وفاء بيّاري:رواية زمن وضحة ثورة على الجهل

و

صدرت رواية “زمن وضحة” للأديب المقدسيّ جميل السلحوت في شهر اكتوبر 2015 عن مكتبة كل شيء في حيفا، وتقع الرّواية التي صمّم غلافها شربل الياس في 224 صفحة من الحجم المتوسّط.

في هذه الرواية القى الكاتب الضوء على العديد من الجوانب التي تتحدّث عن حياة سكان القرى العربيّة في النّصف الأوّل من القرن العشرين، وخصوصا نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات، مركّزا في ذلك على الجوانب الأجتماعيّة، مستعرضا للعديد من العادات والتقاليد البالية التي أفرزتها العقليّة الظلاميّة المغلقة … والتي لا تزال آثارها متقشّية في جميع ارجاء عالمنا العربيّ، وأورثتنا مصائب وكوارث كبيرة .

جاء السّرد( زمن وضحة ) بلغة عربية سهلة، وبأسلوب أدبيّ مشوّق يرغم القارىء على القراءة المتواصلة … مستخدما فيها العديد من الأمثال الشعبيّة التي لا تكاد صفحاتها تخلو منها خصوصا في قرانا الفلسطينية … بالأضافة إلى تضمينه بعض أغاني الحنّاء للعروس في صفحة 170 , والزّجل الشّعبيّ صفحة 177، والعزف على الرّبابة والغناء الحزين في صفحة 130 و 131 .

لم يركّز الكاتب في روايته (زمن وضحة ) على تاريخ القضيّة الفلسطينيّة التي عهدناها في رواياته السّابقة مثل روايات : (مسلسل درب الآلام الفلسطيني) و(أميرة ) … وغيرها .إلّا أنّه ذكر بعض المواقع الجغرافيّة التي نشتاقها في بلادنا فلسطين مثل : حيفا، وادي النسناس ويافا ببحرها، وطيب هوائها، وزهر برتقالها، كما ذكر أحداثا سياسيّة حدثت قبل نكبة 1948 مررها في الرواية من خلال حديث ( ريتا الصيدلانيّة لنبيهة ووضحة ) عن النّكبة وتشريد الأقارب إلى مخيمات لبنان، ومعاناتهم من رحلة الضياع والشّتات الفلسطيني … وكذلك حديث  نسرين اليافويّة عن يافا وذكرياتها عن الفردوس المفقود في صفحة 151 .

الرّواية غنيّة جدّا بالمشاهد التي توضح مظاهر التخّلف و الجهل، والمعتقدات البائسة التي لا تزال منتشرة في قرانا الفلسطينية وفي معظم أرجاء الوطن العربيّ … وغنيّة أيضا بمشاهد الجوانب المظلمة بواقع المرأة العربية وتهميشها من قبل مجتمع ذكوريّ متسلّط، تأسره عادات وتقاليد موروثة من عصور جهل قديمة متخلفة ( كالعهد العثمانيّ مثلا ) وعلى سبيل المثال  وكما ورد في الرّواية … شُرْب (رمّانة زوجة حمدان ) الماء من بسطار زوجها ظنّا أنّ هذا يسهّل عمليّة الولادة … وجلوسها على شكل قرفصاء بمساعدة النّساء كبيرات السّنّ لتسهيل الولادة…وكان النّتيجة وفاة رمانة وجنينها بسبب الجهل والتخّلف في صفحة 18 .

الكيّ بالمنجل اعتقادا أنّ النّار تشفي الأمراض في صفحة 60 مثلما كوى ( حسن ابو بسطار) أخمص قدمي المختار أمين بالمنجل .

كي بطن الطفل ( موسى بن حمدان) برأس مسمار نمرة 10 بعد وضعه على لهب بابور الكاز اعتقادا أنّ في هذا علاج وقف الأسهال !

محاولة الكيّ بالنّار تحت لسان المولود ( ممدوح بن بهيّة زوجة حمدان) اعتقادا أنّ الشريان الأخضر الموجود تحت اللسان يؤدّي إلى الخرس إذا لم يتمّ كيّه لاستخراج الدّم الفاسد منه في صفحة 146 .

حدوث مشاجرات حول مشاكل لا تستحق الأهتمام والأمثلة على ذلك كثيرة في الرواية مثل: المشاجرات التي وقعت بين ( غالية الفهد ) و ( جعبورة العيسى ) في صفحة 125 .

أمّا بالنّسبة للعادات السّلبيّة التي استعرضها الكاتب في الرّواية والمنتشرة معظمها في القرى العربيّة على سبيل المثال  :

لفّ المولود بقطعة قماش لايتحرّك فيها إلّا رأسه فقط في صفحة 144 .

البكاء من قبل العروس ( ولو تمثيلا ) حزنا على فراق الأهل في صفحة 164 .

الحداد على الميّت القربيب من الدّرجة الأولى عاما كاملا، وعدم السّماح باقامة الأحتفالات  والغناء في الأفراح في صفحة 196 .

الزّواج المبكّر وظاهرة تعدّد الزّوجات وكثرة الأنجاب والتباهي بالمواليد الذّكور .

في صفحة 124 أظهر الكاتب الوجه الحضاريّ المشرق للمتعلمين والمثقفين، وذلك من خلال شخصيّة الطبيب ( ممدوح و زوجته الصيدلانية ريتا ) ورغبتهم بالاسقرار في القرية من منطلق الانتماء للأرض والوطن، والايمان بأهميّة احداث التّغيير من خلال الاهتمام بنشر التّعليم وفتح المدارس … ومحاولاتهم القيام بسلسلة اصلاحات اقتصاديّة، عمرانية، صحيّة، تعليميّة و غيرها … مبيّنا الفجوة العلميّة بينهم وبين بعض سكان القرية الرّافضين للتّغيير، مما نتج عن ذلك صدامات ومشاكل بين عقليّة المتعلّم والأمّيّ، انتهت بتحسين القرية للأفضل .

في صفحة 111 تحدّث الكاتب عن ( الأنسانيّة المفقودة ) مجسّدا ذلك من خلال شخصيّة الطّفل اليتيم  عارف، الذي لقّب منذ طفولته بالمجنون، وساعد في علاجه النّفسيّ الطبيب ممدوح،  وكان نتاج ذلك عودة عارف بقوّة وثبات مع زوجته الممرّضة، مطالبا بحقوقه ممن عمّه بالأرض، وضمّه لشقيقته فاطمة للعيش معه في منزله.

أعجبني وصف الكاتب للحياة البسيطة لسكان القرى، وطبيعة سهولها وجبالها الساحرة،  ووديانها، تلالها، مزروعاتها، أشجارها المثمرة، خضرتها وطيورها وذلك في الصفحات 45 ،118.119 .وأعجبني السّرد لشعائر موسم النّبي موسى التاريخيّة صفحة 142 .

تحدّث الكاتب عن العديد من القيم الأنسانيّة في روايته مثل : اعطائه نماذج عن عقوق الوالدين وعواقبها كما حصل مع ( حسن ابو بسطار ) بينه وبين والده.

من خلال الرّواية أعتقد أنّ زمن وضحة لم ينته … فالجهل والفقر والمعتقدات الخاطئة البائسة لا تزال موجودة، بل ومتفشّية في المجتمع العربيّ، الذي خضع لحكم الأمبراطورية العثمانية بما يقارب حوالي ال 400 عام صاحبها الكثير من المعاناة، الظلم، التخلّف والجهل، التّقهقر الذي وصلت نهايته إلى وقع عالمنا العربيّ تحت نير الأستعمار الغربيّ الغاشم،  وخصوصا في الفترة الواقعة ما بين الحرب العالميّة الأولى، وإلى ما بعد الحرب العالمية الثانيّة، ومن ثمّ سطوة الدّول الأمبرياليّة على بلادنا وخيراتها ومواقعها الأستراتيجيّة وعقول سكّانها … الأمر الذي جعل عالمنا العربيّ في وضع سيّء تعمّه الفوضى ولانقسام الذي يعاني منه العرب حتى يومنا هذا .

رواية زمن وضحة تستحق لأن تدخل ضمن مسلسل دراميّ هادف وناجح .

وأجزم أنّ الكاتب حاول نقل رسالة تربويّة من بين ثنايا وسطور وعبر صفحات الرّواية، مفادها الدّعوة الى مضاعفة الجهود لنشر العلم والتّعليم بين أفراد المجتمع الواحد، والاهتمام ببناء شخصيّة الفرد وفكره للارتقاء به إلى المستوى الأفضل، ومن ثمّ الأستعداد لمواجهة وتحدّيات الأعداء.

6-11-2015

التعليقات

جميل السلحوت

جميل حسين ابراهيم السلحوت
مولود في جبل المكبر – القدس بتاريخ 5 حزيران1949 ويقيم فيه.
حاصل على ليسانس أدب عربي من جامعة بيروت العربية.
عمل مدرسا للغة العربية في المدرسة الرشيدية الثانوية في القدس من 1-9-1977 وحتى 28-2-1990

أحدث المقالات

التصنيفات