“أميرة”في طولكرم

Nov 30

في شهر أيلول-سبتمبر- الماضي تلقيت دعوة من السّيّدة الفاضلة أسمهان عزوني، لتستضيفني في لقاء ثقافي في مكتبة بلدية طولكرم، واتفقنا أن تكون روايتي “أميرة” محور اللقاء، وتأخر صدور”أميرة” حتى نهاية شهر كانون أوّل”اكتوبر” كانت خلالها الأخت عزّوني في زيارة عمل للصين ضمن وفد رسمي، وأخيرا تحقق اللقاء في 29 تشرين الثاني”نوفمبر” 2014 في قاعة مكتبة بلدية طولكرم. وهذا التاريخ يعيد ذاكرتنا إلى القرار -181- الصادر عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة في مثل هذا اليوم من العام 1947، والذي ينص على إإقامة دولة فلسطين، وبجانبها اسرائيل، فقبل قادة الحركة الصهيونية القرار، وتبين لاحقا أنهم وافقوا على الجزء الذي يتعلق باسرائيل، ورفضوا ولا يزالون إقامة دولة فلسطين ليس على الأراضي التي ينص عليها القرار وهي حوالي 48% من أراضي فلسطين التاريخية فحسب، بل إنهم يرفضون قيامها على 22% من تلك الأراضي والتي باتت تعرف بالضفة الغربية وجوهرتها القدس، وقطاع غزة.

وجاء اللقاء الثقافي في مكتبة بلدية طولكرم بشكل عفوي في هذا اليوم، ذكرى قرار تقسيم فلسطين، وكانت “صدفة خير من ميعاد” حيث أنّ رواية “أميرة” تتحدث عن جانب من نكبة الشعب الفلسطيني الكبرى في العام1948. وكان لي شرف هذا اللقاء الذي حضرته بصحبة الأستاذ محمد صبيح، وفي طريقنا الى طولكرم، أمعنّا النظر بجمال جزء ساحر من أراضي دولتنا العتيدة، ولم يعكّر صفو متعتنا سوى تلك المستوطنات المقامة على أرضنا المغتصبة، وتلك الحواجز العسكرية الاحتلالية الثابتة والطّيارة.

هذه ليست المرّة الأولى التي أزور فيها مدينة طولكرم، في شمال الضفة الغربية المحتلة، فقد زرتها مرّات كثيرة، لكن هذه الزيارة كان لها وقعها الخاصّ على عقلي وفكري، فقد سعدت بالتطوّر العمراني في المدينة، لكنّ سعادتي كانت أكبر بأهلها الطّيبين، فجمال المدينة الذي يفوح منه عبق رائحة برتقال فلسطين، وطيب خضار وفواكه المدينة، يتعمّد ويزداد شذاه ومذاقه جمالا بأهل المدينة، ليتأكد المرء من صحّة مقولة شاعرنا العظيم الراحل محمود درويش”على هذه الأرض ما يستحق الحياة” وهل هناك من يستحق الحياة أكثر من شعبنا؟

صحيح أنّ الاحتلال بصلفه ومظالمه ينغصّ العيش الكريم لأبناء شعبنا، لكنّ شعبنا شعب الجبارين “يعشق الحياة ما استطاع إليها سبيلا.”

ومن حبّ شعبنا للحياة الكريمة وللحريّة التي ننشدها، والتي لن تكتمل إلا باقامة دولتنا العتيدة المستقلة بعاصمتها القدس الشريف، بعد كنس الاحتلال ومخلفاته كافة، فإن هذا الشعب حريص على مشروعه الثقافيّ، لما للثقافة من دور رياديّ في الحفاظ على هويتنا الوطنية، مع التأكيد على أن ثقافتنا جزء أصيل من الثقافة العربية الأصيلة والعريقة.

وفي مكتبة بلدية طولكرم كان لقاء الأحبة الذين احتضنوا “أميرة” التي هي منهم وإليهم، وكان الحضور لافتا ومتميزا، ضمّ أطيافا وأجيالا من المثقفين، أساتذة جامعات، كتابا وشعراء، معلمين ومعلمات، رجال أعمال وسيّدات مجتمع، طالبات وطلّاب مدارس، تتقدّمهم السيدة أسمهان عزوني التي رتبت هذا اللقاء ودعت إليه، والتي تشرف على اللقاء الثقافي الشهري في مكتبة بلدية طولكرم، هذه الناشطة في مجال الثقافة التي تحلق في المجال الثقافي بنشاط النحلة التي تجمع رحيق الزهور، وتصنعه عسلا حلو المذاق، لكنها نحلة بدون طنين، بل هي بخفة ورشاقة وجمال الفراشة.

سعدت كثيرا بالحضور، وسعادتي كانت كبيرة بالحضور النّسوي الطاغي، وبالحضور الشبابي الرائع، وهذا الحضور له دلالات كبيرة تبشّر بالخير القادم لا محالة.

فرحتي كانت كبيرة بهذا الحضور المتميز، وبالردود الايجابية على “أميرتي”، وسعدت بالمداخلات التي قدّمها بعض الحضور، وكان لحضور صديقي القديم الجديد الشاعر الجميل عبد الناصر صالح وتقديمه لي وقع كبير عليّ، تماما مثلما تأثرت كثيرا بالمداخلات الشّابة، خصوصا من طالبة الثانوية شهد محمد، وتساؤلها حول سؤال عباس بن الاقطاعي طاهر المحمود في الرواية “وهل سعادتنا على حساب دماء الآخرين؟” فأن تسأل يا بنيتي شهد، فهذا يعني أنك تفكر، وتبحث عن الحقيقة.

خرجت بقناعة من لقاء مكتبة بلدية طولكرم بأنّ شعبنا يعشق الحياة ما استطاع اليها سبيلا، ويعشق الثقافة، ويعي دورها في بناء المجتمع، وهذا يدعو إلى تعليق الجرس، والعمل على عقد لقاءات ثقافية في مختلف أماكن تواجدنا، وإلى ضرورة تكثيف هذه اللقاءات.

شكرا جزيلا للناشطة الثقافية أسمهان عزوني ولمدير مكتبة طولكرم السيد صلاح عمارة، وشكرا لمن حضروا اللقاء، وشكرا لطولكرم وأهلها الطيّبين.

30-11-2014



اترك تعليق