رواية وجوه أخرى والسمو الانساني

Jul 10

رواية(الوجوه الأخرى)للأديبة د.وداد البرغوثي الصادرة عام 2007عن دار الخيال في بيروت تقع في 175صفحة من الحجم المتوسط.

بداية أقول أنه كلما قرأت عملا ابداعيا للمبدعة وداد البرغوثي،كلما تأكد لي من جديد أن المبدع في كتاباته يكتب شيئا من حياته،وأن أختنا وداد تبحث في خبايا ذاكرتها لتستخرج من مخزونها ما تصوغه لنا عملا ابداعيا،وفي روايتها هذه فان شخصية الكاتبة واضحة في الصحفية(اسماءناصر) التي هي الراوية،وهي محركة شخصيات الرواية،وعندما تسافر الى تونس لحضور مؤتمر اعلامي فانها تتذكر صديقتها وزميلتها اليمنية التي درست واياها في موسكو وتتساءل(هل يمكن ان التقي بصديقتي الصحفية اليمنية؟هل ستنتدبها صحيفة14اكتوبر لتشارك في هذا المؤتمر؟)ص6وتحدثنا شيئا عن طفولتها المبكرة، وكيف كادت تغرق في سيل مياه الأمطار الجارية،وعن انتعال الأحذية البلاستيكية،وعن عدم رضاها عن نفسها عندما جاء ترتيبها الأولى على الطالبات في الصف الابتدائي الأول لظنها الطفولي أن الأخريات أفضل منها،وعن سجن والدها،وهذه أمور ذكرتها جميعها في روايتها(تلّ الحكايا)غير أن سردها لها بشكل عابر في رواية(الوجوه الأخرى)له ما يبرره لخدمة النص الروائي،دون الاثقال على القارئ،لكنه في كل الأحوال يبقى دليلا على أن أديبتنا تكتب شيئا من سيرتها الذاتية في كتابتها معتمدة على ذاكرتها التي تنشط في الوقت المناسب،تماما مثلما هو شاهد عليها بأنها تكتب أدبا واقعيا عن حوادث ترهق ذاكرتها، وتنوء بحملها فتطرحها على الورق لأخذ العبر منها.

وفي(الوجوه الأخرى)طرحت لنا الكاتبة شخصيات ليست سوية ايجابا أو سلبا،شخصيات تعاني مشاكل لا دخل لها في مسبباتها،لكنها بشكل وآخر هي ضحايا لها.وأولى هذه الوجوه هي عصمت الندام الذي أخذ حيزا كبيرا في الرواية،وعصمت هذا وحيد أبويه،والده داود الندام عميل سقط في شَرَكِ المخابرات، أسقطوه ودفعوه ليتقرب الى الناشطين في المقاومة في قريته،فأوقع بهم مقابل شواقل قليلة،فاستشهد أحدهم وأصيب آخر واعتقل آخرون،وسجن معهم ليواصل تجسسه من داخل السجن،وليقبع في غرف العار، ومع ذلك حكموه خمسة عشر عاما،وليكسب عداوة رفاقه وأقاربه،وأبناء قريته ومعارفه،ولينبذ الجميع افراد أسرته،مع أنهم لا ذنب لهم اقترفوه،فعصمت الطفل الذي اعتقل والده،اكمل مدرسته وسافر الى تونس ليكمل دراسته في القانون ليدافع عن المظلومين،التقى بـ(أسماء)في تونس عن طريق شخص تونسي،وتعاطفت معه كونه ابن سجين سياسي،مثلما هي ابنة سجين سياسي،وكونه في مثل جيل ابنائها ايضا،وعن طريقه تعرفت على طالب الفنون التشكيلية حمدون العراقي اللاجئ السياسي في تونس،ويلاحظ ان عصمت الذي لم يكن يعرف شيئا عن حقيقة والده كان فخورا بهذا الوالد،ولما أفرج عن والده عاد وهو في شوق عظيم لهذا الوالد،لكنه عندما علم بالحقيقة شكلت له صدمة نفسية جعلته يتوارى عن الناس،وهنا فهم سرّ زواج حبيبته وزميلته منذ الطفولة هدى التي تعلق بها، ويبتعد عنهم لعدم قدرته على مواجهتهم نتيجة عار والده في العمالة،فما لبث ان ترك القرية بحجة مواصلة التعليم حيث سافر الى روسيا،ليتزوج هناك من فتاة روسية مسلمة”ناديجدا”-نادية-والذي علم لاحقا ان لها أكثر من عشيق،وليسقط بعدها على الرصيف من شرفة الطابق الثالث عشر في احدى البنايات،دون معرفة اذا كان ذلك انتحارا أو بدافع من آخر،أو تزحلقا عفويا.

ويلاحظ أن الكاتبة فضحت العمالة بأسلوب روائي سردت فيه ما يتعرض له الساقط في براثن العمالة من ضغوط نفسية، ومن اذلال على ايدي جلاديه،وعلى أيدي ضحاياه أيضا،وانه اذا لم يقتل على ايدي من خانهم من ابناء شعبه،فانه سيقتل على أيدي اسياده بعد ان انتهوا منه،لكن أثر العمالة لا يقتصر على العميل نفسه،بل يتعداه الى بقية أفراد أسرته،مع أنهم لم يشاركوه العمالة،وهذا ما لاحظناه على أم عصمت زوجة العميل داود الندام التي قاطعتها صديقاتها السابقات عندما علمن بعمالته،فصديقتها أم خالد زوجة وأم لشهيد وأمّ لأسير هم ضحايا لهذا العميل،وقريبه محمود الندام قضى سنوات طويلة في السجن نتيجة ابن عمه العميل،أما عصمت فقد كانت خيبته كبيرة بأبيه العميل،مما قاده الى الهجرة بعيدا عن وطنه حيث قضى نحبه،وما لم تقله الرواية لكنه يّقرأ بين السطور أن داود الندام مسؤول عن ضياع ابنه وقتله ايضا،وقد أحسنت الكاتبة وصفا عندما شبهت العميل بـ(مصيفة الغور اللي لا صيفه جابت ولا رجعت بشرفها)وهو مثل فلسطيني يضرب فيمن يفشل في عمل ما،ويخسر شرفه ايضا.

ويلاحظ ان الرواية لم تُدِن ابناء العملاء وزوجاتهم وأسرهم لأنهم لم يقترفوا ذنبا،وقد ظهروا في الرواية كضحايا لا حول لهم ولا قوة،وفي هذا رسالة لمن تسول له نفسه بالعمالة مفادها ،أنه عمله الجريمة لن تقتصر نتائجه التدميرية عليه فقط،بل تتعداه الى أقرب الناس اليه،الذين من المفترض أن يوفر لهم الحماية والعيش الكريم،كزوجته وأبنائه،وتتعداهم الى أبناء العائلة والأصدقاء.

ومن المفارقات الجميلة في الرواية وجود العراقي حمدون الفنان التشكيلي،فوطنه محتل هو ايضا،لكنه كان سعيدا في تونس وفي موسكو،وزوجته التي كانت معلمة مدرسة تركت عملها لتلتحق ومعها طفلاها دجلة وفرات بزوجها،على عكس عصمت ابن العميل فقد تركته صديقة الطفولة والتي كان يخطط للزواج منها والسبب هو أنه ابن عميل.



اترك تعليق