قراءة في رواية “أميرة”* بقلم:فاطمة حوامدة

Oct 23

لقد وعى الكاتب الفلسطيني الأهمية الكبيرة للمكان والزمان ودوره في العمل الروائي، وفي بناء الشخصية الروائية، وتأثيرهما في حياته، وفي حركة الأحداث. فانطلق في تعامله معهما من خصوصية الواقع الفلسطيني الحافل بالأحداث والتطورات والتحولات، فجسد ذلك برؤية فنية تتسم بالصدق والواقعية.

رواية أميرة للكاتب جميل السلحوت الصادرة عام 2014 عن دار الجندي للنشر والتوزيع في القدس هتفتح نافذةً على الماضي الذي يتشح بالسواد والحسرة على وطن ضاعت ملامحه وأغتصبت هويته، وانتهكت حقوقه وسلبت أراضيه ومدنه وقراه وبياراته وبحره حتى تسمية شوارعه وازقته التي كانت عليها قبل نكبته ونكسته ..

في هذه الرواية ثمة تركيز لا يخفى على عنصري المكان والزمان، إذ نلحظ ومنذ استهلال الرواية أن قرية بيت دجن في فلسطين المحتلة بوصفها الميدان المكاني للرواية، والمنطلق لكل شخصياتها… حيث أن المناطق التي أصبحت مهجرة الآن في فلسطين المحتلة هي مسرح الأحداث بل ان بيت دجن بالتحديد هي الحيز الذي تتحرك فيه الشخوص في الرواية .

وبما أن الزمان والمكان هي المكونات الأساسية للرواية فسـأتحدث يايجاز عن البعدين التوأمين في رواية أميرة ..

البعد المكاني: كان مسرح الأحداث الروائية في كثير من الأحيان يجري على أرض بيت دجن في فلسطين، وعن فلسطين عامة منذ ما قبل عام 1948 م بمدنها وقراها وشوارعها وأحيائها وبيوتها ومينائها وبحرها. وأحيانا أخرى في مخيمات الضفة والقطاع، أو الشتات في ما بعد النكبة .

وقد حرص الروائي على تقديم شخصياته، وهي تتحرك في وسط اجتماعي معيّن، تبدو فيه خصوصية المكان والزمان. وعمل أثناء تشكيله للفضاء المكاني الذي ستجري فيه الأحداث، على أن يكون بناؤه منسجما مع مزاج وطبائع شخصياته، وأن لا يتضمن أية مفارقة، وذلك لأنّه من اللازم أنْ يكون هناك تأثير متبادل بين الشخصية والمكان الذي تعيش فيه، أو البيئة التي تحيط بها، بحيث يصبح بإمكان بنية الفضاء الروائي أن تكشف لنا عن الحالة الشعورية التي تعيشها الشخصية، بل وقد تساهم في التحولات الداخلية التي تطرأ عليها ..

أما البعد الزماني للرواية فتتجلى في العناصر الروائية كاملة وتظهر أثاره على ملامح الشخصيات وطباعها وسلوكها والاحداث الذي يسردها الكاتب والشخصيات التي جسدها في الرواية، كلها تتحرك في زمن محدد يقاس بالأيام والشهور والسنين، وقد تم عرض هذه الأحداث وفق تسلسل زمني منطقي طبيعي .. من قبل 1948م وحتى بعد النكبة بخمسة أو ستة أعوام على الأقل .

لعب المكان دورا بارزا في الرواية التي ارتبطت بمراحل الصراع الصهيوني الفلسطيني والزمن الفلسطيني في صعوده وهبوطه ونكبته وشتاته وويلاته .

أبرز الكاتب أيضا طبيعة الحياة قبل النكبة في فلسطين من خلال حياة طاهر المحمود وترفه وبيته، والتي كانت محور الرواية التي تدور تفاصيلها في قصر طاهر وزوجته وابنه عباس وزوجته والخدم وزوجاتهم بشكل رئيسي .

حيث تناول التفاصيل بدقة متناهية، ووصف المكان بطريقة مفصلة ليتسنى للقارىء ان يراها في مخيلته كأنها أمامه، وأنه يشاهدها بكل ماهي عليه بدءا بوصف القصر وشكله الهندسي المعماري وشرفاته المطلة على بيارات البرتقال والليمون، وحدائقه وبيوت الخدم التي لا تبعد بضع أمتار عن القصر وبواباته الرئيسية، وكل الزوايا والغرف والأثاث والأحداث التي دارت فيه من ترف وضيافة وكرم وولائم وحفلات ولقاءات وزيارات .

رواية أميرة هي رواية توثيقية أكثر منها عاطفية أو روحانية أو خيالية أو غير ذلك .. بل هي حكاية وطن بكل ماتحمله فلسطين من ويلات ومجازر وشتات وتهجير وعذاب وحسرة على ماض لن يعود .

حرص الكاتب على توثيق الأحداث بتواريخ حقيقية، ويظهر ذلك في أسماء المجاهدين وتواريخ استشهادهم، والمجازر والقرى التي قتلوا من فيها وهجروا من نجا من أهلها والمعاهدات التي تآمر على عقدها العالم أجمع تمهيدا لإقامة وطن جديد على أرض فلسطين ..

كما ان الرواية تزخر بالعديد من الاشارات.. الإشارات الى بعض العادات والتقاليد والأهازيج والمهاهاة والتراويد الشعبية ومراسيم العرس الفلسطيني قبل النكبة وأشعار الفرقة والنواح على ما آلت اليه الظروف فيما بعد النكبة .

وإضافة جانب التراث الفلسطيني على بعض الشخصيات ليست بالصدفة العابرة عند الكاتب بل هو تأكيد للطابع الشعبي لهذه الشخصيات، وترسيخ التراث الشعبي مع الجانب الثقافي الرسمي السائد في المجتمع الفلسطيني .

ومن الأمور المهمة التي يلحظها القارىء في رواية أميرة المكانة المقدسة والروحانية لمدينة القدس، حيث أخذت اهتماما بارزا في الرواية بوصف أسواقها وأزقتها وحاراتها وأسوارها، وبوابات المسجد الأقصى وساحاته، ومشهد المآذن والتحامها مع الكنائس في مشهد تهفو اليها الروح، كما وصفتها سعدية وهي تناظر المكان بعد عودتها من قلنديا الي القدس وهي تقف من أعلى سطح البيت التي سكنته في حارة الشرف ..

وظهر ذلك بأهمية بالغة في أكثر من مرة في الأحداث التي تناولتها صفحات الرواية… تحدث عن المسجد الأقصى في صفحة 213 وقال ان له رونق وبهاء قل مثيله .. القداسة ترخي أذيالها على المكان .. الفن المعماري الأصيل يشي بتاريخ مجيد .. اتساع الساحات والباحات متنفس للنساء والأطفال الذي أعياهم الحشر خلف الأبواب المغلقة… دخلوا المسجد العظيم من باب السلسلة والأطفال يتراكضون فرحين، يتهادى الندى على قبتي المسجد القبلي والصخرة المشرفة هاربا من أشعة الشمس .. النساء يمشين ببطء ودلال وكأنهن يردن التهام المكان.

صورة رأئعة يجسدها الكاتب بناء على تأثره بالمكان ومدى تعلقه بالقدس التي ارتبط بها ارتباطا وثيقا، وربما كان قاصدا ان ينهي عندها مجريات الأحداث للشخوص في هذه الرواية.

رواية أميرة قد تأخذ منحنى أخر لدى القراء بعيدا عن النقد والبعد الفني وقد يُقيمها على النحو التالي .إذ نجح الناشر في اختيار لوحة الغلاف، تلك اللوحة الفنية للفنانة لطيفة يوسف بهذا الوجه العابس، الذي يعبر عن مضمون الكتاب بالكثير من البؤس والأسى لهذه السيدة التي تقطب حاجبيها تعبيرا عما تضمره في نفسها أو عما أصابها .. رغم أن الدحنون الأحمر بلغتنا العامية يعطي مسحة جمالية رغم العبوس الظاهر على ملامحها .

وإن نجح الناشر في إختيار لوحة الغلاف فان الكاتب أخفق في إختيار إسم الرواية، حيث أن إسم أميرة لم يتناسب مع ما تناولته الرواية من احداث وتطورات وتفاصيل… فهي ليست محور الحديث في الرواية حتى لو بدأت بها بالزغاريد لميلادها، وانتهت ايضا عندها بصرخاتها في هذه الرواية .

وأضيف أن الرواية افتقرت لعنصر التشويق وهو المحفز الأول للقارىء لمواصلة القراءة دون ملل .وربما اسلوب الكاتب في السرد يجعل القارىء يبتعد عن مساره في القراءة او التركيز، فتأخذ منحنى مشتتا نوعا ما، وهو يتابع الأحداث فيجد نفسه متابعا لقصة اخرى كحكاية فرار المساجين الأربعة من سجنهم، وعودته الى تفاصيل الحكاية الأصلية بعد سرد مطول .

وتطرقه الى تفاصيل اخرى لا تقدم ولا تؤخر في مجريات الأحداث مما يزيد من عنصر الملل.

لكن بالمجمل لايمكن ان تُقَيّم الرواية على انها رواية غير جيدة، بل هي غنية بالمكونات الأساسية للرواية الفلسطينية التي تتجلى فيها مهمة التوثيق، واحياء ذاكرة الأمكنة التي يحاول الاحتلال طمسها وتهويدها .

هي قضية شعب وأرض هجر قسرا عنها أهلها، فهي تحمل قضية الوطن بأكمله، وان تبتعد كثيرا أو قليلاً\ عن المجرى الخطّي للسرد، لكنها تعود إلى الوراء لتسترجع أحداثا تكون قد حصلت في الماضي. أو على العكس من ذلك تقفز إلى الأمام لتستشرف ما هو آت، أو متوقّع من الأحداث. وفي كلتا الحالتين نكون إزاء مفارقة زمنية، توقف استرسال الحكي المتنامي، وتفسح المجال أمام نوع من الذهاب والإياب على محور السرد، انطلاقا من النقطة التي وصلتها القصّة. وهكذا فتارة نكون إزاء سرد استذكاري… وتارة أخرى نكون إزاء سرد استشرافي .

*صدرت رواية”أميرة” للأديب الفلسطيني جميل السلحوت عن دار الجندي للنشر والتوزيع في القدس، وتقع في 222 صفحة من الحجم المتوسط.



اترك تعليق