محمود شقير ومديح لنساء العائلة

Jan 24

صدرت رواية”مديح لنساء العائلة” للأديب الكبير محمود شقير عن دار “الأهلية للنشر والتوزيع″ في عمان، وتقع في 200 صفحة من الحجم المتوسط. وتعتبر هذه الرواية الجزء الثاني لرواية “فرس العائلة” التي صدرت في العام 2013.

يجد القارئ لهذه الرّواية نفسه أمام سرد روائيّ مختلف عن مثيله الذي اعتدناه، واذا كان محمّد الأصغر “الكاتب في المحكمة الشّرعيّة”يأخذ دور السّارد الرّئيسيّ في الرّواية، إلّا أنّ البطولة فيها جماعيّة، وهذا ليس خروجا عن حياة العشائر لمن يعيش واقعها، أو يعلمه، وأديبنا شقير يعيش ويعلم هذا الواقع جيّدا. وبلغته السّلسة الدّافقة ركّز أديبنا على مرحلة معيّنة من حياة العشيرة التي اختار لها اسم “العبداللات”واختار لها مكانا وهميّا تسكنه هو “راس العين”، ليتابع تطوّر هذه العشيرة من بداياتها التي قرأناها في “فرس العائلة”، لذا فانّ زمان “مديح لنساء العائلة” يمتدّ من أواخر أربعينات القرن العشرين، وحتى الغزو الاسرائيلي للبنان عام 1982 وخروج منظّمة التّحرير من بيروت، وإن تطرّق الى نكبة الشعب الفلسطيني عام 1948، وهزيمة حرب حزيران 1967، فقد كان مروره عليهما عابرا لما يخدم موضوع الرّواية، الذي يدور فحواه حول عشيرة العبداللات التي تسكن جوار مدينة القدس. ومن هنا فقد جاءت الرّواية المختلفة شكلا ومضمونا، مليئة بالأحداث والحكايات والقصص الواقعيّة والمتخيّلة في حدود الواقع، ويخطئ من يعتقد أن الأديب شقير نحا منحى سيرة بني هلال التي جاء ذِكْرٌ عابر لشيء بسيط منها، تماما مثلما يخطئ من يعتقد الشيء نفسه لحكايات ألف ليلة وليلة لوجود بعض المشاهد الجنسيّة الحييّة. وقد يكون اسم الرّواية الشّاعريّ “مديح لنساء العائلة” خادع هو الآخر لمن ظنّوا أنّ الرّواية رواية نسويّة، بل هي رواية ذكوريّة بامتياز، وهذا هو واقع الحياة البدويّة بشكل خاصّ، بل والشّرقيّة بشكل عام، وحتّى السّراويل النّسويّة الدّاخلية القصيرة والطّويلة لها مساقها الزّمني والاجتماعيّ أيضا، فنساء البادية ورجالها ومنهم “العبداللات” لم يكونوا يعرفون الملابس الدّاخليّة بشكل عام إلّا بعد عشرينات القرن العشرين، والسّروال النّسويّ الطويل فرضه واقع المرأة في مناطق الاقطاع، عندما كانت النّساء والرّجال يعملون جماعات بالأجرة في الاقطاعيّات، فقد كانوا يرتدون الثّياب الطويلة، بل كانوا في مرحلة ما يستهزؤون بمن يرتدي السّروال، وهناك شواهد في الموروث الشّعبيّ على ذلك، وجاء السّروال القصير كتقليد لسكّان المدن.

وهذه الرّواية حملت لنا مشاهد وأحداثا واقعيّة كثيرة عن الايمان بالجنّ والعفاريت والحسد والخوف منها، العلاج عند المشعوذين وغيرها، الزّواج، تعدّد الزّوجات، زواج الخطيفة، زواج الأقارب، الهجرة الى الكويت والبرازيل، سطوة شيخ القبيلة في مرحلة ما، وانحسار هذه السّطوة لاحقا، ثرثرة النّساء، وكيف تلاشت بعض هذه المفاهيم والمعتقدات نتيجة للتعليم، وتطوّر الحياة، والثورة الاجتماعيّة التي صاحبت وصول الكهرباء إلى مناطق الرّيف، واستعمالهم للمذياع وللتلفزيون وللأدوات الكهربائية كالثّلاجة والغسّالة والفرن الكهربائي.

ولم يغفل الكاتب بعض الأحداث السّياسيّة، وإن لم يركّز عليها لأنّها ليست موضوع الرّواية، كمعاناة اللاجئين بعد النّكبة الأولى، والانتخابات البرلمانية عام 1956 والتي أوصلت الدّكتور يعقوب زيّادين ابن مدينة الكرك الأردنيّة إلى الفوز بمقعد في البرلمان عن دائرة القدس وبأعلى الأصوات، وكيف دخلت الأحزاب آنذاك- خصوصا بعد النّكبة- وهي: الحزب الشّيوعيّ، حزب البعث العربيّ وحركة القومييّن العرب إلى الرّيف. ولا أعرف كيف عادت بي الذّاكرة الى مذكّرات الدّكتور يعقوب زيّادين “البدايات” والتي نشرها في سبعينات القرن العشرين، وأعيد نشرها في فلسطين، فقد أبدى دهشته من وجود الأدوات الكهربائيّة بعد خروجه عام 1964 من السّجن الذي قضى فيه ثماني سنوات، وأعتقد أنّه كان للأديب شقير دور في مراجعة تلك المذكّرات، بل ساهم في صياغتها.

ومن يعرف الواقع الذي عاشته عشيرة العبداللات المتخيّلة، وأديبنا واحد ممّن يعرفون ذلك، سيجد فيها شخصيّة الكاتب ممثّلة بمحمّد الأصغر، وإن أعطاه الكاتب وظيفة لم يعمل بها، وهي كاتب في المحكمة الشّرعية، ليبعد الأنظار عنه، لأنّه لم يكتب سيرة ذاتيّة، كما أنّه لا يحتاج إلى كثير من الذكاء ليرى شخصيّات والدي الكاتب وأعمامه وجدّه التي جاءت في الرّواية، ولا غرابة في ذلك، فأيّ كاتب يكتب شيئا من سيرته في أعماله، وإن لم يتعمّد ذلك.

25-1-2015



اترك تعليق