روايــــة ربيــــع حــــار

Jul 10


ناقشت ندوة اليوم السابع في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس رواية “ربيع حار” للروائية الفلسطينية المعروفة سحر خليفة، تقع الرواية الصادرة في العام 2004 عن مركز اوغاريت الثقافي في رام الله في 220 صفحة من الحجم المتوسط.

وقد بدأ النقاش الكاتب جميــــل السلحــــوت فقـــــال:ـ

سحر خليفة أديبة متميزة عرفناها من خلال أعمالها السابقة وهي:ـ لم نعد جوراي لكم، الصبار، عباد الشمس، مذكرات امرأة غير واقعية، باب الساحة والميراث.

وسحر خليفة في أعمالها تعيش هموم شعبها، تتفاعل معها، تشخصها، تنتقدها، وتسعى إلى التغيير، ومن هنا فان روايتها تحمل الطابع المحلي، تتمركز في غالبيتها في نابلس مسقط رأس الكاتبة، وتمتد إلى بعض المناطق الاخرى في الضفة الغربية المحتلة كلما دعت الحاجة أبطالها إلى ذلك.

ورواية “ربيع حار” التي نحن بصددها مكان أحداثها هو نابلس وبعض القرى المحيطة بها بشكل رئيسي، ورام الله بشكل أقل، ولا غرو في ذلك، فنابلس هي العاصمة الاقتصادية للأراضي الفلسطينية المحتلة ورام الله، هي مقر السلطة الوطنية الفلسطينية منذ نشوئها في العام 1994 ولا تزال.
الاحتـــلال هـــو السبـب:ـ

تحمل رواية سحر خليفة رسالة حب، رسالة سلام للفلسطينيين والاسرائيليين معا، مع أن الرواية مليئة بأحداث العنف التي يمارسها الاحتلال، ويفرضها على الشعب الفلسطيني، هذا العنف الذي تمثل في الاستيلاء على الأرض الفلسطينية وبناء مستوطنات يهودية عليها، كما تمثل أيضا في عمليات اقتحام المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، وقتل البشر، وتدمير البيوت والمزارع والمرافق الاقتصادية والبنى التحتية، هذا الاحتلال البغيض يحمل مسؤولية كل ما يجري في الأرض الفلسطينية من اعمال عنف يمارسها، والتي خلقت بدورها أعمال عنف مضاد، والمؤلفة لا تقول ذلك مباشرة، لكن طريقة سردها لعملها الروائي بفنية عالية توصل القارىء إلى هذه النتيجة.

فممارسات الاحتلال الاجرامية، دمرت النفوس وشوهتها، وعبأتها بالأحقاد، وأعمتها عن إنسانيتها، بل هي المسؤول الأول والأخير عن أعمال العنف المضاد. فمجيد ذلك الطالب الجامعي الذي يهوى الموسيقى والغناء، تحول إلى مطارد مطلوب للاحتلال بتهمة جريمة لم يرتكبها، وأجبر على المشاركة في النضال ضد المحتل رغم أنفه، فترك جامعته وحلمه في الحصول على منحة جامعية في أيطاليا، وأصيب وتعرض لارتجاج في الدماغ، مما أجبر جدته لأمه وزميلتين له على أدخاله في مكتب الرئيس في المقاطعة في رام الله حماية له عند اقتحام الجيش المحتل لمدينة رام الله، وعاش الحصار هناك، ومارس اللعبة السياسية، وأصبح نجما تلفزيونيا من كثرة اللقاءات التلفزيونية التي أجريت معه، وبات يطمع في منصب عال كأن يكون وزيرا أول وكيل وزارة.

أما أخوه غير الشقيق أحمد، ذلك الطفل الذي كان يتأتىء في بداية حياته، فقد تعرض للسجن والتعذيب لأنه بحث في المستوطنة المجاورة عن قطته “عنبر” التي أحبها وتعلق بها، وخرج من السجن وقد تخلص من التأتأة، وهنا اشارة إلى ان السجن مدرسة، وخرج أيضا يحقد على اليهود مع أنه كان يستلطف احدى الطفلات المستوطنات “ميرا” ذات الشعر الاشقر، والوجه المنمش، وكان يحبها، ومع أنه كان يهوى التصوير والرسم ويريد أن يتعلمهما في الجامعة، وكان يساعد والده المراسل الصحفي في أعماله، إلا انه ترك الدراسة والتحق متطوعا مع الهلال الاحمر، يسعف الجرحى والمصابين وينقلهم إلى المستشفى، وليموت هو نفسه شهيدا تحت جرافة اسرائيلية كانت تجرف منزلهم في قرية “عين المرجان” قرب نابلس تمهيدا لبناء جدار الفصل العنصري، مات في مظاهرة شاركت فيها تلك الطفلة اليهودية “ميرا” التي أصبحت شابة.

وكذلك أيضا ذلك الشاب الغزاوي وحيد أمه من الذكور وسط سبعة بنات هو ضحية للاحتلال، فمع أنه عريس لم يمكث مع عروسه ابنة السبعة عشر عاما إلا ثلاثة أيام، غاب عنها وعن أمه ثلاث سنين في نابلس لم يستطع العودة ليموت بقذيفة صاروخية من طائرة أباتشي،وغيرهم كثير.

الصـــراع البشـــري والعـــداء النفســـي:

لاحظنا في الرواية كيف أن الطفل الفلسطيني أحمد كان يقتني قطة “عنبر” أحبها وألفها وألفته، وكان يصطحبها معه في نزهاته وجولاته، وكيف أن الطفلة اليهودية ميرا كانت تقتني هي الأخرى كلبا تحبه وتألفه ويألفها، وكيف ان الطفلين استأنسا ببعضهما البعض لدرجة الحب، لكن بعد أن سجن أحمد وهو يبحث عن قطته السجينة في المستوطنة وما تعرض له من تعذيب واتهامه بالارهاب والتخريب، دفع به إلى الموقف المضاد، فلم يعد يحب ميرا، وهي لم تعد تحبه، أي أن هؤلاء الطفلين أحب كل منهما الآخر ببراءة الأطفال، وصادقا الحيوانات، لكنهما عندما كبرا وشبا وقعا تحت تأثير الأحداث وكلمات الحقد ولم يستطيعا التواصل في علاقتهما، فهل الانسان أكثر وحشية من الحيوانات؟! تقول سعاد “الحيوان يقتل ليأكل ويعيش، والانسان يقتل ليسود، فالانسان يموت ليعيش، ويقتل ليعيش أي أن الحياة والموت لا ينفصلان حين نفكر بالحرية”؟؟. ربما هو ما جاء على لسان خوري اللاتين لأحمد “بدعوات السلام، بالحب ممكن نخرج من هذا العنف، لكن بالقتل بالعمليات مش ممكن نخلص”.

البطــــولـــة النســـويـــة:ـ

يلاحظ من كتابات سحر خليفة أنها امرأة تحترم أنوثتها، فتكتب عن عذابات المرأة وأحلام المرأة من منظار نسوي، وهي بالتالي تدافع عن بنات جنسها من خلال روايتها، أنها تفضح الظلم الواقع عليهن، تعري نظرة المجتمع الذكوري للمرأة، وتنفر من بعض العادات والتقاليد التي تسلب المرأة إنسانيتها وحقوقها، وهي تعطي المرأة دورا في الحياة يتميز على دور الرجل بل يتفوق عليه.

فوالدة سعاد مثلا:ـ زوجها سجين، أمضى سنوات طويلة في السجن، وتركها في ريعان الصبا مع عدد من الأطفال عملت وكدت وكافحت، اشترت ماكينة خياطة، وما لبثت أن تحولت إلى مشغل خياطة، أنفقت على أبنائها ورعتهم وربتهم وعلمتهم، أخرهم سعاد طالبة جامعية، وحتى سعيد الذي درس الحقوق وهاجر إلى عمان، كان محاميا فاشلا، لم يستطع الانفاق على نفسه وأسرته، ولم يستطع سداد ديونه الا مما كانت ترسله له والدته، بقيت مكافحة طيلة حياتها، حتى أنها أصبحت ملجأ للمقاومين في نابلس تعد لهم الطعام وترعاهم، فهي الأم الرؤوم للجميع، وعندما أفرج عن زوجها لم يكن له أي دور، لقد تحرر من السجن مريضا وأصبح عالة عليها.

وجدة مجيد لأمه كانت ترقص وتغني في المناسبات، ساهمت في نقل مجيد عنما أصيب إلى المستشفى وتعرضت للمشاق، ولما لم تفلح في ايصاله إلى المستشفى نقلته إلى رام الله في سيارة لورا بدر الوشمي الصحفية، ومكث في قصر الوشمي الذي اتهم مجيد بقتله، ثم نقلته إلى مكتب الرئيس ليلة الاجتياح لحمايته هناك، وكانت تفاخر بمغامراتها مع الرجال دون أن ينتقدها أحد سوى زوجة الوشمي، ولتموت بعدها بهدوء، دون أن يحضرها حفيدها الذي ضحت الكثر من أجله.
وسعاد تلك الطالبة الجامعية، ابنة السجين شاركت في نضالات الجامعة، وكانت متفوقة، أحبت زميلها مجيد، وآوته في بيتها، وشاركت في نقله إلى المستشفى عندما أصيب، ولم تفلح، ساعدت في نقله إلى رام الله، ومن هناك إلى المقاطعة، وشاركت في اسعاف الجرحى واعداد الطعام لهم عند اجتياح نابلس، وبقيت تتردد على مجيد في المقاطعة حتى تركها وخطب غيرها عندما ارتفع شأنه.

ولورا ابنة الوشمي المتهمة بالعمالة، والذي قتل جراء ذلك، عملت في الصحافة المتلفزة، وساهمت في جعل مجيد شخصية سياسية بارزة، وربطتها مع مجيد علاقة حب قديمة لم تثنها عنها تهمته بقتل والدها.

والمرأة في الرواية تعاني أكثر من الرجل، بل وتضحي اكثر منه، فقد لاحظنا دور والدة سعاد مع زوجها السجين وابنها المحامي الفاشل في عمان، ودور العروس الغزاوية التي لم تعش مع عريسها الا ثلاثة أيام، وليعود اليها شهيدا بعد ثلاث سنوات، وكذلك حسرة ولوعة والدة ذلك الشهيد.

وبعده تحدثت الكاتبة حــــــذام العــــربــــي فقـــالــــت:ـ

لم اقرأ من انتاج الروائية سحر خليفة بتاتا.
لكنني قرأت هذه الرواية على مراحل، بدأت في القراءة ثم تركتها، ثم تناولتها مرة اخرى. تكررت المحاولة ثلاث مرات.

والحقيقة، ان الالتزام فقط دفعني إلى إتمام قراءتها، هذا على الرغم من ان الاهداء يطل علينا داعيا محفزا ومتحفزا، (إلى نساء حوش العطعوط في نابلس القديمة: لنحفر التجربة في الذاكرة ووعي الاجيال)، وهل يستطيع القارىء، أي قارىء ان يترك نساء حوش العطعوط في نابلس، دون النظر إلى تجربتهن؟ او ان يترك التجربة تنساب بين خبايا الظل ودروب الضياع لتهاجر من ذاكرته؟

أكثر من الاهداء، إستفرني التذييل للكتاب في الصفحة الاخيرة، اذ فهمت انني بصدد “التقاط الجو وتصوير المأساة”، على الرغم من انها رواية، قلت في نفسي، على ما يبدو، فهذه كذلك وثيقة، او قل انها صورة لحياة الناس في ذلك الربيع الحار، واي قارىء يملك تجاهل هذه الصور، او يملك ان يميل بوجهه عنها؟ وكم بالحري اذا كان فلسطينيا؟

على اية حال، جلست بعد إتمام قراءة الرواية بفترة وجيزة لأخط بعض ما جال في ذهني اثناء النظر في هذه الصور من تلك المرحلة، فترة الربيع الحار.
اخترت التوقف عند النساء اللواتي ظهرن في الصورة، او قل العنصر النسائي في الرواية، ولم يكن ذلك الامر من السهولة بمكان اذ ان النساء في الربيع الحار عملن الكثير وشكلن عصب المحرك ولكنهن اعتصمن بالصمت.

فهــــذا، فضــــل القســــام:ـ

“… صاحب مكتبة الجليل بدأ حياته بعد النكبة… كموزع جرائد على بسكليت… وبعد النكسة… تطور جدا لأن بلدة عين المرجان كبرت فجأة بسبب الهجرة… بنت الاوقاف صف دكاكين اختار اصغرها واقربها تحت الدرج بسعر زهيد… وهكذا صار معروفا في البلدة بانه فهيم ومثقف، لأنه يبيع المطبوعات، ولأن اسمه ينزل في جريدة القدس كمراسل…” ص8. فضل القسام هذا يستنكر موقف ابيه الذي مانع من زواجه بدعوى”… ان (الفتاة) التي ترفع صوتها بالغناء في بيوت الناس هي جنكية قليلة أصل ولا تستحق اسم العيلة… (أي عيلة؟!) قال لأبيه، (يابا احنا هون في المخيم!) لكن اباه ابن حيفا ووادي النسناس كان ما زال يحتفظ بمفتاح الدار وصورة معرض سجاد حيفا، اغلى…. واحلى سجاد من ايران…”

أم احمــــــد:ـ

على لسان زوجها (فضل القسام)
وهذه ام احمد…” إمرأة بيضاء سمينة تحب الاكل وتحب ابنها حب العبادة…” ص11. وكذلك…” نظر اليها تشتغل الصوف فرأى طارات من شحم ولحم ولغاليغ… ابن هذه… (احمد) ثقيل كأمه، ثقيل الظل ثقيل اللسان ثقيل الخطو والحركة…” ص12 . كما ان ابنها (احمد) … “ابن الزبدة… فلينعم بعضلات اللبن واكواب الحليب…” ص15 … (احمد) هذا من غير عضل ودب سمين مثل أمه…” ص14. وام احمد له وهي تمشطه… “يا قصب يا نصب، يا شعر الحرير، يا شعرات احمد حلوين كثير كثير…” ص20.

أم مجيــــــد:ـ

على لسان زوجها (فضل القسام – ابو مجيد):ـ
“… وتحسر وترحم على ام مجيد (شهيرة) وايام زمان، كانت بلون الخبز وعيناها صغيرتان… لكنها حين تضحك وتبرز اسنانا كالؤلؤ، تصبح عيناها كالألماس، لها ضحكة كالحشاشين… تخرج من قعر معدتها وتسحب نفسا وتضرب بكفها على فخذه فيحس النار تلفح بدنه، وتغني له بصوت آسر (ايمتى الزمان يسمح يا جميل)… فرش معها اول بسطة، وانجب معها اول ابن له، وذاق معها مرارة العيش في المخيم… لكنه رغم القلة كان سعيدا… لان شهيرة وام شهيرة كانتا تغنيان في الافراح والليالي الملاح وتنقران على الدف والطبلة كالجنكيات (؟) … تطور الحال وصارت شهيرة تغني على العود… فتذكر وهي ترقص،… تغني… تقهقه وتشرق بالضحك فتلمع عيناها كالألماس… مجيد اخذ عنها خفة دمها وحلاوة الصوت والحركة…” ص12، ثم”… هذا ما كان عليه ابن شهيرة، طفل يتيم بشعر منكوش وأظافر طويلة كدجاجة، ويلعب في الحارة مع الاولاد ويتظاهر… اولا يتظاهر، يلعب في الحارة… (عرب يهود)…”ص15.

فضـــــل القســـــام:

كذلك يخاطب ابنه البكر مجيد (ابن شهيرة) بشأن ابنه الاصغر احمد: “…. هذا الولد مطلوب منك…. خذه للنادي… خذه للقهوة…. خذه لجهنم…. المهم ما يظل قاعد بطال في خلقتنا زي البنات…. فهمت الكلام؟!…” ص.16
ويخاطب نفسه “… هذا هو الفرق بين طفولته وطفولة اخيه… وجدته وجدة اخيه التي تركت لابنتها دارا وزيتونا وقطعة ارض…” ص15.

الجـــــــدة:ـ

على لسان فضل القسام:ـ
هذه الجدة “… احيانا تحن عليه تأخذه (حفيدها مجيد) بضعة ايام ثم تعيده وهي تنفخ… وتقول لابيه كما الشامته… (الحمد لله على الكبر وقلة الحبل)…. وهذا يعني انها ما عادت تطيق الاولاد… وهي قد صارت (عجوزا) كما كانت تقول…. بالكاد تقوم بحالها من غير عكاكيز… لكن بالنسبة للأفراح واعراس الناس… سبحان الله… تجد القوة تذهب هناك وهي تركض مثل العنزة وتأخذ معها شابة صغيرة تلبس دشداشة لامعة وصاجات الرقص… وفي آخر الليل تعود إلى المخيم وفي جعبتها حلوان العرس وأجر الزفة وأكل كثير وكنافة…. وكم اخذته إلى تلك الافراح… وتقرص خده (شايف الكهارب يا مج مج)… اوعى الطبلة… “ص14 – 15.

لـــــورا:ـ

على لسان مجيد واحمد:ـ
“… بنت الجيران، اصحاب الدار، تلبس الجينز وقميصا قطنيا لاصقا وبلا اكمام، كانت حلوة وشابة وبيضاء بشعر اسود قصير ملفوف في حلقات ورقبتها طويلة كالنرجس… بنت الجيران مع كلبها في جنينة الدار تقطف الكرز والفراولة… كان ابوها من قبيلة نور… ومع الايام صاروا حمولة ثم عشيرة ثم كنية ذات صيت خطير بين اهل البلد… (الوشاشمة) هم قوم غلاظ بلا اخلاق يعملون في السر ثم العلن، ما يخاف الناس من ذكره. فهم يحصلون على تراخيص للشاحنات و…و… والهويات من اليهود مقابل سهرات وصداقات وعمولات …” ص41 “… الوشمي الكبير جد الفتاة وابو ابوها قتل برصاصة عدر كما أعلن ورصاص الثورة كما أبطن…” ص38.

“… على اثر ذلك هربت ارملته الصغيرة ذات الجمال والاصل الغريب إلى كندا وعاشت هناك مع الابناء حتى اوسلو وانتقال الثورة إلى السلطة وتأميم الرخص والهويات… فعادت الارملة مع اولادها وباتت تقيم سهرات الأنس… بدأت طبخات ذات روائح… العفو عن الماضي شمل الحاضر بل زاد… وبات ابنها مستشار حكومة… ومشروع وزير … “ص39.

وعن لورا ايضا “… لم تصبر حتى ينصرف المدعوون… استرقن الخطو إلى الغرفة… ونادته بصوت متلصص… ودخلت بسرعة… هبطت على السرير ومدت يدها إلى علبة سجائر… ووضعت سيجارة في فمها… فأشعلت السيجارة وهي تنفخ وتدور بعينيها في الغرفة… كانت قدمها الصغيرة في صندل يكشف اصابعها المطلية بالأبيض وساقها المشدودة بالبنطلون رقيقة ومسحوبة بانسياب يحاكي بقية أجزائها ذات التعاريج والانحناءات والاستدارات، بدت مستديرة في كل شيء، وجهها،… شعرها، فمها، عيناها، نهداها وحتى حوضها وهي تجلس… والاغرب من ذلك كله أنف مشقول كالأجانب… ابتسمت له وقالت بمودة أمومية وكأنها تحكي مع طفل…” ص42.

ميـــــرا ثــــم راشيــــل:ـ

على لسان احمد
“… هي مستوطنة يهودية وابوها مستوطن يهودي وهذه شجرة… وهذه مرجوحة وهذه بنت… بنت شقراء بذيل فرس مثل اللعبة، حلوة وجميلة كما الصورة… لكن عقله كان في المرجوحة والمشمشتين البيضاوين وذيل الفرس…”ص18.
ثم “… هز رأسه وابتسم وهو يشير إلى صدره (انا احمد أنت ميرا)… وهكذا صارا صديقين، او ربما مشروع صداقة، سر صداقة… ابنة مستوطن بطاقية ورشاش ضخم، وابوه يقول من اوسخ بشر… هو يعرف تماما ان ميرا ليست وسخة وليست قبيحة، بل هي للحق أجمل مخلوق رأته عيناه، وهي لطيفة ونغشة وحركة وتحب الاكس ونط الحبل بعكسه هو… كما انه لا يحب الكلاب بعكسها هي… فلديها كلب إفرنجي لونه ابيض اسمه (بوبو) تلعب معه وتطعمه…” ص28. وكذلك: “… رأى وجهها عبر العدسة… النمش البني على الابيض وأنف صغير كالفستق وشفاه حمراء طبيعية مثل الشقيق، ما اجملهما! لكنها سرقت عنبر (القطة)… وسمعها ترطن بالانجليزي مع أخرى (راشيل) شقراء أجنبية، الأجنبية مدت يدها… كانت شقراء بشعر قصير ناعم… نمشاء… قصيرة ونحيفة من القطع الصغير مثل ميرا…” ص211 .

سعـــــــاد:ـ

على لسان احمد:
“… زميلة مجيد في الفرقة (الموسيقية)، التي تقطن في نابلس… دعتهما إلى فنجان قهوة وجولة سريعة في السوق العتيق… صعدت بهما إلى منزلها في البلدة القديمة لتعرفهما بأمها حائكة الصوف… هبت نسمات عاطرة لازهار الفل… هنا بلاط منقوش بزخارف… جرداء… الاصوات من خلف الفل، الجيران وعزف منفرد… من الراديو وبكاء طفل… ورغم الضجيج… الا انه احس بانسجام عجيب مع الاصوات ووجوه البنات ورائحة الفل… ثم عيبال… وارتفاعه… مثيرا للرهبة والاعجاب… هنا مغر الثوار… وكذا تاريخ المدينة وابو سعاد… في معتقل الرملة… هنا الناس بسطاء بلا تحذلق وبلا بطانات ولا اسرار… رائحة الفل المختلطة برائحة الطبيخ… وصراخ الناس وباعة النعنع والفقوس ورائحة الخبز وزامور (بكب) يقتحم السوق… والسائق يزعق (وسع وسع)” ص58.
“… سعاد الجدية المجتهدة اضحت هنا في العلية امام القطة مثل الاطفال… تدرس أحياء سعاد هذه، وبدت الأحياء في عالمها شبكة علاقات منسجمة بين النباتات والمخلوقات وقطط وكلاب وعصافير… لا يملكون (اهل سعاد) حنينة ولا حديقة الا ان دارهم المعلقة فوق القباب والاقواس مليئة بأزهار بيتية ونعنع وياسمينة تتعربش فوق المدخل وتجعل منه عريشة صغيرة، اصغر بكثير… واجمل بكثير من الكازيبو (؟)…”ص60.

ام سعــــــاد:

على لسان احمد الروائية
“… التصق احمد بأم سعاد… كانت تعويضا عن أمه واجواء البيت… فهي صلبة، وكذلك حنونة وسخية كانت تحب ان تطعمه كلما جاء… سمبوسك… مناقيش واصابع زينب وعوامة… تحدث إلى ام سعاد وحكى لها قصة سجنه… سألت بفضول… وحدق في وجهها كي يسأل لماذا تسأل… لكنه خجل وابتلع السؤال، فهذه المرأة تجعله يحس بأنها امه مع انها ليست امه، بل هي نقيض لأمه فهي قوية وصلبة وبحبوحة وذات لسان مثل المبرد، ولها ضحكة ذات أصداء تهز الحارة، امرأة قوية وسخية وتحب الضحك وصوتها عال مثل المدفع وتنادي…” ص139 – 140.

“… فهي المسؤولة عن فتح البيت… المشغل وأجور البنات، منذ فارقها وقبع في السجن صارت إمرأة قوية. في البداية ككل النسوان،… في البيت تطبخ وتنفخ وتحبل وتلد مثل القطط والأرانب، في كل سنة ولد في البطن وولد في الحضن وولد يلتصق بركبتها حتى طفحت اركان الدار… فجاء اليهود ورحموها، اخذوا المحروس فقاس البيض وتركوا الدجاجة والصيصان، صاحت ناحت وشدت الشعر ثم انتفضت وبدأت تعمل… كبر الاولاد، وذهب سعيد ليدرس في الشام، وعزيز إلى المغرب ومروان هاجر لاميركا، ومحمود استشهد… وجميل راح وعماد راح وما بقي منهم إلا سعاد، فكيف يقولون البنات لا نفع لهن! وكيف إذن لا تحب سعاد؟ وكيف لا ينادونها يا ام سعاد؟ سعاد اذن هي ست الكل والنوارة، وابو الاولاد لم يورثها الا القلق والهم والغم ومصروف الدار ومصاريفه… محامي… الزيارة… ومصروف لدخانه وأكله والشرب والمدارس…و…و…و… شيء مقرف! هذا وذاك من اجل من؟ وبفضل من؟ بفضل الزوج الذي لم يرحمها؟ حين كان هناكان كالبغل، رأسه يابس. يصرخ الصوت فيهز الدار، يقول لها: وله يا حرمة وله يا هبلة، وله يا حمارة. وكانت تقول: طيب، طيب بس انت روق، طول بالك. وتركض هنا، ثم تركض هناك، تمسح لهذا، وترضع ذاك، وتعكز أمه للحمام، ثم سجن هو وماتت امه، وراح الاولاد وبقيت هي، ولو عاد اليوم وقال يا حمارة ستقيم الدنيا على رأسه. لكن للحق اصبح أحسن… في السجن احسن حالا، أهدأ بالا، ألطف وأظرف ويحكي النكت ويغازلها، علموه في السجن، صار بني آدم… مذهل، بسبب اليهود صار بني آدم…” ص142.

ثم انظر الحوار الذي دار بين النساء في بيت الوشمي ما قبله وما بعده ص 95 – 129.
وكذلك الحوار الذاتي لسعاد، ومن ثم حوار بين سعاد وأمها. ص172 – 182″ . وكذلك القطة. اصبحت القطة لها ذاتها داخل ذاته، صارت مرآة لأفكاره…” ص59 – 64 .

الشخصيــــات النســـائيــــة فـــي الـــروايــــة:

جميعهن مرن في مواقف، أزمات، تجارب او مراحل حياتية، أفضت إلى تحولات جوهرية في التركيبة النفسية – الاجتماعية – الانسانية لكل واحدة منهن، وكان منهن من ترافقت عندها هذه التحولات بالوعي ايضا، لم تتح الفرصة للقارىء بالوقوف على هذه المرحلة الحرجة من حياتهن او مرافقتها، وفي هذا قول، او على الاقل ما يستدعي تساؤلا: هل في اهمال هذه المرحلة ما يشير إلى الغاء شرعية التعاطي معها، لأنها تخص النساء؟ ام انه لا مكان في زحمة الاحداث (احداث الربيع الحار) لنوليها الاهمية التي هي جديرة بها؟ أم أن الروائية لم تستطع او لم ترد ان تفتح للقارىء نافذة يطل بها على ما يجيش في صدور هؤلاء النسوة، حيث ذلك بقيت تجربة المرأة كبقايا طلاسم، تضامنت معها على المستوى العقلاني الانساني، وكانت عواطفي ومشاعري مهمشة، المرأة في الربيع الحار لم تفتح لي قلبها ولم تعزف على اوتار قلبي، بل حاولت ان تستدر موقفي المتضامن معها، ولكنها لم تكن بحاجة إلى ذلك، فأنا آتية من هناك.

قـــــــــــــرأت:ـ

في الرواية “تصوير” للواقع الذي تعيشه المرأة، تصوير خارجي اعتنى بالرتوش، وكأن العناصر النسائية المشاركة في الرواية “عارضات” او معروضات” في شباك او “:صندوق العجب” كل على ما جاءت لتمثله من نموذج نسائي وقد استصعبت ملامسة همومهن.

رأيـــــــــــــت:

في النساء المعروضات في الرواية الوانا زاهية واحيانا براقة من الخارج معبرة عن مكان وزمان، ثم أسدل الستار، لم استطع ان انفذ ببصري ولم تتح الروائية لبصيرتي ان تتخطى الظاهر وان تقف على أعماق الشخصيات النسائية الواردة في الرواية (بإستثناء شخصية سعاد ولفترة وجيزة) وقد يكون هذا بالضبط ما ارادته الروائية، لم تخاطبني أي من النساء ولم املك إلى التواصل مع أي منهن سبيلا، في حوار حقيقي صادق المشاعر دون وجل او تردد، وكأن بيني وبينهن حاجز زجاجي غير منظور منعني من ملامستهن.

سمعــــــــــــت:ـ

في الرواية الكثير من الحركة والضجيج والفرقعات وبطبيعة الحال ايقاع المعركة، ازيز الرصاص ودوي القصف والطائرات، وسمعت النساء، كل لها صوت وصورة وكلمة تقولها بما يناسب المكان والزمان والموقف (لورا وأمها والكازيبو ورام الله) او (سعاد وأمها ونابلس) (الجدة وام احمد والمخيم وعين المرجان)، الكثير الكثير من الحركة والضجيج، ولكن افتقدت الايقاع الداخلي، فتشت عن النبض الانساني النسائي، الشخصي الفردي النفسي الخاص والمستقل للمرأة، فلم اجده، المرأة تقوم بكل هذه الحركة، لا بل إنها المحرك، ولكنها تأتينا على “طبق جاهز″، على لسان غيرها، وعندما تقف في مواجهة القارىء (الحوار بين العناصر النسائية ص95 -129) يأتي الحوار فوقيا، لا بل فوق أكوام من الجليد، مسطحا لا مكان للصدق الداخلي وما يعتمل في الذات الانسانية لكل منهن، بقيت النساء “تتراشقن الكلام” تماما كما يحدث في الواقع والحقيقة، ولكن، في الواقع والحقيقة أيضا حين تتراشق النساء الكلام فإن لهذا التراشق ينابيع داخلية دفاقة بعضها كصقيع الأرض وبعضها كدفء المواقد، لم استطع العثور على هذه الينابيع.

لاحقني اثناء قراءة الرواية، شعور بأنني ارى فيلما سينمائيا من الأفلام العربية المصنفة بين المتوسط والأدنى على خلفية مشاهد مأساوية من حياة الناس إبان الانتفاضة، تكثر فيه الشخصيات (النسائية وغيرها) وهذه الشخصيات لكثرتها لم تتضح معالمها، بقيت غامضة ومسطحة، نماذج تمثيلية، وكأني أنظر في مرآة تعكس لي ما ظهر من الصورة، دون ان تسعفني بحل اللغز، لغز الصمود والبقاء، اللغز الذي حيرني، ماذا تحتوي هذه التركيبة النفسية الانسانية لتجعلها قادرة على الاستمرار جيلا وراء جيل؟ على الرغم من معايشتها في ذات النسيج الاجتماعي “لال الوشاشمة” كرموز ان كان سلفا او خلفا، وبقي السؤال يجول في خاطري من أين تحتطب هذه المرأة وقود الحياة؟
اذا ما ارادت الروائية أن أبقى مع تساؤلي هذا، فقد نجحت في ذلك.

وبعدها تحدث الاستـــاذ محمــــد مــوســـى ســويلـــم فقـــــال:ـ

ـ اختفت التأتة حين تحدث مع الفتاة اليهويدية، أي نوع من ا لعلاج هذا ص27.
ـ عن القتل وان الحيوان يقتل ليعيش، وهناك المثل القائل “ان الطبع غلب ا لتطبع″
ـ المكايد والدسائس تحاك من الغيرة “قضية تسفيره إلى ايطاليا”، حزن اخيه على الفراق – القطةة – (عنبر) ـ مجد ـ ميرا.
ـ وصف الاب لابنه بالقاتل وسلم نفسك.
عيني بعينك برحمة امك انت القاتل؟
هز مجيد رأسه، وهمس باشفاق.
الواشمي لا.
هتف الرجل.
وغير الوشمي؟
لم يجب الشاب.
لمن يسلم نفسه.

ـ تجربة السجن جعلته اكثر انفتاحا ولم يعد يتحدث عن النظارة الشمسية والساعة كما في الطفولة، تجربة في تهريب مجيد ورؤيته ماذا يفعل الامن الوطني والفصائل واتحادهم في الهدف أنسته حتى أمه وابيه.

ـ النص بعد 35 مقطوع فبعد ان وجدتهم لورا بنت الواشمي بين ا لزيتون انتقل النص مباشرة إلى عائلة الوشمي، والمعروف ان عائلة الوشمي تقيم في رام الله ولورا وجدتهم في نابلس.

“الجزء الثاني”

ـ لا يوجد أي ذكر لمدرسة احمد والتعليم اثناء تلك الفترة.
ـ عدم المعرفة الجغرافية للبلد (حادثة الغزاوي).
ـ الحديث عن التكاتف والتضامن وقت الشدائد في جميع المواقع والازمان حديث جيد.
ـ فقدت القصة او الرواية عنصر الايثار (او حب الغير).
ـ التناقض في المفاهيم ” ان الطبيب في آخر كشف طمأنني وقال الكسور في جمجمتي باتت اصلب وان الارتجاج ثبت اخيرا وبت طبيعيا عاديا مثل الباقين عادي جدا، لكن سعاد تقول العكس تقول إني اسوأ لاني اهتم بالمنصب والتلفزيون واني لا اختلف عن الباقين” ص171.
ـ الوصول إلى مرحلة يأس ـ فشل ـ عدم نجاح ـ عدم قناعة ـ عدم وضوح ـ اختلاف الرؤىء النص (55 – 56). في الصراع الدائم او الدائر حاليا وما يترتب في المرحلة اللاحقة هناك حلقة مفقودة.

ـ المفهوم الغربي عن الدين والوطن والتاريخ وحتى عن المعاناة الانسانية، مفهوم مغلوط.
“نحن بلا ارض بلا سماء ولا حق نحن بلا بيئة ولا انسان وتقول الدين لرفوف المكتبة”.
“الدين منطق، الدين حقوق انسان، حقوق حيوان، حقوق التعليم، والهواء والماء وحتى الاوزون ، الدين تاريخ ما لنا وماله؟ خلي التاريخ للأكاديميين ورفوف المكتبة “الدين انسان” ص215.

جسدت الرواية فترة واقعية من احداث جرت في فترة معينة وزمن محدد من تاريخ عاشه الشعب، صدقت الرواية او الكاتبة في نقل تلك الاحداث التي مثلت جزءا مهما ومعبرا عن الواقع التي نمر فيه.

في نظري انطبق المثل الشعبي عن تلك الاحداث:ـ
1- دار البصل وادور ونسي زمانه الاول.
2- المتعوس متعوس ولو علقوا في قفاه فانوس.
3- ناس تتفرج على هم ناس.
4- ما بحك جلدك الا ظفرك.
5- ما في إشي بجيبك من القرى يصر القلب.
6- يرحم من بكاني وبكى علي، ويلعن من ضحكني وضحك علي.

وبعده تحدث الأستــــــــاذ خليـــــل سمــــوم فقـــــال:ـ

ـ كتاب قطعة جيد، وكذا ورقه وطباعته.
ـ الغلاف ذو لون هادىء، عنوانه واضح، وهو أكبر حجما من اسم الكاتبة، وهذا شيء جيد.
ـ صورة الغلاف ممتازة، ورغم أنها صغيرة، إلا انها تلخص محتوى الرواية، صورة شاب فلسطيني يبدو مصابا، يلطخ دمه جسمه، وما حوله، وتبدو يده جبارة، ووجهه فولاذيا، لكن التعب نال منه كثيرا، لأنه بذل مجهودا جبارا، وهذا هو حال الشعب الفلسطيني.

ـ الرواية مشوقة جدا، فهي تشد القارىء لقراءتها من نهاية الصفحة الأولى وحتى نهاية الصفحة الاخيرة.
ـ المتحدث الكاتبة الأسلوب الملحمي في السرد، فهي تقص روايتها بضمير الغائب، وتجعل من نفسها راوية تسرد الأحداث، ولكن مع تدخل كبير من جانبها.
ـ تجري أحداث الرواية في زمن معين، وكذلك في مكان معين، وهو نابلس ورام الله، وبذلك استطاعت الكاتبة ان تحدد روايتها بأبعاد زمانية ومكانية واضحة.

ـ وما يلفت النظر في هذه الرواية هو ذلك الرسم الدقيق للشخصيات بحيث إن القارىء لا يجد صعوبة في الرحيل مع كل شخصية على انفراد حتى تصبح تلك الشخصية مألوفة كأنها تعيش معه، جدير بالذكر ان شخصيات الرواية هي حية متنامية حتى النهاية.
ـ تقول سلمى الخضراء الجيوسي في كتابها (الادب الفلسطيني المعاصر) عن سحر خليفة: (ورغم أن سحر خليفة تكتب بالعربية الفصيحة، فان لها قدرة عجيبة على استعارة العامية الفلسطينية وتعبيراتها الدارجة عندما يقتضي حال الحوار في الرواية).

ولكن سحر خليفة في روايتها هذه، لم تكتف باستعمال العامية الفلسطينية وتعبيراتها الدارجة في الحوار، لكنها استعملتها ايضا – وبشكل لافت للنظر ـ خلال السرد! فماذا كان قصد الكاتبة من ذلك؟!
كفلسطيني، فهمت الرواية كلها، ولكن كيف سيفهمها المصري والسوداني والعراقي والليبي؟! ونحن بأشد الحاجة لكي يقرأ لنا كل العرب.

ـ ولقد لفتت نظري في الرواية الفقرات التهكمية الأربع التالية:ـ
1- صفحة 147: (هرب السكان إلى الداخل، وامتلأ الحوش بالمنكوبين والمصابين وعويل الأطفال والصبايا، والتصق الجرحى بالجدران والزوايا لأن الجامع امتلأ بمئات المصابين والمبتورين وجثث ممزقة محروقة، وروائح كريهة والغازات والحرائق، وبراز الاحشاء المفغورة، وتبول الناس على أنفسهم، فهذا يشخ على حاله، وطفل يتبرز ويتقيأ، وبقايا كلب متفحم، ومصاب يصرخ مشان الله، عشرات يصرخون مشان الله، لكن الله كان مع النصر في الدبابة ونسي الجامع)!!!

2- صفحة 148: (هؤلاء الناس مثل الايتام، بلا مأوى وبلا طعام وبلا رب يرعاهم. فماذا فعلوا حتى ينالوا كل هذا؟ وماذا فعلوا؟ سرقوا؟ نهبوا؟ قتلوا؟ حرقوا؟ لماذا يا رب كل هذا؟!)

3- صفحة 153: ( صاح الجنود: “يا أهل نابلس يا شراميط، إحنا جايين نفعل فيكم”، كان ذلك من مكبرات الصوت المنتشرة فوق مآذن وضعت هناك خصيصا لنداء الرب، ولكن الرب كان بعيدا، وكانت نابلس تحترق ببطء.

4- صفحة 158: (عندما قتل القائد ابو رامي قال ام سعاد وهي تبكي: إرحمه يا رب، الرحمة تنزل على روحه، كان أحسن أب، وكان أحسن أخ، كان أحسن قائد في الدنيا، وبموته يا رب يتمتنا، لماذا يا رب ولكن عتبي عليك يا مولانا، يا سيدنا، يا مالك الملك، لماذا تأخذ الأحسن وتبقي الأنذال)؟!

ـ واخيرا، فإن هدف الرواية كما قالت الكاتبة في الاهداء: (حفر التجربة في الذاكرة ووعي الأجيال)، وبعد أن قرأت الرواية وجدت أنها تستحق فعلا ان يقرأها كل انسان من جيلنا، وكل فرد من الأجيال القادمة، وذلك لأن مضمونها جزء مهم من تاريخ الشعب العربي الفلسطيني.



اترك تعليق