مشروع اصلاح ام تعميق تبعية

Jul 10

القدس : 10/11/2005

 ناقشت الندوة هذا المساء كتاب ” مشروع اصلاح ام تعميق تبعية ” – قراءة في مشروع الشرق الاوسط الكبير الامريكي – تاليف نعيم الاشهب ومازن الحسيني ، ومنشورات التنوير للنشر والتوزيع في القدس عام 2005، يقع الكتاب الذي صمم غلافه مروان العلان في 231 صفحة من الحجم المتوسط .

وقد بدأ النقاش مشرف الندوة الكاتب جميل السلحوت فقال:
يحاول المؤلفان في هذا الكتاب استقراء السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، خصوصا بعد انتهاء الحرب الباردة اثر انهيار الاتحاد السوفييتي، ومجموعة الأنظمة الاشتراكية التي كانت تحكم في دول اوروبا الشرقية ، وبروز ملامح النظام الدولي الجديد الذي تتـزعمه الولايات المتحدة الأمريكية، وتحاول من خلاله الهيمنة واحتواء دول وحكومات وشعوب العالم أجمع، بناء على ما تمليه المصالح الامريكية.
ويعتمد المؤلفان في دراستهما هذه على المشروع الذي اعلنته الادارة الأمريكية أوائل العام 2004 والتي أطلقت عليه “الشرق الأوسط الكبير” لافتين الانتباه الى أن هذا المصطلح لم يسبق أن استخدم في علم الجغرافيا أو السياسة أو التخطيط الاستراتيجي ، مع تأكيدهما على مقولة زيجنيف بريجنسكي مستشار الامن القومي للرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر بأن “الجغرافيا السياسية ما تزال ذات أهمية في الشؤون الدولية… وان الامبراطوريات قد بنيت بالاستيلاء الحذر على ممتلكات جغرافية مهمة وحيوية”ص10 . والمقصود بالشرق الأوسط الكبير هو الدول العربية يضاف اليها تركيا، ايران ، باكستان، أفغانستان واسرائيل، وهي بلدان تقع في ثلاث قارات، وذات موقع استراتيجي هام جدا من عدة نواحي منها: عسكرية كونها تتوسط العالم، ومنها اقتصادية كونها تحتوي على كميات هائلة من البترول والغاز الطبيعي، واللذين بدونهما سيصاب عصب الاقتصاد العالمي بالشلل، وتسعى الولايات المتحدة من مشروعها هذا الى تعميق هيمنتها على المنطقة “واهتمامها بقوة في مجال نشاط الرأسمال العولمي، والتطلع الى نسخ وتغيير ثقافات هذه الشعوب وتقاليدها الحية الموروثة” ص18.
ولتحقيق هذه الغايات فإن أمريكا التي انشغلت في القرن العشرين في محاربة الشيوعية ، وما عرف بالحرب الباردة بعد الحرب الكونية الثانية، والتي استغلت فيها الأنظمة الحاكمة في دول الشرق الأوسط لتكون حربتها الأولى في هذا الصراع ،حيث كانت تعتبر الدول والشعوب الاسلامية “السور الواقي من خطر الشيوعية” والتي دعمت أيضا ظاهرة “المجاهدين” في افغانستان ضد الاحتلال السوفييتي، وبانتهاء الحرب الباردة بحثت أمريكا نفسها عن عدو جديد لتحقيق سياستها الجديدة، فوجدت ضالتها فيما يسمى بالحرب على الارها ب خصوصا بعد الأعمال الارهابية التي استهدفت نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من أيلول 2001.
ورفعت شعار “الارهاب الاسلامي” هذا الشعار الذي تتفاوت تسمياته بين أن تكون صريحة مباشرة تستهدف الدين الاسلامي كدين، وتطعن فيه بدءا من النبي محمد صلوات الله عليه والقرآن الكريم، وبين تصريحات أقل حدّة ، بل هي دبلوماسية لعدم استفزاز الشعور الديني لعامة المسلمين، وهذا الكلام لم يأت من فراغ بل هو مدروس ومُنظّر له حتى أن رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية الأمريكية البروفسور صمويل هنتينجتون اعتبر في كتابه صراع الحضارات الاسلام اخطر من الشيوعية على العالم الغربي حيث يقول:- “ان النزاع في القرن العشرين بين الديمقراطية الليبرالية والماركسية اللينينية كان مجرد ظاهرة تاريخية عابرة، مقارنة مع علاقة التعارض والصراع بين الاسلام والمسيحية” ص15 .
ويدعم المؤلفان هذا الرأي باستشهادهما باثـنين من أعمدة المحافظين الجدد في أمريكا هما ديفيد فرم وريتشارد بيرل اللذان يقولان “اننا نواجه في الاسلام الجهادي أيدولوجية عدوانية تسعى الى الهيمنة على العالم ، إن هذه الايديولوجية مثلها مثل النازية ، تقوم باستغلال الكرامة المجروحة لأمم كانت في يوم من الأيام أمما جبارة ، وهي أنتهازية مثلها مثل الشيوعية والنازية” ص15 .
ويرى المؤلفان أن ورود اسم دولة اسرائيل في مشروع الشرق الأوسط الكبير “الهدف منه هو ليس أن تلتزم اسرائيل بالقيام بأية اصلاحات ، بل أن تدخل الى نسيج العالمين العربي والاسلامي وتصبح “مقبولة” رسميا وشعبيا، وتمارس الدور الذي رُسم لها، وهو دور الدولة الاقليمية الرئيسية”ص17 .
أما لماذا الحرب على الاسلام؟؟ فإن المؤلفين يجيبان على ذلك “بأن الاسلام في جوهره، كحضارة وثقافة تشكلت عبر العديد من القرون ، ترفض هيمنة وسيطرة القوى الأجنبية ، شأنه في ذلك شأن التيارات القومية واليسارية ، ويحض على مقاومتها ، ومن هنا بالذات مصدر عداء الدول الامبريالية لهذه الحضارة والثقافة والطموح لتدميرها” ص 18 .
وترتكز المبادىء المعلنة للمشروع الأمريكي على ثلاثة نقاط هي:-
1- تشجيع الديمقراطية والحكم الصالح:
وذلك من خلال الانتخابات الحرة ، والسماح لمنظمات المجتمع المدني ومن ضمنها المنظمات غير الحكومية الخاصة بحقوق الانسان ، والمرأة ووسائل الاعلام ، على أن تعمل بحرية من دون مضايقة أو تقييدات”ص19 .
2- بناء مجتمع معرفي:-
من خلال مكافحة ألأمية ، تطوير مناهج الدراسة ، وتشجيع وسائل الاعلام الخاصة أي باختصار هو: “وضع منطقة الشرق الاوسط الكبير تحت تصرف القطاع الخاص، ممثلا في الأساس بالرأسمال العولمي والسعي لاستبعاد دور قطاع الدولة الوطنية وتصفيته، سواء في الاقتصاد أو الثقافة والتربية والاعلام” ص21.
3- توسيع الفرص الاقتصادية:-
وذلك من خلال اطلاق قدرات القطاع الخاص في المنطقة، ويتمثل ذلك في : تخفيض سيطرة الدولة على الخدمات المالية، رفع الحواجز عن التعاملات المالية بين الدول، وتحسين وتوسيع الوسائل المالية الداعمة لاقتصاد السوق”ص22 .

حقوق الانسان:-
ويتحدث مؤلفا الكتاب عن أن شعار الدفاع عن حقوق الأنسان الذي ترفعه أمريكا، ما هو إلاّ ذريعة من أجل توسيع هيمنتها وسيطرتها على دول العالم الثالث، بل إن امريكا هي أكبر منتهك لحقوق الانسان بشهادة عدة منظمات دولية تعنى بهذا الموضوع ومنها منظمة العفو الدولية ، وهيومن رايتس واتش ، وأكبر دليل على ذلك ما جرى ولا يزال يجري في أفغانستان والعراق، وفي سجني أبو غريب وغوانتنامو.

محاربة الفساد:
أما حول ما جاء في مشروع الشرق ألأوسط الكبير بضرورة مكافحة الفساد في منطقة الشرق الأوسط، فإن المؤلفين يؤكدان وجود هذا الفساد بشكل كبير، إلاّ أنهما يريان “أن المشروع لا يتعرض لجذور المشكلة وأسبابها، ولا يقوم بتفحصها حتى يتوصل الى علاجها بشكل صحيح” ص72، ويحاول الباحثان “المؤلفان” تقصي أسباب الفساد، ومنها الفقر، وعدم الشعور بالأمان والاستقرار، وقلة رواتب موظفي القطاع العام وكذلك… الافساد الذي تقوم به مصادر شمالية مما يتصل في أكثر ألأحوال بالحصول على عقود مربحة” ص73 ويستشهدان بما قال جوزيف ستيجليس الذي شغل منصب كبير اقتصاديي البنك الدولي ، ومستشار اقتصادي للرئيس كلينتون حول الاستثمار الأجنبي في دول العالم الثالث “غالبا ما تكون هذه الامتيازات نتيجة للفساد ورشوة المسؤولين الحكوميين” ص74 وكذلك ما أكدته السلطات الأمريكية بأن “الشركات العملاقة الأمريكية أقدمت خلال سنة واحدة على خمسمائة حالة من حالات الافساد والرشوة في بلدان العالم الثالث” 75 . وما يريد قوله الباحثان هو أن أمريكا هي المسؤول الأول عن تنمية الفساد ونشره في دول العالم الثالث ، وبالتالي فدعوتها غير صادقة لمحاربة هذا الفساد لأنها هي التي تمارسه وتغذيه.

المنظمات غير الحكومية :-
يرى الباحثان الأشهب والحسيني بأن “المشروع الأمريكي يحاول أن يخلق الانطباع بأن المنظمات غير الحكومية هي العنصر الأساسي في تشكيل المجتمع المدني، إن لم يكن المجتمع المدني المعاصر هو هذه المنظمات التي يجري تمويلها من الخارج” ص82 . وهذا ليس صحيحا لأن الأحزاب والنقابات العمالية والمهنية واتحادات الطلاب والشباب والنساء هي من المكونات الرئيسية للمجتمع المدني، وما يطرحه المشروع هو من أجل الالتفاف على منظمات المجتمع المدني، وحصرها في المنظمات غير الحكومية التي تمول من “منظمات أجنبية في بلدان غربية ترتبط بمؤسسات حكومية أو شبه حكومية أو حتى حزبية ، أو مباشرة من هيئات حكومية مثل الاتحاد الأوروبي أو هيئة المعونة الامريكية” ص88 ومن هذه المنظمات هيئة المعونة الأمريكية،وهي “تابعة مباشرة لوزارة الخارجية الأمريكية، وتبلغ ميزانيتها السنوية أربعة مليارات دولار، تنفق على منظمات غير حكومية منتشرة في أكثر من مائة دولة في العالم ، ودورها هو “تكملة نشاط الدبلوماسية الأمريكية في خدمة المصالح والاستراتيجية الكونية الأمريكية” وفي العام 2002 أصدرت تلك الهيئة قرارا يُلزم كل من يتلقى مساعدات منها بالتوقيع على تعهد بمعاداة الارهاب ومنظماته وعناصره… وفي هذا السياق طلبت الهيئة من المنظمات غير الحكومية الفلسطينية التي تتلقى تمويلا منها مثل هذا التعهد تحت طائلة قطع هذا التمويل… ومعلوم أن عددا من المنظمات الفلسطينية تصنفها الادارة الأمريكية كمنظمات ارهابية” ص93 .
وفي الاراضي الفلسطينية يلاحظ مدى قوة الضغط والدفع التي تمارس من أجل تقوية المنظمات غير الحكومية من خلال التمويل المالي الكبير الذي تتلقاه، بحيث تمارس دورا ضاغطا بل ومنافسا للسلطة، حتى أن بعض هذه المنظمات تحصل على ميزانيات أكبر من الميزانيات المخصصة لوزارات مشابهة لعملها في السلطة الوطنية، والهدف هو تقزيم السلطة في عيون أبناء شعبها، وتكبير دور القائمين على هذه المؤسسات تمهيدا لايصالهم الى مناصب سياسية رفيعة تحقيقا لأهداف لم تعد خافية على أحد ، ومنها أن تكون هذه المنظمات بديلا لقوى سياسية كأحزاب وتنظيمات، والمنافسة في انتخابات المجلس التشريعي القادمة في كانون ثاني 2006 ستكون خير دليل على ذلك، وسيرى المواطنون والمراقبون فيها مدى الصرف المالي الدعائي غير المحدود لمرشحي المنظمات غير الحكومية ، والتي لن يفصحوا فيها عن مصادرهم المالية ، مع أنهم يخرقون النظام الأساسي الفلسطيني الذي ينص على عدم جواز استلام أموال من جهات أجنبية لأغراض سياسية ، ومع ذلك فإن بعضهم سيصبح ممثلا لهذا الشعب ، وسيشارك في تشريع القوانين، فهل سينتبه ناخبونا لهذا الفخ المنصوب لهم؟ أم أن التصريحات الرنانة في التلفزة ستخدعهم؟
ويلاحظ أن الثراء الفاحش قد بدا على من يقفون على رأس المنظمات غير الحكومية دون أن يسألهم أحد: من أين لك هذا ؟ لأن هناك من يوفر لهم الحماية من خلال الضغط على السلطة واجبارها على السكوت. وقد نجحت السياسة الأمريكية في فرض هيمنة المنظمات غير الحكومية في كثير من البلدان مثل بنجالادش، واوكرانيا، لكنها لم تنجح في بلد مثل فنزويلا مثلا.

الارهاب:-
رفعت الادارة الأمريكية شعار محاربة الارهاب، وازدادت وتيرة هذه الحرب بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001، وعلى هذا الأساس شنت حربها على أفغانستان واحتلتها، كما قامت باحتلال العراق تحت كذبة كبيرة روجت لها، وثبت بطلانها وهي امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، “ويمكن تقسيم الارهاب الى ثلاثة أشكال :ارهاب فردي، وارهاب عصابات أو جماعات، وارهاب الدولة” ص124 . وأمريكا “غير معنية بأن تقوم الأمم المتحدة أو أية هيئة دولية أخرى لها صفة رسمية في تعريف الارهاب…. وهي تستـفيد من غياب مثل هذا التعريف ، ليتسنى لها وصم أية معارضة أو مقاومة لتعدياتها هي وحلفائها وبخاصة اسرائيل بالارهاب” ص125 ، وواضح أن اسرائيل تمارس ارهاب الدولة ضد الشعب الفلسطيني ، كما أن امريكا من خلال حروبها الاستباقية تمارس ارهاب الدولة أيضا.

الديمقراطية:-
لم يعد خافيا على أحد أن اطلاق الحريات، وتبادل السلطة عن طريق الانتخابات هي دواء ناجح لحل مشكلات كثيرة تعاني منها دول وشعوب العالم الثالث، وفي مقدمتها البلدان العربية والاسلامية، وهذا ما يدعـو إليه مشروع الشرق الأوسط مع ان امريكا هي التي بنت ودعمت الأنظمة الاستبدادية؟! وان الواقع يثبت عكس ذلك تماما، فالديمقراطية التي تريدها أمريكا هي حسب مواصفاتها، وإلاّ كيف يمكن تفسير تأييدها لانقلاب العسكر على نتائج الانتخابات التي أوصلت الاسلاميين في الجزائر الى الحكم عام 1992؟ّّ! وكيف يمكن تفسير معارضتها لمشاركة حركة حماس في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني ما لم تغير الأخيرة أيدولوجيتها السياسية؟ وكيف يمكن تفسير وقوفها ضد الرئيس الفنزويلي هوغوشافيز وهو منتخب من شعبه، ومحاولتها الانقلاب عليه في نيسان 2002 .
هذه هي بعض القضايا التي يطرحها هذا الكتاب الذي نحن بصدده والتي يمكن تلخيصها بأن هدف مشروع الشرق الأوسط الكبير هو السيطرة على هذه المنطقة لعدة أسباب منها:- السيطرة على منابع البترول وثرواتها الطبيعية الأخرى، والتواجد العسكري على أراضي هذه المنطقة لضرب أي قوى معارضة يمكن أن تبرز، عدا عن استغلال موقعها الاستراتيجي في ثلاث قارات، وما يعني ذلك من توسطها للعالم ، فمن يسيطر عليها يكون قريبا من مناطق التوتر الحالية والممكنة في المستقبل، وضرب أي محاولة لتحرر شعوب المنطقة ، وضمان أمن أسرائيل بل وفرضها كلاعب رئيسي لتأمين المصالح الأمريكية والغربية في الشرق الأوسط

 

 

 

 

 

وبعده تحدثت حذام العربي فقالت :


يعرض لمشروع شمعون بيرس “الشرق الاوسط الجديد” الذي تبنته وادرجته الادارة الامريكية في اجندتها، تحت مسمى “الشرق الاوسط الكبير”.
في هذا الكتاب يسأل الكاتبان اذا كان هذا المشروع فيه اصلاح ام تعميق تبعية، ويجيبان على السؤال من خلال قراءة في عدة وثائق، ممارسات ومواقف معلنة لصناع القرار الامريكي، وإذن فالكتاب يشكل مراجعة للسياسة الامريكية في المنطقة باسلوب رصدي واستقرائي.
قرأتُ الكتاب على مراحل، وهو من الكتب المعدة للثقافة العامة والتنوير السياسي للقارئ غير المتخصص، وعليه فهو كتاب سلس، يحمل وجهة نظر وقناعة، اعتمد الكاتبان في عرضها على قاعدة من فمك ادينك، وألحقا بها قاعدة وفق المثل الشعبي القائل “الشمس ما بتتغطى بالغربال”.
على وجه العموم قرأت في هذا الكتاب استعراضا منهجيا للمسألة التي يعالجها، وهناك عمود فقري للمواد المعروضة في الكتاب، كما ان هناك تسلسل منطقي [زمني] من حيث عرض المواد.
تجدر الاشارة الى ان البناء الهرمي المعلوماتي للتسلسلية الزمنية جاء موفقا في معظم الاحيان،
ألا انه علينا دائما ان نتذكر، انه في مثل هذه المواضيع لا وجود للحقائق المطلقة ، وعليه فهناك ايضا الهرم المقلوب من حيث التطرق الى كل سؤال ، وكم بالحري للسؤال الرئيسي لهذا الكتاب، وعليه فمن الطبيعي ان تتراوح الاجابة على هذا السؤال، بين معارض وموافق لطرحه اصلاً على هذا النحو وهذه الصيغة ، كما ان اتخاذ الموقف سلبا او ايجابا، او تأرجحاً بينهما وكأنه الموقف الموضوعي، او عدم اتخاذ الموقف بتاتا منه، كل هذه إمكانيات متاحة وواردة في هذا السؤال الخلافي ، ولا يملك احد ان يقول لدي الجواب الامثل عليه او “الترياق الشافي” له، وعليه ارى في هذا السياق، تسجيل اتخاذ الموقف من السؤال، للكاتبين وليس عليهما.
طَرحَ الكتاب تساؤلات مهمة ومركزية حول الافكار التي يحملها المشروع الامريكي، ألا ان اجاباته جاءت شعاراتية تتسم بالروح التعبوية، وباستنهاض الهمم “الوطنية” و “المخلصة” و”استلهام التاريخ النضالي” للشعوب … الخ، ولا بأس في ذلك فهذا موضوع يحتمل التعبوية والشعاراتية.
على وجه العموم إستعرض الكتاب القضية الاساس في العلاقات الدولية ، والتي تُميِّز فترة النظام العالمي احادي القطب [الامريكي] هذا الذي نشهده، وهي مسألة كيان الدولة القومية، في مواجهة العولمة، واعادة صياغة وتشكيل للعلاقات الدولية في ظل هذا النظام.
في هذا السياق، ادهشني تسطيح الواقع المعلوم لكل فتى، لا بل لكل طفل عربي ، من المحيط الى الخليج أُميا كان أم قارئا.
ففي الفصل حول المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية ص 82 ، يستعرض الكتاب وبحق، المحاولات الامريكية الحثيثة لتفتيت واختراق مجتمع الدولة القومية الى ما تسميه “مجتمع مدني” ذو جمعيات، او عمليا مجموعات محدودة الآفاق والمتشكلة وفق مصالح فئوية ضيقة.، مجموعات المصالح او الورش الصغيرة هذه تتذ يل للمُمَوِّل، وتظهر في المشهد على انها الحارس الامين للمصلحة العامة او الوطنية العليا بفعل تبنيها لقضايا مجتمعية، بمعظمها ذات ابعاد سياسية واقتصادية مأزومة، وفعلاً تستصرخ حلا جذرياً، كتشبيك الخاص بالعام، توريث السلطة، حقوق المواطن، المرأة، الامية، ممارسات الطغمات “الوطنية” الحاكمة كالغش والنصب والاحتيال وسرقة الاموال العامة وما شاكل ذلك، ولكن في محاولة لسبر اغوار دورها يتبين بالواقع والممارسة انها كالايتام على موائد اللئام، اذا ما نضب التمويل الخارجي فهي تلفظ انفاسها معه، وتذهب اجندتها ادراج رياح الغرب المُمَوِّل ومطامعه، كل هذا صحيح، ولكن اين تقف ما تسمى “الانظمة الوطنية والمخلصة” للدولة القومية من هذه القضايا؟! ومن محافظتها على كيانها؟!
يفترض القارئ احدى امكانيتين الاولى:ان هذه الانظمة متأبطة صحيفة المتلمس، تسوق شعوبها، عن سبق اصرار وتعمد، او قلة دراية، للقاء حتفها منتحرة على اعتاب بلاط الامبراطور العصري ، والامبراطورية في هذا السياق ليس امريكا فقط ، انها كالتنين لها عدة رؤوس، منها مثلا البنك الدولي ، صندوق النقد الدولي ، منظمة التجارة العالمية، الشركات المتعددة الجنسيات، ومن اهم حلفاء هذا التـنين العولمي وادواته، التعصب الديني والعرقي والفاشية والجهل والتخلف والامية… الخ، والثانية: ان هذه الانظمة تتواطأ مع العولمة وأباطرتها على مستقبلها او على ذاتها، والقارئ العادي الذي يعلم يقين العلم وبالتجربة والبرهان ان هذه الانظمة قد استطاعت ترويض شعوبها الى درجة انتزاع او على الاقل تجميد ارادة الحياة فيها، يربأ عن رميها بالغباء الى هذه الدرجة، وإذن فهناك مشكلة! في كلتا الحالتين لا بد من الاشادة بذكاء هذه الانظمة التي وصلت الى هذه الانجازات، او على الاقل لا يجوز اتهامها بالغباء وقلة الدراية، وقد سبقني الشاعر الى توصيف هذه الحالة اذ قال: كل قوم صانعو نيرونهم ——- قيصر قيل له ام كسرى

والكتاب لم يعط تفسيرا معقولا لمعضلة نشوء مثلث العلاقة الاشكالية هذه بين الشعب {المواطن – الفرد} ونظام الحكم في الدولة القومية [الشرق الاوسط] والامبراطور وعولمته، ولكنه عرض وضع وحالة مثلث العلاقات هذا دون ان يفكك لنا المعضلة، ص82 – 104 ، هل وصلنا وكيف وصلنا الى مثلث علاقات أصلا؟ وهل هناك آفاق لنظام علاقات ثنائي.؟
فمثلا يقدم سعد الدين ابراهيم منظومة فكرية وممارساتية بديلة او على الاقل جزء منها، ولا يتورع عن الاستقواء على بلده ووطنه ببلدان وقوى خارجية اخرى ، وقد يجوز في طرح هذه المنظومة وممارسة هذه الجمعيات، قول علي بن ابي طالب” كلمة حق يراد بها باطل”. إلا ان السؤال الاهم يظل يرتطم بصداه، لماذا تعطي هذه الانظمة، “الانظمة الوطنية” في “الدولة القومية” كل المسوغات لسعد الدين ابراهيم وغيره للتحرك في بحر، لا بل في محيط ، من كلام الحق {الذي يراد به باطل}؟ وفي هذا السياق لا تنطلي حتى على الموغلين في الجهل والتخلف، حجة ان هذه الانظمة مذدنبة او عميلة او… الخ. فقد اشرتُ اعلاه الى ذكاء هذه الانظمة وقدرتها على الانجاز التي اثبتت فاعليتها.
على الرغم من كل الانتقادات الموجهة لأساليب الحكم في الديمقراطيات الغربية، وهي محقة في عدة احيان، تبقى مصادر هذا الكتاب، اكبر شاهد على قدرته لتقصي الامور.، فمصادره باستثناء بعضها، امريكية وبامتياز! وعليه في استفتاء افتراضي لمزاج الشعوب، بين شعار الديمقراطيات الغربية،{قل انت ما تشاء وانا افعل ما اشاء} وبين شعار”الديمقراطية الوطنية في الدولة القومية” {كم الافواه والاحكام العرفية وتكسير العظام والتغييب الجسدي للمواطن المعارض}، ما كنتُ اجازف بالتنبؤ بالنتيجة! اللهُّم إلا القول بأن الديمقراطية الغربية تقع في خانة “احسن جنس عاطل في سوق الانظمة المتاحة”. وليس ادل على ذلك من رؤية تظاهرة ال 800 طالب مصري محاصرين بحوالي 3000 جندي مصري داخل الحرم الجامعي دعما للعراق والانتفاضة، في حين خرجت مظاهرة الثلاثة ملايين الى الشارع في دولة الحاكم الملياردير وحليف امريكا!!

تجدر الاشارة الى الفصل بعنوان “تحرير التجارة” والذي في سياقه، تعامل الكتاب مع مسالة حقوق الملكية الفكرية، والجوانب التجارية لهذه الحقوق، ابعاد واسقاطات الترتيبات الخاصة بها، وإلتفات لجنة الجنوب في تقريرها “تحدي الجنوب” 1990 الى “… ان الدول الراسمالية … تريد وضع نظام من شانه ان يلزم الاقطار النامية باعادة الهيكلة من جديد لقوانينها القومية بحيث تلبي حاجات الشمال ومصالحة … وتعزيز الحقوق الاحتكارية لبائعي التقانة فيه…” ص108 . والحقيقة ان المسالة ليست فقط احتكارات تجارية – تنموية، وتطوير استيعاب التقنيات في {الجنوب} العالم النامي…. الخ.
ان التحكم بمقاليد العلم والاستيلاء على نتائجه التطبيقية ، اصبح بمثابة بيضة القبان في النظام الدولي احادي القطب، والاخلال بهذا التوازن قد يعني اختراق [خرق؟] لقواعد اللعبة الدولية احادية الامبراطورية، وغني عن التذكير بالقاعدة الاساسية في لعبة العلاقات الدولية، ان كل اختلال او {خرق؟} في التوازن {الدولي}، ان آجلا او عاجلا يؤدي الى الحروب بكافة اشكالها، وليس ادل على ذلك، ما نراه راهناً، من اساليب ومضامين معالجة انتشار السلاح النووي على المسرح الدولي، بما في ذلك سلاح الدمار الشامل المفترض وجوده في العراق، او ما نُشِرَ مؤخراً عن صفقات بيع التقنيات مع الوكلاء المعتمدون، مثل صفقة تحديث واعادة تسليح الطائرات الصينية او الفنزويلية.
قدرة الجنوب المحدودة على فهم المقروء، لافتة للنظر، اذ استفاق عام 1990 ليشير الى مسألة غاية في الاهمية، وقد نَظَّرَ وكتبَ حولها البعض في بداية السبعينيات ان لم يكن قبل ذلك بكثير، اذ اصبح العلم وبخاصة العلوم التقنية والتطبيقية في كثير من الاحيان اسرارا عسكرية وفي بعضها على اعلى درجة من الاهمية، وبالتالي فان تصدير التقنيات والعلم يخضع للاعتبارات العسكرية والأمن القومي، وليس فقط التجارية او التنموية او غيرها، ومن المستهجن ان تبقى عناوين جدارية ضخمة كهذه، تواجه الجنوب دون إشارة او معالجة حتى العام 1990 .
هل في هذا ما يشير الى منسوب ارادة الحياة عند هذه الشعوب؟ ام عند حكامها؟ ام قد آن أوان أفول الدولة القومية؟!
ان المنهجية في الاستعراض لا تعني الانتقائية الى حد نسيان او تناسي بعض الحقائق التاريخية غير الخاضعة للنقاش [الاكيدة]، هذه الانتقائية تُفقد وجهة النظر مصداقيتها، مثلاً جاء ص128 “… ان الاقتصاد الامريكي قد تضاعف خلال الحرب العالمية الثانية… الولايات المتحدة… البلد الصناعي الوحيد الذي لم يتعرض ولو لطلقة واحدة خلال تلك الحرب…”. وللحقيقة ان اعلان امريكا دخولها الحرب الى جانب الحلفاء جاء عقب الضربة الجوية اليابانية في 07.12.1941 ، والتي اسفرت عن تدمير الاسطول الامريكي الراسي في القاعدة العسكرية البحرية بيرل هاربور، اذ فقدت امريكا في هذه الضربة 12 من السفن حاملات الطائرات و188 طائرة حربية بالاضافة الى الخسائر البشرية 2403 من الجنود و- 68 من المدنيين.

ان الحماس الذي يبديه أي كاتب لتثبيت وجهة نظره او لاقناع القارئ بها، عندما يشط عن الوقائع او يتعامى عن الحقائق، يضعه في موقع الهداف الذي يطلق سهمه اولا، وفقط بعد استقرار السهم يسارع ليحيطه بدائرة الهدف، ومن ثم يدعي انه اصاب.

في سياق الاقتباس، استعمل الكاتبان صيغة مثيرة للاهتمام ص 90 جاء : “… ويقال انه صرف 160 مليون دولار على نشاطات في مجال حقوق الانسان (1)” والمرجع المشار اليه: (1)”عادل سمارة- منظمات غير حكومية ام قواعد للآخر NGO’s رام الله …” هذه صيغة تؤدي الى تلبد الرؤية لدى القارئ، مَنْ الذي قال مرجع الكتاب موضوع المناقشة؟ ام مرجع المرجع؟ {عادل سمارة ام مرجعه؟}. والحقيقة ان استعمال صيغة المبني للمجهول قد تكون اكثر انسيابية وملائمة مع مضامين تراثية او اساطير او حكايات مجهولة المصدر، إلا انها تترك لدى قارئ كتاب كهذا، البلبلة وعدم الثقة بالمادة المطروحة.
اخراج الكتاب يفتقد لبعض القواعد الاساسية، اذ لم يَذكر مكان الاصدار، بالاضافة الى اسم مختلف للناشر، كما انه لم يشمل قائمة مراجع، ولا فهرس، ولا حتى لفت انتباه الى ان الكتاب يحتوي على بعض الوثائق، والقارئ فجأة يقع من اعالي صخب النقاش ومقارعة الحجة بالحجة، الى سكون الوثائق المرجعية، والهدوء الذي يحتاجه للتفحيص والتمحيص فيها، فقد خصص الكاتبان ما يقارب ربع صفحات الكتاب للوثائق المختلفة وذات العلاقة بمضمونه، الامر الايجابي جداً بحد ذاته. على كل ما سبق فالكتاب جدير بالقراءة.

وتحدث خليل سموم فقال:

كتاب قيم ، يستحق القراءة، غني بالمعلومات والاراء ، شيق ، لغتة بسيطة ، عباراته واضحة ، يفهمة الطالب والعامل والقارئ العادي والمثقف .

 

الكتاب مرتب في طرحه للموضع، صادق في معلوماته ، دقيق بها ، عميق في افكاره ، منطقي في اسلوبه، سلس في سيرة بالموضوع.

 

عنوان الكتاب جيد ، وصورة الغلاف ممتازه، والكلمات في الداخل واضحة، والعناوين الفرعية متطابقة مع كل فصل ، وحجم الكتاب جيد، وورقه كذلك ، ولو انه كان من الافضل كتابة موجزين عن حيات المؤلفين .

يعرف الكاتبان المشروع الامريكي بكل تفاصيله، ويبينان اهدافه ، وطرق تطبيقه، وينتقدانه بندا بندا، انطلاقا من حرصهما على مصلحة شعوب المنطقة ، وهما في نقدهما منطقيان ، متهكيان ، بعيدان عن اللغة الانشائية ، ليسا منظرين ، بل يستندان في افكارهما الى العقل والى تجارب عملية من الواقع .

وفي نهاية الكتاب ، قبل الملاحق ، يطالب الكاتبان القوى الديمقراطية والتقدمية العربية النهوض من كبوتها ، والتصدي لدورها التاريخي في قيادة المنطقة وشعوبها الى آفاق جديدة ، بالضبط ، هذا هو المطلوب حاليا ، وبأقصى سرعة ، وبمثابرة ، وبدون كلل ، لانه طالما ان الحكومات العربية تسير بشعوبها حاليا الى الخلف ، فان هذه القوى – مسنودة بالجماهير العربية كافة – باستطاعتها السير بالشعب العربي الى امام

 

يشهد هذا الكتاب بان كاتبيه مثقفان بدرجه عالية جدا في السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع، ولديهما معلومات واسعة وشاملة في الموضوع الذي تطرقا اليه ، ورايهما فيه وموفقهما منه واضحان تماما ، ونحن بانتظار المزيد من الكتب لهذين الكاتبين تتناول مواضيع وقضايا اخرى.

 

واخيرا، هذا كتاب ممتاز، ننصح كل قارئ بقرائته ، ونقترح طبعه بكميات كبيره، وتوزيعه في كل المناطق ، ونشر دعايته له، وبيعه بسعر بسيط، وذلك حى يستطيع كل قارئ فلسطيني وعربي اقناءه وقراءته.



اترك تعليق