ريتا عودة تختزل الرّواية بقصيدة

Mar 20

بعد قراءتي المتواضعة لمجموعة الأديبة النّصراويّة الفلسطينيّة ريتا عودة القصصيّة “أنا جنونك” سأحاول أن أقرأ ديوانها الشّعريّ “سأحاولكِ مرّة أخرى” الصّادر عام 2008 عن بيت الشّعر الفلسطيني في رام الله، والذي يحمل غلافه الأوّل لوحة للفنّان رابي خان، وقدّم له الشّاعر محمّد حلمي الرّيشة.

الدّيوان لافت من عنوانه، مع أنّ هذا العنوان هو عنوان قصيدة في الدّيوان، لكنّ الخطاب في القصيدة من أنثى لذكر “سأحاولكَ”على عكس عنوان الدّيوان فالخطاب من ذكر لأنثى! وبالتّأكيد فإنّ الشّاعرة لم تخطئ، بل قصدت هذا الاختلاف مع سبق الاصرار والتّرصد، فإذا كان الذّكر يحاول الأنثى، فالعكس صحيح أيضا، ومن حقّ القارئ أن يتساءل عن اختيار الشّاعرة خطاب الذّكر للأنثى في عنوان الدّيوان، بينما عكسته في الدّاخل. فهل أرادت أن تتساوق مع ثقافة شعبها وأمّتها التي تبيح للذّكر أن يتغزّل بالأنثى، ويبوح بعواطفه على رؤوس الأشهاد، بينما الأنثى تخفي عواطفها في دواخلها؟ فكلّ الاحتمالات قائمة، ومن حقّ القارئ أن يفهم النّص حسب ثقافته ووعيه، خصوصا أنّ الابداع بعد نشره يعتبر ملكا للمتلقّي. وهذا يقودنا إلى الاهداء الذي اختارته شاعرتنا، وهو:” إلى الّلغة الّتي كلّما حاولتها باغتتني باحتمالاتها”  وهذه يعني أنّ مفرداتنا الّلغويّة حمّالة أوجه…وبحر الّلغة هذا مفتوح أمام الجميع، فليغص به الجميع، والحاذق هو من يستطيع الفوز بلآلئه الأثمن والأغلى. وواضح أنّ شاعرتنا غوّاصة تجيد العوم والغطس في لجاج بحر الّلغة، وتعرف كيف تنتقي مفرداتها، وكأنّها ساحر يخرج من قبّعته ما يدهش متابعيه…وانتقاؤها لمفرداتها لا يعني أنّها تتصنّع الّلغة، فموهبتها الابداعيّة خصوصا في الشّعر – مع أنّها تكتب القصّة والرّواية- تجعل لغة أغنياتها الشعريّة انسيابيّة تغزو الأذن بسهولة، فتشعل ذائقة المتلقّي وتغذّيها بمعزوفات عذبة.

وتقديم الشّاعر محمّد حلمي الرّيشة- الّذي يتغنّى هو الآخر بجماليّات الّلغة- للدّيوان، أضاءت جوانب عديدة حول الشّعر وشعريّة شاعرتنا، ولمعرفتي بقدرة الشّاعر الرّيشة، فإنّني لم أقرأها إلا بعد أن انتهيت من قراءة الدّيوان، ووضعت ملاحظاتي عليه، كي لا أقع تحت تأثير ما كتب. فوجدت تشابها كبيرا بين رأيي ورأيه، حتّى أنّني فكّرت بعدم الكتابة عن الدّيوان حتّى لا أكرّر شيئا ممّا كتب.

ومع ذلك فهناك في الدّيوان ما يستحقّ الانتباه والتّفكّر والكتابة، خصوصا وأنّ هناك قراءات وليس قراءة واحدة للابداع وخصوصا الشّعر، ففي قصيدتها “يحبّني بالثّلاثة” ص23، نلاحظ الدّهشة من العنوان، يقول بلزاك:”العدد ثلاثة علامة الخلق، وهو عدد يعجب الله” والعدد ثلاثة مقدّس عند السّاميّين، وكانت آلهة البابليّين العظيمة ثلاثة، واحدة للسّماء وواحدة للأرض وواحدة للمياه. والتّثليث معروف في الدّيانة المسيحيّة، فسرّ التّثليث يقول بثلاثة أقانيم في الذّات الإلهيّة:” أب، ابن وروح قدس″ وينذر الرّاهب ثلاثة نذور”الفقر، العفّة والطّاعة” و”يرسم المسيحيّون الأرثوذكس إشارة الصّليب بثلاثة أصابع″.

والعدد ثلاثة عند المسلمين له دلالات كثيرة، فعلى سبيل المثال تفسير قوله تعالى: “وبالآخرة هم موقنون”، قسّموا اليقين إلى ثلاثة:” يقين عيان، يقين خبر ويقين دلالة” والأمثلة كثيرة.

والعدد ثلاثة عند العبرانيّين يدلّ على التّشديد والالحاح.

وعودة إلى قصيدة شاعرتنا” يحبّني بالثّلاثة” فالحبّ بين الرّجل والمرأة فيه تملّك وتفرّد، لذا فإنّ المحبّ يؤكّد بالثّلاثة” أحبّكِ…أحبّكِ أحبّكِ” وهي لازمة كلّ مقطع في القصيدة. تماما مثلما تبدأ كلّ مقطع بتساؤلها التقريريّ “من سِواكَ؟” ونلاحظ أنّ الشّاعرة كثيرا ما تلجأ إلى مخزونها الثّقافي للتّعبير عن ذاتها في قصائدها،  ولنلاحظ كيف لجأت إلى المأثور الدّينيّ في الثّالوث المقدّس وكيف سحبته على العشق فتقول:

“فشرَعَ يشدو بأصوات أسراب من الطّيور، ثالوث العشق المقدّس: أحبّكِ…أحبّكِ…أحبّكِ” ص23. وتضيف متسائلة:

“من سِواكَ؟

أطعمني القمح حبّة حبّة”ص24

وهذا يذكّرنا بالموروث الشّعبيّ” طعميني حبّة حبّة زيّ العصفور” وهنا إشارة أنّ الحبّ لا يقع دفعة واحدة، أو من أوّل نظرة كما يقولون، بل هو أوقعها بالحبّ بتؤدة وأناة، تماما مثلما يطعم الطّائر صغيره،  وبعدها وضعها في عيونه

“وحين سوّرتني العيون بالمحبّة” ص 24

فماذا فعل ليتأكّد أنّها تبادله حبّا بحبّ؟

“أخضع دمي لفحصٍ مخبريّ عاجلٍ، فجاء بنبأ

“الإنيميا الحادّة”، وسارع بضخّ كريات العشق

للجسد الماثل للذّهول”ص24

ونلاحظ هنا كيف استعارت العلوم الطّبّيّة وجيّرتها للحبّ، المختبر، والاينيميا التي تعني فقر الدّم” وعلاجه تزويد المريض بالدّم لرفع نسبة الهيموغلبين فيه، لكنّ صاحبتنا تعاني من فقر في العشق، أي أنّ قلبها لا يخفق حبّا لأحد، فكيف أخرجها من هذا الفقر؟ والجواب قوله لها:

” أحبّكِ…أحبّكِ…أحبّكِ”ص24.

وبعدها تتساءل مستذكرة  كيف وقعت في شباك حبّه، فتستعير تصرّفات عالم الأسود، حيث أنّ الّلبؤة هي التي تصطاد فرائسها، لكنّ هذه الّلبؤة الإنسانة هادنت استئسادها عندما سمعت كلمة أحبّكِ” ثلاثا.

وتتابع تساؤلاتها لتذكّره بأنّه هو من أوقعها في شباك حبّه، مستعيرة حكاية قيس بن الملوّح الّذي جُنّ بحبّ ليلى.

وماذا كانت ثمرة هذا الحبّ، لذا فهي ترى شريكها الرّجل بأنّه الوحيد على الأرض، فتتساءل سؤال العارف فتقول:” من سّوّاكَ

أبدعَ..وحين على عرش النّعمة استوى، تركنا نثمر

نكثرُ، نملأ الأرض ونسود عليها
ثمّ نظر فرأى كلّ الحبّ الذي عمله، فإذا هو:

حسن جدّا…جدّا…جدّا.”ص25.

وهنا استعارة دينيّة أيضا ” الرّحمان على العرش استوى” و”والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلّى، وما خلق الذّكر والأنثى، إن سعيكم لشتّى”.و “لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم”.

ويلاحظ من نهاية القصيدة أنّ الشّاعرة التي تتحدّث بلغة “الأنا” في القصيدة لم تكتب شأنا ذاتيّا، وإنّما طرحت قضيّة أنثويّة محضة…فإذا كان الذّكور يؤمنون بأنّ الغواية في الأنثى، فإنّهم من يوقعونها في هذه الغواية، ولا ضير في ذلك فهذه سنّة الحياة واستمراريتها، ونتاج علاقة الجنسين”الذّكر والأنثى” هي تعمير الكون بخلق جميل جديد.

وفي هذه القصيدة تختزل شاعرتنا ريتا عودة رواية العلاقة بين الرّجل والمرأة.

20-3-2015



اترك تعليق