يوم ميلادي في شيكاغو

Jun 28

ولدت في 5 حزيران 1949 كما هو مسجّل في شهادة ميلادي، وهذا التاريخ أصبح يشكّل مأساة في تاريخ شعبي وأمّتي ووطني الذّبيح، ففي نفس اليوم والشهر من العام 1967 شنّت اسرائيل حربها العدوانيّة، فانهزم النّظام العربيّ الرسميّ، واحتلّت اسرائيل ما تبقىّ من فلسطين التّاريخيّة، وهو ما يعرف  بالضّفّة الغربيّة بجوهرتها القدس، وقطاع غزّة، كما احتلّت سيناء المصريّة والجولان السّوريّة، وبما أنّني أنحدر من أصول بدويّة “عرب السّواحرة” فإنّ الاحتفال بذكرى ميلاد الأشخاص لم يكن ثقافة معروفة عند الغالبيّة العظمى من أبناء جيلي، ومن يكبرونني أو يصغرونني قليلا في العمر من أبناء قريتي، لذا فإنّني لم أعط هذه المناسبة أيّ اهتمام، أو بالأحرى لم أجد من يحتفل أو يتذكّر يوم مولدي، بمن في ذلك والدي ـ رحمه الله ـ وأمّي ـ أطال الله بقاءها ـ ففاقد الشّيء لا يعطيه.

ولمّا اندلعت حرب حزيران 1967 وهو الذّكرى الثّامنة عشرة لميلادي، كنت طالبا على مقاعد امتحان التوجيهي في قاعة المدرسة العمريّة المحاذية للمسجد الأقصى من الجهة الشماليّة في القدس القديمة، وبقي علينا امتحانان وقتئذ وهما التاريخ والفلسفة، لكن تلك الحرب جعلتني أتذكّر ذلك اليوم بشكل دائم، ليس لأنّه ذكرى ميلادي، بل لأنّ نكبة شعبي وأمّتي الثّانية وقعت في مثل ذلك التّاريخ…ومع ذلك فإنّني لم أفكّر يوما بالاحتفال بيوم مولدي، فكيف أحتفل بيوم بتاريخه اغتصبت القدس الشّريف عروس المدائن وجنّة السّماوات والأرض بلا منازع؟ صحيح أن لا علاقة لي أو للأيّام بالهزيمة، فهي خطيئة يتحمّلها النّظام العربيّ الرّسميّ، لكن هذا اليوم يشكّل لعنة تاريخيّة لا فرح فيها.

في مثل هذا اليوم من العام 2015، كنت في بيت شقيقي داود في “بريدج فيو” في شيكاغو، لم يخطر ببالي ولو للحظة واحدة أنّ هذا اليوم ذكرى مولدي، جاءني الابن الحبيب قيس مساء، سألني بأدب جمّ إن كنت أرغب بمرافقته، فوافقت…قبل أن نصل بيته ببضع دقائق اتّصل بزوجته طالبا منها أن تكون جاهزة هي وأمّ قيس، فسألته:

إلى أين المسير؟

أجابني بأنّنا سنتناول عشاءنا في أحد المطاعم.

اعتبرت الأمر عاديّا…لكنّ زوجتي قالت بأنّ قيس وزوجته قد أعدّا هذا المساء مفاجأة سارّة لي بمناسبة “ذكرى مولدي” فضحكت دهشة من هكذا مفاجأة! مع أنّني سعدت لاهتمام قيس وزوجته الزّائد بي وبوالدة قيس، وحرصه على اسعادنا…وفاجأتني مروة بطقم عطور فاخر.

اختار قيس لنا مطعما أرجنتينيّا، يتم الحجز فيه مسبقا لكثرة روّاده، ويتميّز بأنّه يضاء بالشّموع والهدوء، وتجري فيه مناسبات احتفاليّة…ويشتهر بأنّه يعدّ طعامه على نار هادئة، والمطاعم الأرجنتينيّة في أمريكا من أشهر المطاعم التي تقدّم لحوم البقر، لأنّ البقر جزء مهمّ من الاقتصاد الأرجنتينيّ، على رأس الطّاولة كانت حفيدتي الرّائعة لينا ابنة الأسبوعين ترقد في مخدعها بهدوء تام على ظهر مقعد مخصّص لذلك، لم تستيقظ من نومها إلّا بعد أن عدنا إلى البيت، فهل قصدت أن توفّر لنا أجواء رومانسيّة؟ على الأقلّ هذا ما تخيّلته!

على الطّاولة خلفنا كانت ستّ نساء يحتفلن بعيد ميلاد احداهنّ، غنّين لها بصحبة نوادل المطعم Happy Birthday to you ضحكن وأطفأن الشّموع بصخب بائن…سأل قيس ضاحكا:

ما رأيك أن نطلب من النّادل أن يأتي بالشّموع لتغنّي لك بنفس الطريقة؟

فأجبته بالنّفي وهدّدت بالخروج من المطعم إن فعلها.

المطعم يقدّم طعامه لكلّ شخص يأواني نحاسيّة شكلها يشبه كانون النّار في بلادنا…الطّعام لذيذ ولا يمكن تذوّقه إلّا في المطاعم أو البيوت الأرجنتينيّة.

26 حزيران 2015



اترك تعليق