في توضيح البعد السياسيّ في هذه الرّواية، حيث ما تعرضت له قبيلة آل سالم التي بنت مدينتها وزرعت أشجارها ليأتي محتل يغتصب هذه المدينة بكلّ خيراتها واقتلاع شجرة الجمّيز من جذورها، والتي كانت ترمز إلى مصدر الخير والبركة، وقوف شيخ القبيلة وتصدّيه للمحتلّ الغاشم بكلّ قوّته حاملا شجرة العائلة التي تبيّن أصل كلّ عائلة في المدينة، لكن ينتهي هذا الصمود والتّحدي بقتل الحاكم الظالم لشيخ القبيلة لرفضه الخنوع لأوامره الظالمة، دفاع الابن سعد لأبيه وانتقامه له بقتل الحاكم؛ ليبدأ مشوار النّضال من أجل اعادة الحقوق الانسانيّة المغتصبة من الحاكم المعتدي على أرض غيره، فهذا الحاكم يمثّل الاحتلال الذي لا أصل له ولا أرض، فهم كانوا عبيدا تمرّدوا على أسيادهم وقتلوهم ليستولوا على الحكم والسّيادة، تأخذنا الكاتبة في روايتها إلى عائلة مكوّنة من أحفاد آل سالم الذين بنوا أمجادهم وحضارتهم، فكانوا رمز الشّرف والنّضال بداية بالأمّ وما تحمله من ثقافة الجيل الماضي المتمسك بأرضه، ورباطه فيها بكل قوّة وتحدٍ وصمود؛ لتزرعها وتحصدها وتربّي الماشية ، هنا الكاتبة تعرض لنا البعد الثّقافيّ بين جيلين مختلفين في التّفكير والأسلوب للعيش في هذه الحياة، فالابن الأكبر كان من أكبر الثّوار المناضلين من أجل استرجاع ما سلب منهم، والعيش بحرّيّة وكرامة، والابن الأوسط كريم الذي لجأ إلى التّجارة ليساعد أباه في التّجارة، وينجح بها نجاحا كبيرا،  رفض الجدّ في بداية الأمر لافتتاح هذا المتجر لابنه واقتناعه بعد ذلك تبيّن الكاتبة من خلاله الفرق الثّقافي بين الأجداد والأبناء، الاجداد يريدون من أبنائهم العمل في الأرض ليرثوا حبّها والحفاظ عليها من الضّياع، تمسكهم بالارض والاقتراب منها والعيش عليها يزيد من حبّهم لها، فلا يفرّطون بها بمال الدّنيا جميعه، ويفدونها بدمهم وأرواحهم. الابن الأصغر الذي كان راويا لقصّة حبّه يتعلق بحبّ زميلته بالجامعة، ويتبيّن بعد ذلك أنّها أخت زوجة أخيه، يدرس الهندسة ويطمح في الوصول إلى هدف يحمّله الألم والأسى فقد جعلت الكاتبة من شخصيته فتى عاشقا متيّما، لكن العقدة التي نشأت معه من صغره تمنعه من الاستمتاع بهذا الحبّ، عقدة استرجاع أمجاد آل سالم بعيدا عن الحياة الزوجيّة التي ستعرقل تحقيق هدفه كما كان يعتقد، تجوّلت بنا الكاتبة في أحضان الطبيعة الخلابة بتصويرها لمنظر الشّروق والغروب في لقاء الأحبّة بعيدا عن ضوضاء المدينة، فكانت الرّومانسية طاغية في لقائهما، تنشأ بين وحيد ومنى علاقة حبّ وطيدة، لكن الكاتبة تعود بنا إلى ثقافة الجيل الماضي الذي لا يقرّ بهذه العلاقة دون توثيقها بعقد زواج؛ ليسكت كلام الناس، فعائلة الطّرفين تحاول أن تثني وحيدا عن رأيه في الامتناع عن هذا الارتباط المقدّس، لكن عقدته في بناء نفسه والعلو الاقتصاديّ الذي يسعى للحصول عليه عن طريق الهندسة، فاسترجاع أمجاد عائلته تغلّب على تفكيره فترك منى ليخطبها رجلا آخر، أبوها أجبرها على القبول، حيث أنّ ثقافته تمنعه من السّماح بإقامة علاقة غير شرعيّة بين ابنته ورجل يرفض الزّواج منها إلا بعد فترة طويلة تستمر خلال عشر سنوات، كما وضح لهم وحيد، نجحت الكاتبة في اقناعنا بطريقة الحياة المختلفة بين الماضي والحاضر، طريقة الوصول إلى النّجاح، طريقة التّقدم والتّطوّر كل له أسلوبه وتفكيره الخاص به.وشارك في النّقاش عدد من الحضور منهم: ابراهيم جوهر،  محمد عمر يوسف القراعين، حسن أبو خضير، رشا السّرميطي ّوخليل سموم.



اترك تعليق