الخنفشاري في اليوم السابع

Oct 08

القدس: 8-10-2015 ناقشت ندوة اليوم السّابع الثّقافيّة في المسرح الوطنيّ الفلسطينيّ، رواية “الخنفشاري” للأديب الفلسطينيّ نافذ الرّفاعي، تقع الرّواية التي صمّمت غلافها الفنّانة لينا القادري وصدرت هذا العام 2015 عن دار الجنديّ للنّشر والتّوزيع في القدس في 192 صفحة من الحجم المتوسط.

ممّا يذكر أنّه صدر للأديب الرّفاعي قبل ذلك روايتان هما: “قيثارة الرّمل” و”امرأة عائدة من الموت” كما صدرت له دراستان هما:”دور اللجان الشعبيّة للخدمات في المخيّمات الفلسطينيّة” و”فرص تطور التّنظيمات الفلسطينيّة إلى قوى حزبية فاعلة في المجتمع الفلسطينيّ.”

بدأ النّقاش ابراهيم جوهر:

مراجعة فلسفية لماض متوهج وحاضر كاب ومستقبل غامض

حفلت رواية (الخنفشاري) للروائي (نافذ الرفاعي) بمضمون تجمّعت خيوطه من جزئيات شخصياته ومواقفها الغريبة التي تترافق مع غربة الحالة وغرابتها، ومن مفاصل تاريخية تركت أثرها الدامي على شخصياته في فكرها وسلوكها ونزوحها ورجوعها.

لا يخفى مضمون الرواية التي تنتقد اللصوصية الثورية (!!) والفهلوة الاجتماعية والطبقية والاغتراب وهي تتشظّى في مسيرتها الفنية وتكوينها في صنعتها لتناسب الحالة الموصوفة للشخصية الرئيسة (الخنفشاري) ذي الملامح الفلسفية التي استقت تمردها من صعاليك العصر الجاهلي وثورية قادة معاصرين.

حضرت المرأة حضورا طاغيا فكانت النصف الآخر المتمم للرواية والثورة والحياة. وسيجد المتابع المهتم صورا للمرأة في واقعها الاجتماعي المتباين، كما سيجد نماذج مماثلة للرجل الخجول والجريء والخنفشاري والانتهازي، والثوري المنهزم والمنسحب والعائد إلى مرابعه والخائن المرتشي والثائر _اللص، والثائر- الثائر.

خريطة (الخنفشاري) هنا شاملة لمكوّنات المجتمع بمفاهيمه وطبقاته وأفكاره وتاريخه.

لكن شعورا انتبني – وأجد له مبررا – يتعلق بهذا التنافر وتلك السرعة في سوق الأحداث وتقديمها والإخبار عنها وكأنها تلخيص سردي سريع لا يعطي القارئ متعة التأمل ولا يقف معه ليلتقط أنفاسه. لقد شعرت وكأن الكاتب الروائي (نافذ الرفاعي) قد وضع مخططا لأفكار أولية وحوار وسرد على أن يعود إليها متأنيا منقّحا لكنه تسرّع في دفعها إلى المطبعة.

وقال عبد الله دعيس:

يستحضر نافذ الرفاعي شخصية الخنفشاري من أعماق التراث العربي، ويجعلها حيّة في ربوع فلسطين، بعد أن يلبسها لباسا جديدا يجعلها أقرب إلى البوهيمية التي تمثّل التفكير الحرّ المطلق غير المقيد بأعراف المجتمع وتقاليده. الخنفشاري، والمعروف في تراث العرب أنه ذلك المتحذلق الذي يدّعي معرفة  كل شيء ويدعي العلم والفهم وهو لا يملك منها شيئا، يصبح أيضا ذاك الشخص غريب الأطوار الذي يمسك بالمتناقضات بأطراف أصابعه ويتأرجح على حبل رفيع بين الصوفيّة والمجون والثوريّة.

هل أراد الكاتب أن يعكس الخنفشاري صورة فلسطين وجميع التناقضات التي تتجاذبها تحت عباءة الاحتلال؟ ربما كان الخنفشاري واحدا منا يعيش بيننا، وربما يكون في داخل كل منّا خنفشاريّا يعزف على أوتار التناقضات داخله في مجتمع يعجّ بالتناقضات، وعالم يمتاز بازدواجيّة المعايير.

رواية الخنفشاري رواية فلسفيّة، أبطالها أشخاص حاولوا أن يتجرّدوا من كل الرّوابط التي تكبّل الإنسان كالجهل والعادات والتقاليد والتعصّب للعائلة والانقياد لها دون تفكير. فهل نجح أولئك بأن يتميّزوا عن المجتمع، أو أن يصنعوا مجدا شخصيا، أو يغيروا حركة الحياة الرتيبة التي سار عليها مجتمعهم؟ أم أصبح هؤلاء تائهين، لا هم وصلوا إلى ما كانوا يتوهّمون أنه الصواب ولا تشبثّوا بثقافتهم وحضارتهم. نلحظ من خلال أحداث الرواية أنهم بقوا تائهين حتّى بعد أن حصلوا على الشهادات العليا، والتي لم تمنعهم من أن يكونوا أشبه بمجموعة من المراهقين الساذجين.

يبدو الكاتب ساخطا على كثير من السلبيات التي يراها في مجتمعه، ويحاول أن يظهرها عن طريق شخصية الخنفشاري والشخصيات الأخرى في الرواية، فنرى الكاتب، مثلا، يظهر التمايز الطبقي في المجتمع الفلسطيني ونظرة أهالي المدن إلى القرويين وتعاليهم عليهم ويسميهم الكاتب بالأرستقراطيين، ويجعل الخنفشاري يستلذّ بكسر هذه الطبقية عن طريق الإيقاع بالفتيات “الأرستقراطيات”. ورغم وجود هذه النعرة في المجتمع الفلسطيني فإنّها لا ترقى لكونها طبقيّة، وأظن أن الكاتب بالغ في توصيفها، وأراد من خلالها تبرير بعض الأفكار السياسية التي كانت تقوم على وجود هذه الطبقيّة والتي لا تنطبق بأية حال على المجتمع الفلسطيني، الذي يتكون في غالبيته من القرويين وأهالي المدينة البسطاء.

ولا يُخفي الكاتب امتعاضه مما آلت إليه الثورة الفلسطينية، ومن ضياع جهود الكثيرين الذين التحقوا بها متفانين في خدمة وطنهم، لكنّ جهودهم وتضحياتهم لم تكن سوى سلما تسلّقه الانتهازيون والمنتفعون. فيردد الكاتب مقولة “إن الثورة يصنعها العبقري، ووقودها المغامر ويقطف ثمارها الجبناء.” ويقول أيضا: “عندما أعلن الثوار عن أسمائهم فقدوا احترامهم.” فهو مؤمن بالعمل الثوري الذي يتصف بالإخلاص والتفاني في العمل دون سعي للسيادة والشهرة والسلطة.

شخصية الخنفشاري مثيرة للجدل، فهو ذاك الشخص التي يتصف بكل المتناقضات في لباسه ومظهرة وسلوكه وهو يعكس تناقضات المجتمع من حوله. لكن الكاتب لا يكتفي بوصف حال الخنفشاري بل يجعل روايته خنفشاريّة بامتياز، تتمرد على النسق التقليدي للرواية، ويبدع حبكة جديدة شبيهة ببطلها الخنفشاري. فيصبح الكاتب شخصيّة ضمن الشخصيات الأخرى في الرواية، تبث له الشخصيات بأسرارها والذي هو بدوره ينقلها للقارئ. ويتداخل الزمان والمكان في الرواية تماما كملابس الخنفشاري ذات الألوان النافرة غير المتناسقة. فنرى الكاتب يتنقل في فصول الرواية بين أماكن مختلفة، فساعة هو في جامعة بيت لحم ومن ثم في لندن وأمريكا وعمان ويقفز مرة أخرى إلى الجامعة بتوليفة غريبة متداخلة. وكما فعل بالمكان يفعل بالزمان. فيتأرجح الزمن في سطور الرواية وصفحاتها خلال عقدين من الزمان بين بداية الثمانينات مرورا بانتفاضة الأقصى، دون تناسق، عاكسا شخصية الخنفشاري والاضطراب الذي يصيب كل من نظر في تاريخ هذه الحقبة ورأى الأحلام الكبيرة توأد وأدرك ما آلت إليه الأمور. هذا التداخل المكاني والزماني هو من ميزات هذه الرواية وجمالياتها وخدم الفكرة التي أرادها الكاتب بشكل عبقريّ، وإن كان يجعل قراءة الرواية تجربة صعبة مربكة. ويعمد الكاتب إلى الفكاهة في إخراج روايته، ويغلّف خيبة أمله بتهكّم مرير.

يموت الفنان في نهاية الرواية، فهل ماتت المشاعر لدينا وتبلّدت الأحاسيس حتى بتنا نرضى بما لم نكن نتخيل أنه سيحدث؟ وهل بقي الكاتب بعده ليعيد لنا أفكار الماضي وتناقضاته وآماله وطموحاته، أم ليرسم بريشته طريقا نحو المستقبل؟ ربما هذا أو ذاك. لكن، يبدو أن الخنفشاري يعود إلى رشده في النهاية ويلقي بأفكاره المجنونة وراء ظهره ويعود ليصبح مدرّسا للكيمياء ويتزوج بامرأة بسيطة ويتخلى عن أحلامه في كسر طوق الأرستقراطيّة. فهل انتهت رحلة التيه لنعود من حيث بدأنا دون أن نتعلم من أخطاء الماضي؟

الخنفشاري بدأ تائها وانتهى تائها، لأنه أحب هذا الوطن لكنّه لم يكتشف سرّه. فهذا الوطن لن يقبل أفكارا دخيلة لا تنبع من دينه وثقافته وحضارته. لذلك فإن من يظنّ أنه يستطيع أن ينسلخ عن أمته فسيبقى في حيرة الخنفشاري وضياعه.

وشارك في النّقاش عدد من الحضور منهم: جميل السلحوت، نسب أديب حسين ونمر القدّومي.



اترك تعليق