“البلوز″ واستقبال الحفيدة لينا

Jun 25

لم تكن لي رغبة بزيارة لأمريكا هذا العام 2015، فالانزلاق الغضروفي أسفل ظهري يؤلمني ويرهقني ويعيق حركتي، لكنّ شوقنا اللامحدود لرؤية حفيدتنا لينا بِكر ابننا قيس وزوجته مروة

جنّح التّونسيّة العربيّة، دفعنا بقوّة أنا وزوجتي لحضور ولادة هذه الحفيدة، فغادرنا الوطن الذّبيح والقدس الشّريف في 11 أيّارـ مايو ـ 2015 إلى شيكاغو مرورا بمطار Newark في نيوجرسي، لنصل شيكاغو قرابة منتصف الّليل حسب توقيتها، بعد أن أمضينا أربعا وعشرين ساعة في المطارات والأجواء، منها خمس عشرة ساعة طيران.

احتجت حوالي أسبوع حتّى تتأقلم ساعتي “البيولوجيّة” مع توقيت شيكاغو الذي يتقدّم على توقيت القدس بثماني ساعات.

وجدت قيس وزوجته قد أعدّا لنا برنامجا ثقافيّا يحرصان فيه على اسعادنا قدر المستطاع، يتضمّن حضور حفلات مسرحيّة، موسيقيّة، غنائيّة هادفة، وآخر لزيارة متاحف شيكاغو ومعالمها الثّقافية….وقد زرت في سنوات سابقة بصحبة شقيقي داود متحف شيكاغو، والمتحف البحري الذي يحوي مختلف أنواع الأحياء البحرية من أسماك صغيرة مختلفة حتى الحيتان   وأسماك القرش. ومع أنّ مروة كانت في أيّام حملها الأخيرة إلّا أنّنا ذهبنا لحضور حفل غناء من أغاني “البلوز″ Blues الشّهيرة مساء 17 أيّار 2015، وهي أغاني للحرّية أبدعها السّود الأمريكيّون في جنوب الولايات المتحدة أثناء الحرب الأهليّة الأمريكيّة.

وفي الحيّ الرّاقي شمال مركز شيكاغو Downtown مباشرة، هناك شارع كامل يعجّ بالمطاعم والمسارح التي تقدّم هذه الفنّ، اختار لنا قيس ومروة أقدم مسرح يقدّم هذا الفن، فيه قاعتان صغيرتان، لا تتّسعان لمئة شخص، في آخره مطعم صغير يقدّم ساندويشات صفيرة، أو صحنا من الدّجاج المسحوب، والمشوي على طريقة BBQ  Wings”، الطّاولات مرتفعة وعرضها لا يزيد عن ثلاثين سنتميتر، حفاظا على التقاليد القديمة.

وصلنا المكان في التّاسعة مساء مع أنّ الحفل يبدأ في العاشرة على خشبة المسرح كان شاب أسود يغني وخلفه أربعة موسيقيّين، الموسيقى تراثيّة ومطربة، صوت “المغنّي” ليس كما يجب، وقد نوّه لذلك بقوله بأنّه سيشغل وقت الفراغ حتّى يأتي المطرب المحترف في العاشرة والنّصف، شرع يغنّي قائلا:

زوجتي مجنونة…من منكم له زوجة مجنونة مثلها؟

والعجيب أنّ نساء ورجالا رقصوا وهم يصرخون ويرفعون أيديهم تحيّة له.

وفي تلك الّليلة توفي في لاس فيجاس أسطورة أغاني البلوز الأمريكي الأسود بي. بي. كينج B.B.King  عن عمر يناهز تسعة وثمانين عاما.

ميلاد الحفيدة لينا

صباح يوم الخميس 21 أيّار ـ مايو ـ في الخامسة وتسع وأربعين دقيقة حسب توقيت شيكاغو أطلقت لينا ابنة قيس ومروة صرختها الأولى معلنة قدومها إلى هذه الحياة. ولدت في مستشفى Hinsdale Hospital وهو مستشفى متقدّم بطريقة لافتة…له حديقة جميلة فيها نوافير عجيبة، في الغرفة التي توضع فيها الوالدة يدخل الزّائر فيجد أمامه متّسع بعرض يزيد قليلا عن المتر، خلفه حاجز، في آخره سخّان كهربائيّ لتحضير القهوة والشّاي، وبجانبه ثلاجة فيها عصائر مختلفة…بجانب سرير الوالدة هناك كنبات مريحة أحدها تفتح لتشكّل سريرا ينام عليه المرافق إن وجد. طبيبات من تخصّصات مختلفة زرن الوالدة للاطمئنان عليها، والمولودة لفحصها…زارتها طبيبات: قلب، عيون، أمراض داخلية، مفاصل، سمع. وغيرها.

لينا الطفل الوحيد الذي احتضنته وهو ابن ساعات، غمرتني بالسّعادة التي ملأت قلبي ووجداني.

وكما يبدو فإن المستشفيات الأمريكيّة على مستويات محتلفة، تماما مثلما هو التّأمين الصّحي أيضا، والتأمين الصّحّي لقيس ومروة مع شركة من أضخم شركات التأمين الصّحي في أمريكا، ومع ذلك، فهي لا تغطي سوى 90% من التّكلفة، وهذا يعني دفع 4500 دولار بعد التأمين لتغظية تكاليف الولادة.

تصوير وخمسة وخميسة

وفي أمريكا متخصّصون لتصوير الأطفال في أسبوعهم الأوّل، والسّيّدة المختصّة بتصوير الأطفال تبدي سعادتها بالأطفال العرب كون عيونهم واسعة كما قالت، ويفتحونها، وهي تمضي ساعات في تصوير لينا عبّرت عن سعادتها الأموميّة بلينا، في حين كانت مروة والدة لينا تردّد باللغة العربيّة “خمسة وخميسة” وفهمت لاحقا منها أنّها تعويذة تردّدها النّساء في تونس لطرد العيون الحاسدة عن الأطفال، فضحكنا كما لم نضحك من قبل، وبقيت أردّد خمسة وخميسة من باب المزاح، وتذكّرت والدتي وهي ترقي أحفادها ومنهم قيس والد لينا، حيث كانت تملأ قبضتها ملحا، تحوم بها حول الطّفل وهي تردّد:

حوّطتك بالله من عيني وعيون خلق الله

من دار لك باله يشغال حاله في باله

كرشته غطا عينيه مانيش أقدر من ربّي عليه.

غير أنّ الفرق بين رقية “كنّتي” مروة، ورقية والدتي، أن أمّي كانت ترقي الذّكور ولا ترقي الاناث، لايمانها بأن لا أحد يحسد الاناث.

25 حزيران 2015



اترك تعليق