رواية “بطعم الجمر”في اليوم السابع

Oct 25

القدس: 23-10-2014 استضافت ندوة اليوم السابع الثقافية الأسبوعية الدورية في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس، الأديب الفلسطيني المعروف أسعد الأسعد، حيث ناقشت روايته الجديدة “بطعم الجمر” الصادرة عام 2014 عن دار الجندي للنشر والتوزيع في القدس، وتقع في 142 صفحة من الحجم المتوسط.

بدأ النقاش مدير الندوة ابراهيم جوهر فقال:

بطعم الجمر رواية أسعد الأسعد

تنعى مرحلة أوسلو برمّتها

عشت هذا النهار مع (زيد) وعودته المبتورة إلى (المتاح من أرض الوطن) و(رباب) المريضة الساكنة في المرض والنسيان. زيد العائد، ورباب الباقية، وبينهما أوسلو الذي أدخل العدو من الشباك بعدما أوهمنا أنه خرج من الباب….وبين البينين والبين الكبير (!!) كان (سالم) الابن الذي يحمل من اسمه دلالته وسلامة تفكيره واختياره.

سالم الذي يختفي بين أشجار الوادي وكهوفه يجتذب والده العائد الخائب في النهاية.

أستذكر في نهاية رواية (أسعد الأسعد) طنطورة (إميل حبيبي) و(باقية)، إذ الانتصار في النهاية للنهج المقاوم وإن حاول (المتعقل) التساوق مع إفرازات المرحلة، وطلب الهدوء والسكينة، لأن (الآخر) لا يمكّنه من رسم حياته الوادعة كما يريد.

أدب مرحلة (أوسلو) بدأ يعلي الصوت منتقدا المرحلة في محاولة لطرح البديل الذي تارة يكون بالعودة إلى أساليب المواجهة التي كانت في البدايات، أو الاستعانة بأسلوب المواجهة الشعبية…الخ.

والبدائل المطروحة مباشرة أو تلميحا تستند إلى تجربة السنوات العجاف من عمر (أوسلو) وتطبيقاتها المشوهة وهي لم تحقق طموحات الذين حلموا بوطن، أو شبه وطن، كان عبّر عنه الراحل (محمود درويش) بـ: المتاح من الوطن.

في رواية أسعد الأسعد (بطعم الجمر) نقف على عودة تحت سقف منخفض منذ لحظة دخول (زيد) أرض الوطن ليفاجأ بالاحتلال وهو باق على ما كان عليه، فلم ير مظاهر التحرر ولا الحرية والاستقلال. ثم يقود الكاتب قارئه مستعرضا حال الشعب والوطن وهما تحت عيون المحتل الذي خرج من الباب وعاد من عيون الأبواب الخفية والعلنية، ويكون الحل بالانضمام إلى كتائب المواجهة الرافضة وطنا يراقبه محتله ويتحكم بمصير أبنائه ومستقبله.

بطعم الجمر تحمل رسالتها المقنعة، وتنحاز إلى الناس وروح المقاومة بصراحة لا تنقصها الجرأة في النقد الداخلي.

ولغة الكاتب التي تجيء استمرارا للغته في رواياته السابقة حافظت على متانتها وروحها الأدبية التي أخذت من بستان الشعر بيانه وصوره وإيحاءاته، ومن الرواية تفصيلها وهدوءها في السرد، وجمالها في الوصف.

بطعم الجمر هي حياتنا التي يجب أن تتغير.

وقال عبدالله دعيس:

رواية “بطعم الجمر” والاغتراب في الوطن

لم تمت رباب

يهدي الكاتب أسعد الأسعد روايته “بطعم الجمر” الصادرة عام 2014 عن دار الجندي للنشر والتوزيع في القدس إلى رباب التي سكنت زوايا ذاكرته، ويجعلها شخصية رئيسية في روايته، يحكم عليها بالمرض العضال الذي يلازمها منذ أن تُذكر أول مرة في الرواية حتى نهايتها. يجعل القارئ يحسّ أنها ستلفظ أنفاسها الأخيرة في أي لحظة، فيرسم صورة الموت على وجهها، لكن الرواية تنتهي ورباب تبقى على قيد الحياة.

هل رباب هي الوطن؟ فالوطن لا يموت مهما ضعف! كانت رباب قوية حينما كانت تعين زيدا على مقاومة الاحتلال، ثم غدت ضعيفة عندما عاد زيد إلى أرض الوطن بعد توقيع اتفاقية أوسلو. عاد ليجدها تعاني من ألم المرض، تماما مثل فلسطين التي حملت فوق رزء الاحتلال أوزارا حمّلها إياها أولئك الذين تهافتوا على توقيع أوسلو.

عاد زيد بعد اثني عشر عاما ليجد الاحتلال ما زال يربض على صدر فلسطين كما تركه، فحواجزه ما زالت تقطّع أوصال الوطن، والكابتن روني ما زال يلاحقه في كل مكان. وليجد فلسطين تثقل كاهلها سلطة هزيلة تكمّل العمل الذي ترفّع الاحتلال عنه.

عاش زيد في ظل الاحتلال قبل إبعاده، لوحق وسُجن وعُذّب، رأى قبح الاحتلال ووعاه جيدا. رأى الدمار الذي ألحقه العدو بالأرض والإنسان بجلاء ووضوح، لكنه في الوقت ذاته كان يرى جمال فلسطين: أريحا ورام الله التي عشقها وبحر غزة وعنبها. كانت فلسطين جميلة رغم وشاح السواد الذي اعتراها.

عاد زيد من غربته خارج الوطن، ليعيش الاغتراب داخل وطن يتظاهر بالحرية بينما يشل الذل أوصاله، ليرى فلسطين كما كانت، ترزح تحت نير الاحتلال، تطول يده كل بيت وحي، وجنوده يلاحقون صيادي غزة وفلاحي رام الله.

وفي هذه المرة، لم تكن فلسطين جميلة كما عهدها. لم ير زيد جمال الشاطئ ولا وشموخ الجبال، بل رأى الجموع التي تهرول نحو حاجز قلنديا بغير نظام أو احترام، رأى الأغبرة التي كانت تكسو المباني العشوائية المحيطة بمخيم قلنديا، والطرق الوعرة داخل الكسارات. رأى المستوطنات تتضخم وتتمدد، ورأى الجندي الفلسطيني الذي يستميت لحمايتها! لم تكن فلسطين جميلة، كانت هزيلة عليلة، تماما مثل رباب التي تصارع الموت.

يبث الكاتب أفكاره بأسلوب بسيط ولغة سلسة منسابة. يستخدم ضمير الغائب، ويشير إلى بطل القصة بـ(هو) لدرجة أن القارئ يشعر أن زيدا بعيد هائم غريب، ثم يعمد إلى الالتفات لضمير المتكلم، ويجري حوارا داخلي بين زيد ونفسه حتى لا يستطيع القارئ أن يفرق بين شخصية الراوي وشخصية زيد، ممّا يوحي له أن الكاتب يكتب شيئا من تجربته الشخصية.

زيد الذي عانى من أجل فلسطين وعشق أرضها وضحى بحبه من أجلها، وزيد الذي عاد تحت بنود اتفاق هزيل ليجد فلسطين تتنكر لأبنائها الذين جاهدوا من أجلها، وتهب نفسها لأولئك الذين سهل عليهم التنكر لها وخيانتها. هذه المفارقة بين شخصية زيد المناضل، وزيد الذي نسي وطنه وارتمى في أحضان الغانيات في العواصم الغربية، حتى نسي أسماءهن وأشكالهن لكثرتهن، ونسي رباب التي كانت تنتظره في رام الله وترضع ولدهما سالم حب الوطن، تعكس المفارقة بين المجاهدين الشرفاء وألئك الذين يرفلون في أثواب الخيانة والخنوع.

لفت نظري اللقاء الفاتر بين زيد وأمه بعد غياب اثنتي عشرة سنة، كان لقاؤهما باهتا تماما كلقاء زيد مع وطنه عند عودته. لم يشأ الكاتب، أو فاته، تصوير هذه اللحظات الوجدانية بصورة توضح حميمية اللحظة التي وصل فيها إلى وطنه واللحظة التي قابل فيها أمه.

الكتاب يزخر بالأخطاء المطبعية في كل صفحة من صفحاته، حيث نلاحظ أن كثيرا من الأسطر تبدأ بفاصلة! وأن بعض الفقرات تنتهي بفاصلة بدل النقطة! بالإضافة إلى بعض الأخطاء الإملائية. كان الأجدر بكاتب في مكانة الأستاذ أسعد الأسعد أن يراجع الكتاب بشكل أفضل وأن يخرجه في أبهى حلة.

ينهي الكاتب الرواية بأن يجعل الشاب “سالم” يختار طريق المقاومة مبتعدا عن وهم السلام المزعوم. أما زيد فيغيبه الوادي متماهيا مع أشجار الزيتون وأشجار البلوط  والعليق. يغيب في حضن وطنه ويعود إلى أصوله، وتعود إلى فلسطين بهجتها.

وقال جميل السلحوت:

عنوان الرواية: تحمل الرواية عنوان”بطعم الجمر” فهل للجمر طعم؟ وهل نتذوق الجمر أم أنّنا نحسّ حرارته؟ ويبدو أنّ أديبنا أراد القول بأنّ المنغرس في أرضه في وطن أثقلته بساطير المحتلين كالقابض على الجمر.

الاهداء: يهدي أديبنا روايته هذه “الى رباب التي سكنت زوايا ذاكرتي، وزيد الذي حمل بعض ملامحي، وما برحت تفاصيله تلاحقني أينما رحلت”ص5. وهذا اعتراف من الكاتب يؤكد فيه أنّ زيدا هو الكاتب نفسه، وإن كان مطعّما بخيال خصب جميل. وواضح لمن قرأ روايات أسعد الأسعد السابقة أنّ هذه الرواية هي امتداد لرواياته السابقة التي ابتدأها برواية”ليل البنفسج” التي صدرت في العام 1989. طبعا باستثناء رواية “الطريق الى سمرقند” فموضوعها مختلف. وشخوص الرواية هم أنفسهم شخوص الروايات السابقة، بل ان بعض الأحداث جرى تكرارها أيضا، وهذا يؤكد من جديد مقولة “أنّ الكاتب قد يكتب شيئا من سيرته الذاتية في كتاباته.”

مضمون الرّواية: يرتكز موضوع الرّواية على عودة أحد المبعدين الفلسطينيّين “زيد” الى أرض الوطن، بناء على اتفاقات أوسلو الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل في أيلول 1993. ولكنه يُصدم بأنّه لم يعد الى وطن محرّر، فالاحتلال لا يزال قائما، وعذابات الشعب الفلسطينيّ تزداد يوما بعد يوم، بل إن الأمور ازدادت تعقيدا، وأن الصّراع يمتدّ من جيل الى جيل. فمثلا سالم بن زيد الذي كان طفلا عندما أبعدوا والده عن أرض الوطن، أصبح هو الآخر مطاردا من المحتلين.

البناء الروائي: استطاع الكاتب أن يطرح فكرته بلغة انسيابية لا ينقصها عنصر التشويق، وقد طوّر الحدث الرئيس بطريقة منطقية، وهو عودة زيد إلى رام الله، من القاهرة مرورا بقطاع غزة، ومكابداته في عبور النقطة الحدودية بين قطاع غزة ومصر، وكذلك في عبوره معبر بيت حانون”ايرز″شمال قطاع غزة وهو في طريقه الى رام الله، وكذلك تسلّله الى مدينة القدس لزيارة زوجته المريضة بالسرطان في مستشفى هداسا عين كارم، وأثناء علاجها بالكيماوي في مستشفى أوغستا فكتوريا “المطلع″ في القدس العربية المحتلة، ساعده في ذلك معرفته الدّقيقة للمنطقة بقراها ومخيماتها ووديانها وجبالها، وهذا التسلّل لم يكن بعيدا عن عيون الأمن الاسرائيلي. لكنّهم كانوا يغضون النظر عن بعض حالات التسلّل. وقد جاء طَرْح الكاتب لقضية التسلل الى القدس ليبيّن كيف أنّ القدس العربيّة جوهرة الأراضي الفلسطينية المحتلة في حرب حزيران 1967  وعاصمة الدولة الفلسطينيّة العتيدة، قد حوصرت بشكل تام بعد اتفاقات أوسلو، وأحيطت بمعابر هي أشبه ما تكون بمعابر حدودية بين الدّول المتجاورة والمتحاربة.

ملاحظة: يبدو أنّ الكاتب قد تعجلّ في دفع الرواية الى الطباعة قبل تدقيقها، فقد ورد فيها عدد من الأخطاء اللغوية والاملائية والنحوية التي كان يمكن تلافيها لو تمت مراجعتها قبل الطباعة.

وقالت سوسن عابدين الحشيم:

تحكي رواية “بطعم الجمر” قصة زيد الذي نفي الى لبنان لمدة خمسة عشر عاما، تاركا زوجته رباب وابنه سالم يعيشون مآسي الحياة وظلم الاحتلال الاسرائيلي الغاشم في قرية عين مصباح احدى قرى رام الله. يبدأ الكاتب روايته بسرد الوقائع التي مرّ بها زيد منذ اعلان اتفاقية اوسلو والتي من بنودها عودة المبعدين الفلسطينيين الى وطنهم، وصف الكاتب رحلة العودة ابتداء من القاهرة والمبيت فيها والتنزه على كورنيش النيل في ساعات الليل المتاخرة، والتجول في شوارعها وأزقتها التي تعج بالناس والسيارات، رسم الكاتب لوحة جميلة تصف القاهرة والنيل ثم يصل بنا عبر العريش الى معبر رفح، كانت رحلته شاقة ومتعبة، ولكن يختفي التعب عند وصوله الى غزة، وتحقق حلمه بالعودة الى وطنه، فيتجول في شوارع غزة ليسترجع ذكرياته التي كانت دوما في ذاكرته، حيث تبين له أن غزة لم تتغير رغم مرور خمسة عشر عاما على رحيله منها، حيث قال في صفحة ٥٣ “كأن الزمن توقف عند شاطئ غزة”. يصف الكاتب معاناة الصيادين على هذا الشاطئ وما يواجهونه من مخاطر من أجل الصيد متخفين من حرس السواحل الاسرائيلي وتعرضهم للرصاص =، فعرض قصة أبو علي أحد الصيادين الذي  أصيب برصاصة، وتم نقله بنفس السيارة التي تقل زيد الى مستشفى الشفاء لتلقي العلاج، حيث شاهد زيد عددا كبيرا من المصابين الذين واجهوا نفس المصير مثله، يتساءل الكاتب بطريقة هي اقرب الى الفلسفة عن سبب تعلق الانسان بوطنه؟ فبعد وصول زيد الى الشاطئ يتمتع بمنظر البحر الرائع راسما لوحة جميلة جدا يصف فيها مغيب الشمس عن البحر، تبدو عليه علامات التعلق بغزة، فيقول كل شيء هنا مختلف، مع انه سافر الى  اوروبا ولم يشعر بجمال وروعة مدنها كما يشعر  بجمال غزة وبحرها المميز… لا شيء يعدل الوطن، يجيب الكاتب على اسئلته التي بهذه الجملة هي الحنين الى الوطن، لماذا نتعلق باوطاننا؟ هل هم الأهل والأصدقاء؟ أم الارض التي مشينا عليها وكبرنا في احضانها؟ أم البيت الذي ضمنا؟ أهو المكان أم الزمان أم الذكريات التي نحملها في أعماقنا؟ يحلم زيد ويسترسل في حلمه بالعودة ولكن أيّ عودة وهي بطعم الجمر؟ لم يكن يعرف ماذا ينتظره؟ كان يعيش حياته في المنفى ويسافر ويقيم علاقات كثيرة كأنها محطات سفر، يغادرها دون أن يتذكر منها شيئا، ولكن أهله ووطنه يظل عالقا في مخيلته، حيث يقول أن عقل الانسان كالحاسوب يخزن في الذاكرة، ولكن نستطيع أن نمحو ما نخزنه بالحاسوب، ولا يمكننا فعل ذلك في عقلنا، فلا نملك القدرة على محو حلم يرسخ في ذاكرتنا، حلم العودة الذي طالما انتظره يتحقق الآن ويصل رام الله ويرى ما لم يتوقعه، زوجته بالمشفى تعالج من مرض السرطان، وابنه سالم يسير على خطى أبيه، يواجه الاحتلال ويعيش في خطر ملاحقته من جيش الاحتلال، صدمة أخرى أحبطت زيدا وجعلته يتراجع عن حلمه الذي اعتقد انه تحقق، وقد حصل على حريته وقد تحرر وطنه، ها هو الآن مقيد ومحاصر وممنوع من دخول القدس؛ ليرى زوجته المريضة، فكل الشوق والحنين لها يجابه جدار الفصل العنصري، فيتساءل أيّ اتفاقية وأيّ سلام ؟ هل السلام أن يدخل القدس بتصريح أو تهريبا؟ هذا هو حلمه يذوق فيه طعم الجمر فيحترق بلهيبه، يسترجع ذاكرته بكلام أبيه، بعد محادثته يستجدي منه جوابا لأسئلته، لماذا تقسو الحياة علينا بهذا القدر؟ نحبها ونتمسك بها، لكنه الموت يا أبا زيد، انه الرحيل الأبدي، الرحيل الذي لا يحتمل”   فيجيب أبوه بهذه الكلمات المؤثرة، نحن يا بني لا نملك أن نغيّر أقدارنا”ص ١١٥، يختم كاتبنا روايته بموت رباب واختفاء زيد لاحقا بابنه الملاحق من  قبل جنود الاحتلال،، اراد الكاتب في روايته توجيه نقد ساخر لاتفاقية أوسلو، فيعود الزمان كأن  اتفاقية أوسلو لم تعقد الا لمساعدة الاحتلال في الحفاظ على أمنه وأمن مستوطناته من قبل سلطة وطنية، تسيطر على الوضع الراهن، حيث يستطيع جنود الاحتلال مداهمة أيّ منطقة تقع تحت ما يسمى بأراضي الضفة الغربية وباشراف السلطة الوطنية الفلسطينية.

وقال راتب حمد:

زيد أو لنقل اسعد الاسعد العائد الى الوطن يغرق بمياه النيل بين مصدق العودة الى الوطن  غزة وبين مشكك، لكنه يستسلم للأمر لأنه اقل ما يكون عائد ولكنها عودة غير محمودة – هكذا يظهر زيد من خلال الرواية – لأن فيها من العذاب والاهانة ما فيها،  انتظار، اهانة، تحقيق عذاب، ولكنه الوطن يسكن فينا مهما ابتعدنا عنه.”الأرض باقية لا ترحل، الناس هم الذين يرحلون وإنما البشر الذين يعودون”.

تشكل فلسفة زيد  الثبات على الارض وعدم تركها مهما واجه الانسان من صعوبات، صور كثيرة رسمها زيد من العذاب الذي عايشه من قبل، فالعودة اليوم تعطي صورة الألم الذي عايشه بالأمس، ألم اللحظة من ساعات الأمس الأليمة، وكأن جنود الاحتلال يتلذذون  بعذابات الناس وذلهم، أي عودة هذه؟  أي إتفاقية تقبل هذا الذل؟ ولكنها مرحلة – كأنه يريد أن يقول – قبلنا اليوم بهذا ولكن أجيال الغد هي من تقرر، وسالم أصبح رجلا وهو يدرس في جامعة بيرزيت، وعشق الوطن وحبه وصيته للأجيال وكل جيل يورث هذا الحب للجيل الذي يليه وهذا ما كان الأعداء يراهنوا عليه “الكبار يموتون والصغار ينسون.”

وقبل الدخول إلى غزة يعزف أسعد الأسعد على وتر التنسيق الأمني “هناك مكتب ارتباط في الجانب المصري / التنسيق الأمني من اليوم الأول ولذلك كان الكابتن روني بانتظار زيد “ألم أقل لك ، سوف تجدني أينما ذهبت (ص47)”، وسيتكرر المشهد مع روني هذا لاحقاً كأنه وظف من أجل زيد فقط ولكنه التنسيق، من يدخل؟ ومن يخرج؟ ومن يسمح له ومن لا يسمح له …

ولكنها الحقيقة ها أنت يا زيد في أراضي السلطة الفلسطينية، نعم إنها الحقيقة .. (ص50) ومنذ اللحظة الأولى يبدأ زيد باستعادة الذكريات ومعارفه القديمة للشوارع والأحياء، غزة لم تتغير كثيرا، شوارعها لا تزال ترابية، والشوارع المعبدة لا تزال كما هي قبل خمسة عشر عاما، والحصار ما زال كما هو، أبو علي يصاب بعيار ناري من الدبور الاسرائيلي أثناء الصيد وما زلنا لليوم إن لم يزد ذلك، وكذلك فإن الاحتلال لا يزال بالقطاع يعربد وقد أدرك سخف ما يجري، أي سلام هذا؟ قال سلام هذا … إنه سلام القوي يا عزيزي ص76.

لقد نجحوا في احتلال الأرض بعد أن طردوا أصحابها، صحيح فقد أطلقوا كذبة صدقوها ومن ثَمَّ أقنعوا العالم بها ص77، إنهم أذكياء …. ونحن أغبياء… لا شك أغبياء وهذا بحد ذاته يفتح الأبواب للاستسفار.

إنها غزة، تأخذك بسحرها وجمالها، وكلما تزداد معرفة بها كلما تمسكت بها أكثر و”زيد” يأخذنا إلى هناك ليقول انه يعرف كل شيء، مركز رشاد الشوا، المجلس التشريعي، الجندي المجهول، شارع عمر المختار، مبنى السراي، سينما سامر، سوق فراس، حارة الزيتون، الشجاعية (أنت سائق وأنت أدرى بشعاب غزة ص83)، إنه يرسم خارطة معرفة القطاع غزة، ليتركها ويرسم خارطة الوصول الى رام الله تاركا القطاع، مودعا بشجرات الجميز التي هي أقل ما تكون شاهدا على ما سبق أنها الطريق، المستعمرات، الذكريات، قرية عاقر، المطار العسكري،قرية المسمية، قرية السوافير، قرية جولس، بيت محسير، دير محيس، خلدة (قرى يافا)، دير اللطرون ثم يواصل الطريق قرى عمراس، ويالو، وبيت نوبا هذه الذكريات الأليمة أورثته غصة وجفافا بحيث لم يقو على الترجل من السيارة ليشرب، لقد اقتلعوا الزيتون الرومي الكبير وأخذوه ليزينوا شوارعهم وساحاتهم، “الطّيبون والسّذج فقط هم الذين يلتزمون بتوقيعهم أمّا هؤلاء فلا عهود لهم، وهم ليسوا طيبين وليسوا سذجاً” ص 97

وعلى حاجز التفتيش يأخذ أوراقه ويلعن أوسلو وكل من شارك فيها (ص89) . وأخيرا الحاجر الفلسطيني كأننا بحاجة إليها “نحن نهبط الآن أرض دولة أوسلو العتيدة، شدوا الأحزمة، اكتموا أنفاسكم، أعني توقفوا عن التدخين، استعيذوا بالله، وصّلوا على النبي” (ص89)

إنهم يقلّدونهم… إلا في شكل الجنود ….

نعم ها هو في عين مصباح وشريط الذكريات ليصل ويفاجأ بمرض رباب الخطير، ووجودها بمستشفى هداسا، وتبدأ رحلة عذاب في عذاب أخرى القدس، مخيم قلنديا، طريق الكسارات، عناتا حزما، شعفاط، بيت إكسا، بيت حنينا، راموت طريق يافا تل أبيب، طريق دير ياسين، عين كارم، المستشفى، وهنا مرة أخرى كابتن روني …لقد تبعتك من حاجز قلنديا “ص102″ إنها طريق العملاء الذين يشون بالأهل والأحبة، الغرفة 402 يلتقي بأمه ثم رباب وقد بدت مرهقة….تقول أمّ زيد “ابك يا حبيبي ليس في الحياة ما يستحق البكاء أكثر من رحيل الأحبة” ص 104، وتبدأ رحلة رباب مع زوجها والعلاج الكيماوي في مستشفى المطلع، ها هو سالم يجلس مع أبيه ويصارحه ويغرق بالأحلام، ولكنه يقول من منّا سيرحل قبل الآخر ….صورة سالم يتفوق على والده، شاب يعرف أين يقف وإلى أين يتجه.ص131.

الكابتن روني يعود سائلا عن سالم، ولكن والده يقول سالم أصبح رجلا وهو يملك قراره ويعرف طريقه…نفس المعاناة قبل عشرين عاما… وستبقى.

اللغة عند الكاتب تنساب بسحر وجمال، تصوِّر اللحظة بأجمل معانيها يقول “فإن للنص كما كما للصورة، كما للشعر، معانٍ أخرى لا ندركها ولا نلتقطها، ما خفي دائما أعظم، وأكثر سحرا وجمالا، نعم فالكاتب يغرق بالحديث مع نفسه كأنما يستعيد نصا؛ لينتصب المشهد أمام ناظريه كأنه لوحة لا صلة لها بالواقع.”

وقال نبيل الجولاني:

في روايته بطعم الجمر أسعد الاسعد

يفتح البوابات على مصاريعها

كتب أسعد الاسعد عن حلم اجتهد وجاهد كي يغوص فيه بذاكرة ناعمة طالما أرقته، ولكنه رمى أحلامه القديمة في النيل كما كان يفعل المصريون القدماء عندما كانوا يلقون بأجمل العرائس في النيل حماية لانفسهم من فيضانه وغضبه، فرمى أحلامه في النيل خوفا وحماية لعجزه عن تحقيقها.بعدما تبددت وضاعت وذهبت بعيدا كمياه  نهر النيل الجارية، والتي لا تعود مرة أخرى لان مياه النهر لا تتكرر، وكذلك الفرص والزمن والتاريخ لا تعود الا الى مرحلة الاياب، طالما أننا فقدنا الخطاب والصواب وركضنا وراء السراب.

ظل زيد في طريق شروده لا يلوي على شيء سوى تكنيس واقعة القذر الذي انتهى اليه. حيث كان يأوي الى أُمّ العيال جالبا لها ما يتصدق به الآخرون كحد أدنى، والحد الأدنى يحمل العجز والأزمة في طياته. أجل إنّه تعميق للغياب والتنازل والتيه الذي تعودنا وعودونا عليه بفعل سذاجتنا ومكرهم ودهائهم ومكائدهم المستديمة. وركبنا الحافلة الى كافة المحافل حتى لا نضّيع فرصة الحل، هكذا اعتقدنا وهكذا توهمنا. وكان كل شيء سرابا في سراب. وحينما عَمّ الخراب أصبحنا نبحث عن راحة البال، فقط راحة البال عن المساحات الخضراء والبيوت الجميلة والمانحين متعددي الجنسيات عبر بوابة كامب ديفد. وبوابات أخرى ضيقة وهابطة. حتى أصبحنا عراة أمام أنفسنا لا نستطيع حمايتنا، ولا أحد يحمينا أو يرغب في حمايتنا.

في الواقع كلنا نحب الوطن، والحب سواء حب الوطن أو سواه حب كلي لا يتجزأ، فالذي يحب وطنه يُحب كل مكوناته، والذي لم يمس حسه العصبي حالة حب والذي لا يحب امرأة ويعشقها بالتأكيد لا يحب وطنه وتفرعاته، فالحب ليس كلاما بل هو تاريخ وثقافة وانتماء وفكر وممارسة، منهج وتطبيق، فعل وتفاعل وانفعال، ومبدأ وقضية، وموقف ينبغي أن نعيش فيه ولأجله ومعه، وبه نحيا من أجل  أن يحيا الوطن، لا أن نموت عليه كما يقول المحب لمعشوقته (أموت فيك) بل يجب أن يقول لها أعيشك وأعيش فيك، خاصة وأن الحب ليس (أعمى) كما يَدعي الجهلة، بل هو مرئي وجَلي وواضح وضوح فهم وروح وثقافة وفكر وعاطفة المحبين لبعضهم البعض.

وفي رأيي أنّ التكرار في رواية أسعد الاسعد(بطعم الجمر) انما جاء بُرهاناَ لثبات الحدث والذاكرة بان الواقع ما زال كما هو، كما يقول منذ أن شاهدته آخر مرة قبل اثنى عشرَ عاما أو خمسة عشر عاما لم يتغير شيء في غزة أو في رام الله، بقي كل شيء على حاله سواء الزقاق أو الشارع أو المباني والاماكن بعناوينها، أو شجرة الجميز أو شجر الصنوبر أو سلسلة الجدار قرب العريشة،  لم يتغير شيء ولم نتطور أو نُطَوِر شيئا، ما زلنا كما كنا لم نبدع في شيء والذي تغير أنه مات من مات، وانتشرت وتوسعت المستعمرات. حتى بتنا في حال مزرٍ الى حَد الاحباط والانهيار والانحطاط والشحوب والأُفول ووحشية الواقع الراهن، أجل ان التكرار الذي جاء به الكاتب إنما يُضاعف المعنى- ليس استخفافاً بالقارئ- بقدر ما يُضاعف الفجيعة التي نعيشها، وفي نفس الوقت تعبير عن الفضيحة التي تلفنا لأننا حتى الآن لم نستطع انجاز أي شيء في سبيل التغيير والتحرير، انه يضعنا عراة أمام أنفسنا وعجزنا أمام التاريخ؛ لأننا ارتكبنا  الخطايا والفحشاء والمنكر بحق الوطن بسعينا وراء المفاوضات السقيمة والعدمية.

فاذا كانت الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر

فان المقاومة أيضا تنهى عن الفحشاء والمنكر

ورفض زيد العودة على هذا النحو (أي من خلال اتفاقية أوسلو) هذا الفخ المهين الذي نقل القضية الفلسطينية الى منعطف تاريخي خطير ومدمر آتى وسيأتي وقوض وسيقوض كل شيء، قوض انجازات الماضي بما حملت من نضال وكفاح ومسيرة طويلة دفعنا فيها كل التضحيات، وقد أنهى أوسلو المستقبل المنشود، وكل ما تبقى لنا من أمن وأمان وآمال لنا في تحقيق ما نصبو اليه وتصبو اليه الأجيال القادمة باقامة الدولة على كامل التراب الفلسطيني، ودحر الاحتلال الرابض على أرضنا وطرده الى حيثُ أتى، أو تكون جهنم ويكون الجحيم.

أجل ان أكبر خطرين تعرضنا لهما في التاريخ العربي المعاصر هما كامب ديفيد وأوسلو اللتان فتحتا بوابات وطننا العربي وفلسطين للطير من كل جنس.

وكما ان للصورة أو للنص قراءات عديدة أخرى فان القراءة الجيدة للنص تُنتج نصا جديدا آخر. وان هذه الرواية (بطعم الجمر) تحمل شكل الرواية القصيرة لجمعها بين خصائص القصة والرواية في المبنى والمعنى، وان حضور المؤلف في نصه يُسعف القارئ على تبيان الجديد الذي جاء في هذا النص. ويُسعف الناقد في محاكاة النص عن طريق الصور المختلفة، سواء كانت صورا شعرية أو درامية أو خيالية حالمة، أو صورا لغوية بلاغية ذهنية جذابة أو مُعبأة بالشعارات والهتافات المهرجانية سواء كانت تظاهرية أو بهلوانية، تُعبر عن صور وفكر وموقف المهرج تارة والبهلوان والساذج الهزلي تارة أخرى.

يتساءل زيد كم هو قصير العمر، قصير الى حد لا يسمح بتحقيق أحلامنا، نغرق في الحلم وحين نصحو نكتشف أن الحلم ذاته يُحاصرنا، ولا نملك فكاكا من أسره. أجل يا زيد ان الحلم لا يتسع ولا يسمح بتحقيق أحلامنا الصغيرة ولا الكبيرة، أحلامنا الخاصة والعامة الشخصية والوطنية بتحقيق الحرية وبناء كيان لنا وهوية وطنية فكرية، وتَقَدُم وازدهار مع أن أحلامنا متداخلة، وكل منها ينعكس ويتأثر ببعضه البعض يُؤثر ويتأثر، أغلبها يتعثر ويتعذر ويتغير ويتعرقل ويتبدل ويُهاجم ويُزاحم ويُحجم ويضيع ويتبعثر ويُدمر حتى يصير سرابا وخرابا وضبابا وغيابا.

وما سبب قصر العمر الذي تَحدث عنه زيد والذي أدى الى عدم استطاعته تحقيق أحلامه الا (أوسلو) أو ما دُعي بالسلام هذه الكذبة … وهي المرة الاولى التي تَحدُث عبر التاريخ أن يُوقع طرفان على كذبة بشكل حقيقي ومتفق عليه – والموقعون يعرفون بانها كذبة سَلفا، ولكن كل واحد منهم في شأن، أجل انه السلام والاستسلام والهش،والمدمر والمضلل، والموهم والمنهار الى الحضيض.

ولكن سالم أدرك أن لا جدوى من هذا الذي سموه سلاما، وأدرك أن ما أُخذ بالقوة لا يُسترد الا بالقوة، وانه لا صُلح ولا مفاوضات مع اسرائيل  ولا اعتراف بها كما قال جمال عبد الناصر قبل 47 عاما، وانه لا يحرث الارض الا عُجولها، وانه لا يفلّ الحديد الا الحديد، وان القوة فقط  هي المحرك الأساسي في زمن السلم وفي زمن الحرب، وانه لا شيء يُعادلها الا القوة.

القوة في كل شيء وفي كل مناحي الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية والدينية والاقتصادية والفكرية والادبية والجمالية، أليس العالم يُدار الآن من مركز قوة؟ ألم يكن هكذا ودائما عبر العصور ومنذ الأزل؟

حينها أدرك زيد أننا ما زلنا في نفق مُظلم وفي حقل من العُليق، وأن الصراع قائم ودائم ما دام الكابتن روني ..وطالما بقي سالم..وأدرك أن هذا الصراع سيستمر على هذه الارض بشتى السُبل، وفي سبيل حُبنا للوطن وحرية الانسان والمكان والكيان ستتعاقب عليه الأجيال والآمال جيلا بعد جيل الى أن يعقبه النصر والتحرير.

هذا وأُؤكد هنا أن لُغة  الكاتب أسعد الاسعد في روايته كانت رقيقة بسيطة بساطة فلاح الارض الذي يُمسك بالمداميك يحرثها ويزرعها حبات قمحه وقلبه الذي يقطُرشعرا وغزلا، يغزل بمِغزله نصا أدبيا متماسكا متكاملا مُتفائلا مُتفاعلا مُتداخلا بكل تفاصيل محبوبته التي عَشقها عِشقا خُرافيا مُفصلا خارطة جسدها النابض، قابضا على الشيطان حتى لا يتدخل في التفاصيل الخاصة التي تُلوث وتُعهر العشق الحلال الحُر الوفير والسَخِي الكريم.

عندها  تَجَرعَ وأَحَس أسعد الاسعد بطعم الجمر، وتمنى على رباب أن لا تستعجل الرحيل.

حتى يُكملا حكاياتهما معا ويقول لها (ليس عندي من أكملها معه…) فتخيلتهُ يُردد:

كم من وقت احتاج للتكلم عنك أيتها الحبيبة؟..

احتاج لسنوات كي أحكي ما بداخلي

23\10\2014

وشارك في النقاش عدد من الحضور منهم: ديمة السمان،  نسب أديب حسين، رشا السرميطي، رائدة أبو صوي،  ورفعت زيتون.



اترك تعليق