رواية 6000ميل لمحمد مهيب جبر في اليوم السابع

May 16

القدس: 16-5-2013 – ناقشت ندوة اليوم السابع الثقافية الأسبوعية الدورية في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس رواية”6000 ميل” للأديب الفلسطيني محمد مهيب جبر، وتقع الرواية التي صمم غلافها مهاب لبيب وصدرت عن دار الجندي للنشر والتوزيع في القدس في 207 صفحات من الحجم المتوسط.
بدأ النقاش ابراهيم جوهر الذي أقرن الرواية ونقاشها باحياء ذكرى نكبة الشعب الفلسطيني، واعتبر الرواية موضوعا فلسفيا يتمحور حول مفهوم الوطن.
وبعده قال جميل السلحوت:
الكاتب محمد مهيب جبر: كاتب واعلامي فلسطيني. ولد في نابلس وتلقى تعليمه فيها، أتم دراسته الثانوية في كلية النجاح الوطنية (التي تحولت فيما بعد الى جامعة النجاح) عام 1972،
درس الادب الانجليزي في الجامعة اللبنانية في بيروت.
في عام 1976 انتقل للعمل في دولة الامارات العربية المتحدة، وانضم الى أسرة التحرير في جريدة الخليج كأحد مؤسسيها عند اعادة صدورها عام 1980 واستمر في عمله فيها منذ ذلك الحين، ويشغل حاليا منصب مدير التحرير المساعد فيها.
صدرت له رواية 90- 91 عام 2012 عن دار الجندي للنشر والتوزيع، كما أصدر مجموعتين قصصيتين نشرتا على الانترنت بعنوان “اغتراب” و “انشباك”.. وله مسرحيات مترجمة.
اسم الرواية: 6000 آلاف ميل هي المسافة التي قطعها بطل الرواية بيت مارتينيك من الكاريبي الى فلسطين للبحث عن جذوره الفلسطينية، ولا أعرف ما هي علاقة الكاتب بالأرقام فروايته الأولى اسمها 90-91.
من يقرأ الرواية سيجد أن الكاتب قد لخصها في السطور الأولى منها “نحن لا نرث الأوطان من أسلافنا فحسب..بل نستلفها من أبنائنا وأجدادنا…ولهذا لا خيار لنا إلّا أن نردّها للخلف بأفضل مما ورثناه من السلف” ص13.
وبهذا فان الرواية تضعنا أمام جدلية مفهوم الوطن، وماذا يمثل هذا الوطن للاجئ الفلسطيني الذي تشرد من وطنه في نكبة العام 1984، وسكن جزء من اللاجئين في ثمانية وخمسين مخيما فيما عرف لاحقا بالضفة الغربية وقطاع غزة، وكذلك في الدول المجاورة-الأردن، سوريا ولبنان، اضافة الى من تشردوا في مختلف أصقاع الأرض، والوطن ما هو إلّا أمانة في عنق كلّ مواطن، وعليهم الحفاظ عليه لتسليمه لأبنائهم من بعدهم، تماما مثلما استلموه من آبائهم، وهذا يعني جدلية الحياة والوطن ما دام على هذه الأرض حياة.
وبطل الرواية هنا ليس مولودا في أحد مخيمات اللاجئين التي تطلّ على الديار التي شرد والداه منها عام النكبة، بل في مدينة سانت بيير في جزيرة مارتينيك في المحيط الكاريبي، وعلى بعد 6000 آلاف ميل من وطن الآباء والأجداد، ولد من أب فلسطيني توفي وبيت بطل الرواية في الخامسة من عمره، وأمّ من أهل تلك البلاد توفيت وهو في العشرين من عمره، ولم يعرف منها عن جذور والده سوى أنه من قرية اسمها”بيت….” قضاء يافا – فلسطين، ولم تعد تذكر الجزء الثاني من اسم القرية وهو الذي تعرف به، فكثير من البلدات الفلسطينية يحمل اسم”بيت…” مثل: بيت لحم، بيت جالا، بيت فوريك، بيت ريما، بيت عنان، بيت جبرين، بيت أولا….الخ. ورغم كلّ ذلك الى أن بيت مارتينيك أصرّ على زيارة فلسطين والبحث عن المكان الذي ولد فيه والده وأجداده.
وكأني هنا بالكاتب يؤكد بطريقة غير مباشرة بأن اللاجئ الفلسطيني لن يتنازل عن حق العودة مهما جار عليه الزمن، أو تقطعت به السبل.
المأساة الفلسطينية: بطل الرواية بيت مارتينيك أبوه نجا من الموت بأعجوبة، فقد كان ممن دافعوا عن القرية، ولما ألقي القبض عليه نجا مرّة أخرى من الموت عندما سجل الصليب الأحمر أسماء الأسرى للتبادل، وفي عملية التبادل أبعدوه الى قطاع غزة في حين لجأ والداه وذووه الى منطقة الخليل في الضفة الغربية، وهناك تقطعت به السبل، فأشفق عليه أحد صيادي الأسماك وحمله معه الى السويس على أمل الالتحاق بأسرته من هناك، واستقل سفينة من السويس خلسة برفقة مصري يريد السفر الى الغرب، اعتقادا منه أن السفينة ستمر بميناء العقبة الأردني، حيث سينزل هناك للبحث عن والديه، لكن السفينة اتجهت بهما حتى ميناء نيويورك، وهناك رفضت السلطات الأمريكية السماح لهما بدخول أمريكا، فصعدا ثانية الى سفينة اتجهت الى جزر المرتينيك، في الكاريبي، وليتزوج الأب هناك وينجب ابنه الذي أطلق عليه اسم بيت وهو الجزء الأول من اسم قرية الأب في فلسطين، ومارتينيك هو اسم الجزيرة التي استقر بها، ويموت الأب وطفله في الخامسة من عمره دون أن يعرف الطفل الاسم الحقيقي لوالده أو اسم عائلته التي ينحدر منها، ولتتوفى الأمّ قبل بدء بيت برحلته للبحث عن الذات بعامين. وعدم وجود اسم للأب والعائلة لم يكن عفويا من الكاتب، وانما هو اشارة الى كل فلسطيني تشرد من وطنه بغض النظر عن اسمه واسم عائلته أو اسم المكان الذي ينحدر منه. وهذا ينطبق أيضا على عدم تحديد الاسم الحقيقي للمكان، فاسرائيل بعد قيامها دمرت أكثر من 530 قرية ومكان تجمع سكاني للفلسطينيين ومحتها عن الخارطة، واستبدلتها بأسماء أخرى وأقامت بلدات جديدة بأسماء جديدة، في محاولة منها لمحو الذاكرة الفلسطينية، ولتثبت للعالم وللمؤسات الدولية أنه لا يوجد مكلن لللاجئين الفلسطينيين يعودون اليه.
الصراع مع الآخر: جاء في السرد الروائي أن أوري ليفي العسكري الاسرائيلي المتقاعد الذي جلس بجانب بيت مارتينيك في الطائرة التي أقلتهما من باريس، قد دار بينهما حوار حول اسباب قدوم بيت مارتينيك الى البلاد، فسأله إن كان يهوديا أو مهاجرا جديدا الى ما بات يعرف بدولة اسرائيل، ولما نفي بيت مارتينيك أنه يهودي وحاول الافلات من الاجابات، وتظاهر بالنوم، الا أن أوري ليفي ألحّ في اسئلته مما أثار مخاوف بيت مارتينيك.
بل إن أوري عرض عليه المساعدة بأن أعطاه عنوانه في رحوبوت وأرقام هواتفه كي يدّعي في مطار اللد بأنه صديقه وجاء في رحلة لعقد صفقات تجارية معه.
ولمّا علم أوري ليفي بنواياه ومقصده من الزيارة أحيا في ذاكرته البحث عن جذوره هو الآخر، تلك الجذور الممتدة في المغرب، وبذا فلم يستغرب ما يريده بيت ويبحث عنه، وإن كل منهما يرى أن هذه البلاد بلاد الآباء والأجداد، وهنا محور الصراع بين الشعبين المتناحرين عليها، علما أن كل واحد منهما لهما رواية متضادة مع الآخر، وبحث أوري عن جذوره سيقوده الى معرفة أن هذه البلاد ليس له، وانما لمن تمتد جذورهم فيها.
الظلم المتواصل على الفلسطينيين وخصوصا اللاجئين منهم: وصف الكاتب اثناء زيارة بيت مارتينيك مخيم العروب للبحث عن أسرته، كنموذج للمخيمات التي حولها الاحتلال الى سجون كبيرة مثلها مثل بقية المدن والقرى الفلسطينية، محاطة بجدران وأسلاك شائكة لا امكانية لدخولها أو الخروج منها إلّا عبر بوابات يتحكم الاحتلال بفتحها واغلاقها كيفما ومتى يشاء، كما وصف الحواجز العسكرية وما يتعرض الفلسطينيون له من امتهان لكرامتهم واعاقة حركتهم عند تنقلهم. كما وصف ما تتعرض له مدينة القدس من تهويد وتطهير عرقي.
ولم ينس ما يتعرض له الفلسطينيون الذين بقوا في ديارهم عام النكبة، وكيف صودرت أراضيهم وتم تحويلهم الى أقلية تعاني شتى أنواع التمييز.
الانتماء الى الشعب: ولما فشل بيت مارتينيك بالتعرف على قريته التي تمتد جذوره العائلية فيها، وعلى أبناء أسرته في بحثه عن الذات إلّا أنه اقتنع بأنه ينتمي الى ملايين اللاجئين من أبناء الشعب الفلسطيني، وأن معاناته جزء من معاناتهم. ويلاحظ هنا أن الرواية أكدت بطريقة غير مباشرة على وحدة الشعب الفلسطيني في الداخل وفي الأراضي المحتلة في حرب العام 1967 وفي الشتات.
حق العودة: حتما لن يستطيع كاتب غير لاجئ أن يكتب رواية بهذه العاطفة الجيّاشة لو لم يكن لاجئا ذاق مرارة التشرد واللجوء وعانى منها، وقد لاحظنا أن بطل الرواية بيت مارتينيك، ابن اللاجئ الفلسطيني، رغم ضياع اسم والده واسم عائلته واسم القرية التي ولدوا وترعرعوا فيها، ولا يعرف من اللغة العربية شيئا، بل ولا يحمل اسما عربيا، وكل ما يعرفه هو أنه من فلسطين، ومن قرية قرب يافا، وأن والده من ضحايا نكبة العام 1948، التي ولد فيها إلا أنه عاد يبحث عن جذوره وعن ذاته، وعندما وصل الى قرية مهدّمة برفقة أوري ليفي ودليل حيفاوي فلسطيني، ووجدا هناك فتاة قادمة من أمريكا، وجذورها من فلسطين أيضا وتحمل خريطة تعرف فيها تفاصيل قريتها التي شُرّد والداها منها، حتى أنها اهتدت الى بئر الماء المطموم، واستطاعت تحديد موقع بيت أسرتها، وهناك كتبت اسم والدتها على حجر حرصت أن لا يكون عرضة لعوامل الطبيعة التي قد تمحوه. وهذه الفتاة لم تعش في المخيمات، ولم تعان ما يعانيه لاجئوا المخيمات، بل إنها تعيش في الدولة الأغنى والأعظم في العالم، ومع ذلك فهي تبحث عن ذاتها وعن جذورها، تماما مثلما هو بيت مارتينيك، الذي يعيش في هاييتي في المحيط الكاريبي، ومع أنه ميسور الحال في دولة قد تكون الأفقر في العالم، ووالدته ليست عربية، وتزوج هناك من فتاة من سكان تلك البلاد، وأنجب ولدين، إلّا أن ذلك لم يُغيّب عن ذاكرته جذوره الفلسطينية ووطنه فلسطين، فاذا كان هذان الشخصان لم ينسيا فلسطين رغم بعدهما عنها، فكيف سينساها اللاجئون الذين يُطلون من مخيماتهم على فردوس فقدوه؟ وهذا ردّ على من يزعمون بأن الزمن وتعاقب الأجيال كفيل بمحو الذاكرة الفلسطينية، واسقاط تعلقهم بحق العودة الى ديارهم.
اللغة والأسلوب: جاء السرد باللغة الفصحى وجمالياتها البلاغية، وأسلوب انسيابي يطغى عليه عنصر التشويق رغم مرارة المضمون. أمّا البناء الفني للرواية فقد كان متينا بالرغم من أن كل فصل فيها كان يحمل قصة مختلفة إلا أنها كانت من أجل خدمة العمود الفقري للرواية.
وقال جمعة السمان:
بداية أرى في هذه الرواية “فذكر إن نفعت الذكرى” لكل من عاش النكبة والنكسة وجميع ما عاناه الشعب الفلسطيني من هزائم وويلات ومؤامرات.. وفي نفس الوقت توعية وصمودا وثقافة للجيل الجديد حامل راية التحرير.
الغلاف: الغلاف مناسب.. أرى فيه لسان حال الرواية.. طائرا مهاجرا يعود الى أرض الآباء والأجداد.
التمهيد: التمهيد كان مقدمة جيدة.. فيها أمل وتفاؤل بالعودة .. وتشجيع للصمود.. وأجاد الكاتب حين أعطى لكل مدينة من المدن الفلسطينية ميزتها.. رام الله والثلج يغطي جبالها في فصل الشتاء.. أريحا مشتى فلسطين وجوها الدافئ حين يجتاح فلسطين البرد وموجات الصقيع.. الخليل وعنبها.. أجواء مواسم قطاف الزيتون الفلسطيني.. كان في هذا التمهيد تعريف بالمدن الفلسطينية.. ومعلومات مشجعة لكل من جهل طبيعة أرض الوطن.
قرأت هذه الرواية ولكنها تركت في النفس سؤالا صعبا لم أجد له حلا.. إذا كنا نرث عن الأب والجد المال والعقار.. تُرى هل تُورّث روح الأب والجد التراث والتاريخ الى روح الإبن والحفيد..؟؟ يقول الكاتب أن بطل الرواية بيت مرتنيك أن والده.. أو أي أحد لم يخبره عن أي معلم من معالم مدينة يافا.. مثل برج الساعة .. أو جامع حسن بك.. أو الشوارع القديمة.. مثل شارع العجمي.. أو المنشية.. أو ابو كبير.. ولكن روحه كانت تسير به الى كل هذه المعالم معلما معلما كأنه كان يعيش فيها.. قد يكون خيال الكاتب أوحى له بذلك.. ولكنني عندما أقارن هذا بقصة شاعرنا الكبير أحمد دحبور الذي هُجّر من مدينة حيفا طفلا عام النكبة سنة 1948 ولم يتعرف بعد على أي معلم من معالم مدينته.. لتمر السنون ويتعدى عمره الستين عاما.. ويعلنها متحديا أنه يستطيع أن يعود الى داره في مدينة حيفا دون الإستعانة بأي مرشد أو دليل.. وينجح ويصل الى داره وعيون المحتل الغاصب تملؤها الدهشة قبل ابن المدينة.. والعالم كله لا يكاد يصدق.. ترى هل هناك صلة بين أرض الوطن الأمّ.. وبين الإنسان الذي سوّاه الله من ترابها..؟؟
ترى هل هذه الصلة الخفية التي لا نعرف لها تفسيرا.. هي التي تجعلنا نضحي بالروح من أجل الوطن الأمّ..؟؟. لا أدري ولكنها تكاد أن تكون حقيقة.
إن الصراع العربي الإسرائيلي الذي هو محور هذه الرواية .. أرى أنه يتلخص في حوار دار بين بطل الرواية بيت مرتنيك .. وأوري ليفي.. الذي يصرّ على أن الجذور تموت في الأرض أحيانا.. أو تصبح هشة لا حياة فيها.. وستون عاما دون ماء كانت تكفي لتجفيفها.. بينما كان يعارضه بيت مرتنيك متحديا.. الجذور لا تموت يا أوري .. ولا تصبح هشة.. والأمثلة على ذلك كثيرة.. البابليون.. الأشوريون الفنيقيون.. فراعنة النيل وغيرهم كثيرون.. سحقتهم الكوارث.. أو أباد الغزاة جميع سكانها الأصليين.. كما حصل لشعوب المايا.. أو الهنود الحمر.. لكن الحجارة ظلت تشهد أن روح تلك الشعوب لم تغادر أمكنتها..وأنها ما زالت تعيش فيها وعلى أرضها ولو بالنبوءات والأساطير.. أو حتى اللعنات.. وكل حضارة انتهت رسمت صورة بعثها للحياة مرة أخرى في المكان نفسه.. في الوطن نفسه وهذه المدينة بناها الكنعانيون من الألف الرابع قبل الميلاد.
ليعود ويتجدد الحوار مرة أخرى حين عاد يتذكر قول أوري ليفي.. لا حقيقة للتاريخ.. فحقائق التاريخ قد تكون أشد ثباتا وأكثر وضوحا.. لكن قوة الواقع قد تغيرها.. أو تزورها.. وما لم يكن بمقدورك إلغاء هذا التغيير أو التزوير.. فما عليك إلا الإستسلام لحقيقة الأمر الواقع.. فلا توجع قلبك بذكريات اندثرت وابتلعها الواقع.
لكنه كان للفتاة اليافاوية السمراء رأي آخر مضاد تماما لرأي أوري ليفي حين قالت أن كل ما فعله الإسرائيليون هو أنهم سرقوا وطنا ..ثم خاطوا علما.. وطبعوا جوازات سفر.. وأنشأوا جيشا مدججا بأحدث الأسلحة.. إلا أن الأرض ظلت مكانها.. والسماء والبحر كذلك.. وتعايشنا أعداء.. وجديد الحجارة والإسمنت لم ينجح رغم كل هذه السنين في تغطية قديم الماضي بأصالته وعراقته الفلسطينية
نحن ما زلنا فلسطينيين رغم هويتهم الإسرائيلية.. وهم ما زالوا غرباء رغم تناسلهم في بيوت بنوها فوق ما هدموه من البيوت التي سرقوها.. لإخفاء معالم الجريمة.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن.. هل حقا أن الواقع يمحو الماضي.. وعلينا ما لم يكن بمقدورنا أن نغير الواقع بالقوة.. أن نستسلم كما قال أوري ليفي.. لأن القوة هي سيدة الموقف في جميع المتغيرات التي حدثت على مدى عمر التاريخ.. وأنه بات علينا أن نعمل بقول الزعيم عبد الناصر “ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة”.. أم أن الحكاية لا تزيد عن أنهم سرقوا وطنا.. وخاطوا علما .. هل الموضوع بهذه السهولة؟.. وأننا نحن من أعطى القضية أكبر من حجمها بكثير..؟؟كما فعلت جميع الدول العربية .. حين كان الذي يسمى اليوم بجيش الدفاع الإسرائيلي مجرد عصابات.
وقال رفعت زيتون:
كم يصبح الوطن أقرب كلّما ابتعدنا عنه ص 195.
- إنّ الوطن ليس المكان الذي نعيش فيه.. بل المكان الذي نحبه ص 130.
- تخطف الأوطان لكن لا تموت ص 191.
هذه جمل قليلة من كثيرة، تحمل بين ثناياها مشاعر الحنين التي حملها بيت مارتينيك من شرق الكاريبي قاطعا 6000 ميل فوق المحيطات والبحار والقارات، باحثا عن حلم لم يجد منه شيئا، وفي نهاية الرحلة يكتشف أنّه وجد كلّ شيء بحث عنه في الفتاة التي تعفّرت بتراب بيت أجدادها، وفي السّيدة اليافاوية وقريبها المترجم والسائق المقدسيّ النبيل، وجد في كلّ تلك الصّور التي مرّ بها وخزّنها في ذاكرته منذ لحظة وصوله مطار اللد وحتى لحظة مفارقته مرورا بأطفال مخيم العروب وحجارة بيوته الاّيلة للسقوط، تلك الصّور التي اختزنها في ذاكرة مخّه خشية مصادرتها من قبل الجنود على مداخل المطار.
الوطن اذن يسكن كلّ مغترب ومقيم، حتّى لو كان المغترب يعيش فوق سطح القمر سيأتي يوم يعود فيه الى دفء بيته، كما عصفور يعود الى عشّه فوق الشجر.
هذه باختصار قصّة كلّ صاحب حقّ سُلبَ حقّه، وهجّر عن وطنه، حتّى وإن بدا السارق طيّب القلب كما حاول أن يظهر أوري ليفي مع بيت مارتينيك صاحب الأرض. وحتى أن جعلته التجربة يعود في ذهنه الى بلاد المغرب العربيّ الذي جاء منها ليبنيَ حلمه الوهميّ فوق أطلال حقيقة الآخرين، ولكن أوري هذا يعود إلى فكره الذي رضع من ثديه، ويحاول أن يمسك العصا من الوسط بأن يتعاطف مع صاحب البيت، فهو يسمح له أن يتلمس الوطن، ولكن يطلب منه أن ينفض عنه ما علق به من تراب قبل المغادرة.
هذه هي حقيقة الصراع، صراع وجود لا حدود مهما حاولنا تلطيف المعنى.
ربّما أختلف مع بيت مارتينيك في تعريف الوطن، وقد تعددت في ذلك التعاريف، ولكن يكفي أن نقول عنه إنه باختصار كلّ شيء يخصنا، وهو للانسان كالماء بالنسبة للسمكة وكالهواء للطير.
الرواية كنصّ أدبيّ لغتها سليمة تخلو تقريبا من الأخطاء، وهي لغة سهلة بعيدة عن التعقيد،
والفكرة سامية الهدف نبيلة الموضوع تحاكي فلسفة العودة بأسلوب جميل.
مستوى الحوار كان منخفضا بسبب سيطرة الراوي على مجريات الأحداث.
عنصر التشويق لم يرتقِ إلى مستوى ال 6000 ميل الذي توقعته، ولعلي شعرت ببعض الملل جرّاء ذلك في بعض الفصول.
الرواية بشكل عام رائعة وجميلة وهادفة ومن أرض الوطن نحيي كاتبها الأديب الفلسطيني محمد مهيب جبر.
وشارك في النقاش كل من: محمد عليان الذي أثار تساؤلات حول مفهوم الوطن، وأشار الى أن فكر الكاتب انعكس على شخصيات الرواية، بينما حللت ديمة السمان الرواية تحليلا وافيا واقترحت ترجمتها الى لغات أخرى، وشارك في النقاش ايضا كل من: نفوذ عودة، محمد موسى سويلم، سامي الجندي وسمير الجندي.

جميل السلحوت:رواية 6000 ميل في ندوة مقدسيةالقدس: 16-5-2013 – ناقشت ندوة اليوم السابع الثقافية الأسبوعية الدورية في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس رواية”6000 ميل” للأديب الفلسطيني محمد مهيب جبر، وتقع الرواية التي صمم غلافها مهاب لبيب وصدرت عن دار الجندي للنشر والتوزيع في القدس في 207 صفحات من الحجم المتوسط.بدأ النقاش ابراهيم جوهر الذي أقرن الرواية ونقاشها باحياء ذكرى نكبة الشعب الفلسطيني، واعتبر الرواية موضوعا فلسفيا يتمحور حول مفهوم الوطن.وبعده قال جميل السلحوت:الكاتب محمد مهيب جبر: كاتب واعلامي فلسطيني. ولد في نابلس وتلقى تعليمه فيها، أتم دراسته الثانوية في كلية النجاح الوطنية (التي تحولت فيما بعد الى جامعة النجاح) عام 1972،درس الادب الانجليزي في الجامعة اللبنانية في بيروت.في عام 1976 انتقل للعمل في دولة الامارات العربية المتحدة، وانضم الى أسرة التحرير في جريدة الخليج كأحد مؤسسيها عند اعادة صدورها عام 1980 واستمر في عمله فيها منذ ذلك الحين، ويشغل حاليا منصب مدير التحرير المساعد فيها.صدرت له رواية 90- 91 عام 2012 عن دار الجندي للنشر والتوزيع، كما أصدر مجموعتين قصصيتين نشرتا على الانترنت بعنوان “اغتراب” و “انشباك”.. وله مسرحيات مترجمة.اسم الرواية: 6000 آلاف ميل هي المسافة التي قطعها بطل الرواية بيت مارتينيك من الكاريبي الى فلسطين للبحث عن جذوره الفلسطينية، ولا أعرف ما هي علاقة الكاتب بالأرقام فروايته الأولى اسمها 90-91.من يقرأ الرواية سيجد أن الكاتب قد لخصها في السطور الأولى منها “نحن لا نرث الأوطان من أسلافنا فحسب..بل نستلفها من أبنائنا وأجدادنا…ولهذا لا خيار لنا إلّا أن نردّها للخلف بأفضل مما ورثناه من السلف” ص13.وبهذا فان الرواية تضعنا أمام جدلية مفهوم الوطن، وماذا يمثل هذا الوطن للاجئ الفلسطيني الذي تشرد من وطنه في نكبة العام 1984، وسكن جزء من اللاجئين في ثمانية وخمسين مخيما فيما عرف لاحقا بالضفة الغربية وقطاع غزة، وكذلك في الدول المجاورة-الأردن، سوريا ولبنان، اضافة الى من تشردوا في مختلف أصقاع الأرض، والوطن ما هو إلّا أمانة في عنق كلّ مواطن، وعليهم الحفاظ عليه لتسليمه لأبنائهم من بعدهم، تماما مثلما استلموه من آبائهم، وهذا يعني جدلية الحياة والوطن ما دام على هذه الأرض حياة.وبطل الرواية هنا ليس مولودا في أحد مخيمات اللاجئين التي تطلّ على الديار التي شرد والداه منها عام النكبة، بل في مدينة سانت بيير في جزيرة مارتينيك في المحيط الكاريبي، وعلى بعد 6000 آلاف ميل من وطن الآباء والأجداد، ولد من أب فلسطيني توفي وبيت بطل الرواية في الخامسة من عمره، وأمّ من أهل تلك البلاد توفيت وهو في العشرين من عمره، ولم يعرف منها عن جذور والده سوى أنه من قرية اسمها”بيت….” قضاء يافا – فلسطين، ولم تعد تذكر الجزء الثاني من اسم القرية وهو الذي تعرف به، فكثير من البلدات الفلسطينية يحمل اسم”بيت…” مثل: بيت لحم، بيت جالا، بيت فوريك، بيت ريما، بيت عنان، بيت جبرين، بيت أولا….الخ. ورغم كلّ ذلك الى أن بيت مارتينيك أصرّ على زيارة فلسطين والبحث عن المكان الذي ولد فيه والده وأجداده.وكأني هنا بالكاتب يؤكد بطريقة غير مباشرة بأن اللاجئ الفلسطيني لن يتنازل عن حق العودة مهما جار عليه الزمن، أو تقطعت به السبل.المأساة الفلسطينية: بطل الرواية بيت مارتينيك أبوه نجا من الموت بأعجوبة، فقد كان ممن دافعوا عن القرية، ولما ألقي القبض عليه نجا مرّة أخرى من الموت عندما سجل الصليب الأحمر أسماء الأسرى للتبادل، وفي عملية التبادل أبعدوه الى قطاع غزة في حين لجأ والداه وذووه الى منطقة الخليل في الضفة الغربية، وهناك تقطعت به السبل، فأشفق عليه أحد صيادي الأسماك وحمله معه الى السويس على أمل الالتحاق بأسرته من هناك، واستقل سفينة من السويس خلسة برفقة مصري يريد السفر الى الغرب، اعتقادا منه أن السفينة ستمر بميناء العقبة الأردني، حيث سينزل هناك للبحث عن والديه، لكن السفينة اتجهت بهما حتى ميناء نيويورك، وهناك رفضت السلطات الأمريكية السماح لهما بدخول أمريكا، فصعدا ثانية الى سفينة اتجهت الى جزر المرتينيك، في الكاريبي، وليتزوج الأب هناك وينجب ابنه الذي أطلق عليه اسم بيت وهو الجزء الأول من اسم قرية الأب في فلسطين، ومارتينيك هو اسم الجزيرة التي استقر بها، ويموت الأب وطفله في الخامسة من عمره دون أن يعرف الطفل الاسم الحقيقي لوالده أو اسم عائلته التي ينحدر منها، ولتتوفى الأمّ قبل بدء بيت برحلته للبحث عن الذات بعامين. وعدم وجود اسم للأب والعائلة لم يكن عفويا من الكاتب، وانما هو اشارة الى كل فلسطيني تشرد من وطنه بغض النظر عن اسمه واسم عائلته أو اسم المكان الذي ينحدر منه. وهذا ينطبق أيضا على عدم تحديد الاسم الحقيقي للمكان، فاسرائيل بعد قيامها دمرت أكثر من 530 قرية ومكان تجمع سكاني للفلسطينيين ومحتها عن الخارطة، واستبدلتها بأسماء أخرى وأقامت بلدات جديدة بأسماء جديدة، في محاولة منها لمحو الذاكرة الفلسطينية، ولتثبت للعالم وللمؤسات الدولية أنه لا يوجد مكلن لللاجئين الفلسطينيين يعودون اليه.الصراع مع الآخر: جاء في السرد الروائي أن أوري ليفي العسكري الاسرائيلي المتقاعد الذي جلس بجانب بيت مارتينيك في الطائرة التي أقلتهما من باريس، قد دار بينهما حوار حول اسباب قدوم بيت مارتينيك الى البلاد، فسأله إن كان يهوديا أو مهاجرا جديدا الى ما بات يعرف بدولة اسرائيل، ولما نفي بيت مارتينيك أنه يهودي وحاول الافلات من الاجابات، وتظاهر بالنوم، الا أن أوري ليفي ألحّ في اسئلته مما أثار مخاوف بيت مارتينيك.بل إن أوري عرض عليه المساعدة بأن أعطاه عنوانه في رحوبوت وأرقام هواتفه كي يدّعي في مطار اللد بأنه صديقه وجاء في رحلة لعقد صفقات تجارية معه.ولمّا علم أوري ليفي بنواياه ومقصده من الزيارة أحيا في ذاكرته البحث عن جذوره هو الآخر، تلك الجذور الممتدة في المغرب، وبذا فلم يستغرب ما يريده بيت ويبحث عنه، وإن كل منهما يرى أن هذه البلاد بلاد الآباء والأجداد، وهنا محور الصراع بين الشعبين المتناحرين عليها، علما أن كل واحد منهما لهما رواية متضادة مع الآخر، وبحث أوري عن جذوره سيقوده الى معرفة أن هذه البلاد ليس له، وانما لمن تمتد جذورهم فيها.الظلم المتواصل على الفلسطينيين وخصوصا اللاجئين منهم: وصف الكاتب اثناء زيارة بيت مارتينيك مخيم العروب للبحث عن أسرته، كنموذج للمخيمات التي حولها الاحتلال الى سجون كبيرة مثلها مثل بقية المدن والقرى الفلسطينية، محاطة بجدران وأسلاك شائكة لا امكانية لدخولها أو الخروج منها إلّا عبر بوابات يتحكم الاحتلال بفتحها واغلاقها كيفما ومتى يشاء، كما وصف الحواجز العسكرية وما يتعرض الفلسطينيون له من امتهان لكرامتهم واعاقة حركتهم عند تنقلهم. كما وصف ما تتعرض له مدينة القدس من تهويد وتطهير عرقي.ولم ينس ما يتعرض له الفلسطينيون الذين بقوا في ديارهم عام النكبة، وكيف صودرت أراضيهم وتم تحويلهم الى أقلية تعاني شتى أنواع التمييز.الانتماء الى الشعب: ولما فشل بيت مارتينيك بالتعرف على قريته التي تمتد جذوره العائلية فيها، وعلى أبناء أسرته في بحثه عن الذات إلّا أنه اقتنع بأنه ينتمي الى ملايين اللاجئين من أبناء الشعب الفلسطيني، وأن معاناته جزء من معاناتهم. ويلاحظ هنا أن الرواية أكدت بطريقة غير مباشرة على وحدة الشعب الفلسطيني في الداخل وفي الأراضي المحتلة في حرب العام 1967 وفي الشتات.حق العودة: حتما لن يستطيع كاتب غير لاجئ أن يكتب رواية بهذه العاطفة الجيّاشة لو لم يكن لاجئا ذاق مرارة التشرد واللجوء وعانى منها، وقد لاحظنا أن بطل الرواية بيت مارتينيك، ابن اللاجئ الفلسطيني، رغم ضياع اسم والده واسم عائلته واسم القرية التي ولدوا وترعرعوا فيها، ولا يعرف من اللغة العربية شيئا، بل ولا يحمل اسما عربيا، وكل ما يعرفه هو أنه من فلسطين، ومن قرية قرب يافا، وأن والده من ضحايا نكبة العام 1948، التي ولد فيها إلا أنه عاد يبحث عن جذوره وعن ذاته، وعندما وصل الى قرية مهدّمة برفقة أوري ليفي ودليل حيفاوي فلسطيني، ووجدا هناك فتاة قادمة من أمريكا، وجذورها من فلسطين أيضا وتحمل خريطة تعرف فيها تفاصيل قريتها التي شُرّد والداها منها، حتى أنها اهتدت الى بئر الماء المطموم، واستطاعت تحديد موقع بيت أسرتها، وهناك كتبت اسم والدتها على حجر حرصت أن لا يكون عرضة لعوامل الطبيعة التي قد تمحوه. وهذه الفتاة لم تعش في المخيمات، ولم تعان ما يعانيه لاجئوا المخيمات، بل إنها تعيش في الدولة الأغنى والأعظم في العالم، ومع ذلك فهي تبحث عن ذاتها وعن جذورها، تماما مثلما هو بيت مارتينيك، الذي يعيش في هاييتي في المحيط الكاريبي، ومع أنه ميسور الحال في دولة قد تكون الأفقر في العالم، ووالدته ليست عربية، وتزوج هناك من فتاة من سكان تلك البلاد، وأنجب ولدين، إلّا أن ذلك لم يُغيّب عن ذاكرته جذوره الفلسطينية ووطنه فلسطين، فاذا كان هذان الشخصان لم ينسيا فلسطين رغم بعدهما عنها، فكيف سينساها اللاجئون الذين يُطلون من مخيماتهم على فردوس فقدوه؟ وهذا ردّ على من يزعمون بأن الزمن وتعاقب الأجيال كفيل بمحو الذاكرة الفلسطينية، واسقاط تعلقهم بحق العودة الى ديارهم.اللغة والأسلوب: جاء السرد باللغة الفصحى وجمالياتها البلاغية، وأسلوب انسيابي يطغى عليه عنصر التشويق رغم مرارة المضمون. أمّا البناء الفني للرواية فقد كان متينا بالرغم من أن كل فصل فيها كان يحمل قصة مختلفة إلا أنها كانت من أجل خدمة العمود الفقري للرواية.وقال جمعة السمان:
بداية أرى في هذه الرواية “فذكر إن نفعت الذكرى” لكل من عاش النكبة والنكسة وجميع ما عاناه الشعب الفلسطيني من هزائم وويلات ومؤامرات.. وفي نفس الوقت توعية وصمودا وثقافة للجيل الجديد حامل راية التحرير.الغلاف: الغلاف مناسب.. أرى فيه لسان حال الرواية.. طائرا مهاجرا يعود الى أرض الآباء والأجداد.التمهيد: التمهيد كان مقدمة جيدة.. فيها أمل وتفاؤل بالعودة .. وتشجيع للصمود.. وأجاد الكاتب حين أعطى لكل مدينة من المدن الفلسطينية ميزتها.. رام الله والثلج يغطي جبالها في فصل الشتاء.. أريحا مشتى فلسطين وجوها الدافئ حين يجتاح فلسطين البرد وموجات الصقيع.. الخليل وعنبها.. أجواء مواسم قطاف الزيتون الفلسطيني.. كان في هذا التمهيد تعريف بالمدن الفلسطينية.. ومعلومات مشجعة لكل من جهل طبيعة أرض الوطن.قرأت هذه الرواية ولكنها تركت في النفس سؤالا صعبا لم أجد له حلا.. إذا كنا نرث عن الأب والجد المال والعقار.. تُرى هل تُورّث روح الأب والجد التراث والتاريخ الى روح الإبن والحفيد..؟؟ يقول الكاتب أن بطل الرواية بيت مرتنيك أن والده.. أو أي أحد لم يخبره عن أي معلم من معالم مدينة يافا.. مثل برج الساعة .. أو جامع حسن بك.. أو الشوارع القديمة.. مثل شارع العجمي.. أو المنشية.. أو ابو كبير.. ولكن روحه كانت تسير به الى كل هذه المعالم معلما معلما كأنه كان يعيش فيها.. قد يكون خيال الكاتب أوحى له بذلك.. ولكنني عندما أقارن هذا بقصة شاعرنا الكبير أحمد دحبور الذي هُجّر من مدينة حيفا طفلا عام النكبة سنة 1948 ولم يتعرف بعد على أي معلم من معالم مدينته.. لتمر السنون ويتعدى عمره الستين عاما.. ويعلنها متحديا أنه يستطيع أن يعود الى داره في مدينة حيفا دون الإستعانة بأي مرشد أو دليل.. وينجح ويصل الى داره وعيون المحتل الغاصب تملؤها الدهشة قبل ابن المدينة.. والعالم كله لا يكاد يصدق.. ترى هل هناك صلة بين أرض الوطن الأمّ.. وبين الإنسان الذي سوّاه الله من ترابها..؟؟ترى هل هذه الصلة الخفية التي لا نعرف لها تفسيرا.. هي التي تجعلنا نضحي بالروح من أجل الوطن الأمّ..؟؟. لا أدري ولكنها تكاد أن تكون حقيقة.إن الصراع العربي الإسرائيلي الذي هو محور هذه الرواية .. أرى أنه يتلخص في حوار دار بين بطل الرواية بيت مرتنيك .. وأوري ليفي.. الذي يصرّ على أن الجذور تموت في الأرض أحيانا.. أو تصبح هشة لا حياة فيها.. وستون عاما دون ماء كانت تكفي لتجفيفها.. بينما كان يعارضه بيت مرتنيك متحديا.. الجذور لا تموت يا أوري .. ولا تصبح هشة.. والأمثلة على ذلك كثيرة.. البابليون.. الأشوريون الفنيقيون.. فراعنة النيل وغيرهم كثيرون.. سحقتهم الكوارث.. أو أباد الغزاة جميع سكانها الأصليين.. كما حصل لشعوب المايا.. أو الهنود الحمر.. لكن الحجارة ظلت تشهد أن روح تلك الشعوب لم تغادر أمكنتها..وأنها ما زالت تعيش فيها وعلى أرضها ولو بالنبوءات والأساطير.. أو حتى اللعنات.. وكل حضارة انتهت رسمت صورة بعثها للحياة مرة أخرى في المكان نفسه.. في الوطن نفسه وهذه المدينة بناها الكنعانيون من الألف الرابع قبل الميلاد.ليعود ويتجدد الحوار مرة أخرى حين عاد يتذكر قول أوري ليفي.. لا حقيقة للتاريخ.. فحقائق التاريخ قد تكون أشد ثباتا وأكثر وضوحا.. لكن قوة الواقع قد تغيرها.. أو تزورها.. وما لم يكن بمقدورك إلغاء هذا التغيير أو التزوير.. فما عليك إلا الإستسلام لحقيقة الأمر الواقع.. فلا توجع قلبك بذكريات اندثرت وابتلعها الواقع.لكنه كان للفتاة اليافاوية السمراء رأي آخر مضاد تماما لرأي أوري ليفي حين قالت أن كل ما فعله الإسرائيليون هو أنهم سرقوا وطنا ..ثم خاطوا علما.. وطبعوا جوازات سفر.. وأنشأوا جيشا مدججا بأحدث الأسلحة.. إلا أن الأرض ظلت مكانها.. والسماء والبحر كذلك.. وتعايشنا أعداء.. وجديد الحجارة والإسمنت لم ينجح رغم كل هذه السنين في تغطية قديم الماضي بأصالته وعراقته الفلسطينيةنحن ما زلنا فلسطينيين رغم هويتهم الإسرائيلية.. وهم ما زالوا غرباء رغم تناسلهم في بيوت بنوها فوق ما هدموه من البيوت التي سرقوها.. لإخفاء معالم الجريمة.والسؤال الذي يطرح نفسه الآن.. هل حقا أن الواقع يمحو الماضي.. وعلينا ما لم يكن بمقدورنا أن نغير الواقع بالقوة.. أن نستسلم كما قال أوري ليفي.. لأن القوة هي سيدة الموقف في جميع المتغيرات التي حدثت على مدى عمر التاريخ.. وأنه بات علينا أن نعمل بقول الزعيم عبد الناصر “ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة”.. أم أن الحكاية لا تزيد عن أنهم سرقوا وطنا.. وخاطوا علما .. هل الموضوع بهذه السهولة؟.. وأننا نحن من أعطى القضية أكبر من حجمها بكثير..؟؟كما فعلت جميع الدول العربية .. حين كان الذي يسمى اليوم بجيش الدفاع الإسرائيلي مجرد عصابات.وقال رفعت زيتون:

كم يصبح الوطن أقرب كلّما ابتعدنا عنه ص 195.- إنّ الوطن ليس المكان الذي نعيش فيه.. بل المكان الذي نحبه ص 130.- تخطف الأوطان لكن لا تموت ص 191.
هذه جمل قليلة من كثيرة، تحمل بين ثناياها مشاعر الحنين التي حملها بيت مارتينيك من شرق الكاريبي قاطعا 6000 ميل فوق المحيطات والبحار والقارات، باحثا عن حلم لم يجد منه شيئا، وفي نهاية الرحلة يكتشف أنّه وجد كلّ شيء بحث عنه في الفتاة التي تعفّرت بتراب بيت أجدادها، وفي السّيدة اليافاوية وقريبها المترجم والسائق المقدسيّ النبيل، وجد في كلّ تلك الصّور التي مرّ بها وخزّنها في ذاكرته منذ لحظة وصوله مطار اللد وحتى لحظة مفارقته مرورا بأطفال مخيم العروب وحجارة بيوته الاّيلة للسقوط، تلك الصّور التي اختزنها في ذاكرة مخّه خشية مصادرتها من قبل الجنود على مداخل المطار. الوطن اذن يسكن كلّ مغترب ومقيم، حتّى لو كان المغترب يعيش فوق سطح القمر سيأتي يوم يعود فيه الى دفء بيته، كما عصفور يعود الى عشّه فوق الشجر.هذه باختصار قصّة كلّ صاحب حقّ سُلبَ حقّه، وهجّر عن وطنه، حتّى وإن بدا السارق طيّب القلب كما حاول أن يظهر أوري ليفي مع بيت مارتينيك صاحب الأرض. وحتى أن جعلته التجربة يعود في ذهنه الى بلاد المغرب العربيّ الذي جاء منها ليبنيَ حلمه الوهميّ فوق أطلال حقيقة الآخرين، ولكن أوري هذا يعود إلى فكره الذي رضع من ثديه، ويحاول أن يمسك العصا من الوسط بأن يتعاطف مع صاحب البيت، فهو يسمح له أن يتلمس الوطن، ولكن يطلب منه أن ينفض عنه ما علق به من تراب قبل المغادرة.هذه هي حقيقة الصراع، صراع وجود لا حدود مهما حاولنا تلطيف المعنى.ربّما أختلف مع بيت مارتينيك في تعريف الوطن، وقد تعددت في ذلك التعاريف، ولكن يكفي أن نقول عنه إنه باختصار كلّ شيء يخصنا، وهو للانسان كالماء بالنسبة للسمكة وكالهواء للطير.الرواية كنصّ أدبيّ لغتها سليمة تخلو تقريبا من الأخطاء، وهي لغة سهلة بعيدة عن التعقيد، والفكرة سامية الهدف نبيلة الموضوع تحاكي فلسفة العودة بأسلوب جميل.مستوى الحوار كان منخفضا بسبب سيطرة الراوي على مجريات الأحداث.عنصر التشويق لم يرتقِ إلى مستوى ال 6000 ميل الذي توقعته، ولعلي شعرت ببعض الملل جرّاء ذلك في بعض الفصول.الرواية بشكل عام رائعة وجميلة وهادفة ومن أرض الوطن نحيي كاتبها الأديب الفلسطيني محمد مهيب جبر.وشارك في النقاش كل من: محمد عليان الذي أثار تساؤلات حول مفهوم الوطن، وأشار الى أن فكر الكاتب انعكس على شخصيات الرواية، بينما حللت ديمة السمان الرواية تحليلا وافيا واقترحت ترجمتها الى لغات أخرى، وشارك في النقاش ايضا كل من: نفوذ عودة، محمد موسى سويلم، سامي الجندي وسمير الجندي.



اترك تعليق