د.عواد أبو زينة يكتب عن قصة الذئاب لجميل السلحوت

Jan 31

وفي التداول لكي تختار الذئاب فرائسها بعد أن قضي على مصادر غذائها من الطبيعة ( وهنا درس في تهديد الإنسان للبيئة) فقد استقر رأي الذئاب على العودة إلى الحظيرة الأولى لعوامل موضوعية تكمن في بنية هذه الحظيرة الفكرية وتطبيقاتها (البنى الفكرية) الحياتية، فالكباش لا تتحرك ولا تدافع ولا تهاجم الأعداء والمهاجمين، بل تخلد للقعود والتفرج، والحالة الوحيدة التي تنهض فيها هي التناحر الداخلي فيما بينها (صورة أكثر من بليغة للتعبير عن الواقع)، ولا تحرص على صغارها، وما يهمها هو تلبية حاجاتها الجسدية الدنيا، أما كلاب الحظيرة (رمز التنبيه والتحذير ورد هجمات الأعداء) فهي من ذلك النوع الذي ينشد رضى إناث الأعداء والمهاجمين بصرف النظر عن أهداف هؤلاء الأعداء، وكأن تلك الكلاب لا ترى الخطر المحدق، ولا تقوم بواجباتها التي أعدت لها، ولذلك فقد أصبحت هذه الحظيرة صيدا سهلا لقطيع الذئاب، إذ أن الذئبتين “قادرتان على إغواء الكلاب … وما دامت الكباش تتقاتل مع بعضها البعض، فإن القطيع سيكون في متناولنا”. هذا هو القرار الاستراتيجي لقطيع الذئاب والذئبات (وفي ذلك إشارة رمزية مهمة في التوظيف الأنثوي) بعد دراسة واعية ومنطقية لحال ذلك القطيع ولتلك الحظيرة بما فيها وما حولها ولظروفها الموضوعية.

31-1-2013

أعادني الأستاذ جميل في هذه القصة إلى قصص كليلة ودمنة، فكما لم تكن كليلة ودمنة للاستمتاع والتسلية وإزجاء وقت الفراغ، فإن هذه القصة برموزها، وبتوجيهها للفتيان والفتيات محملة بالقيم والدلالات: قيم إيجابية، وقيم أخرى سلبية، وفي كل رأينا النتيجة. الحظيرة الأولى تبدو شكليا وسطحيا أنها أعدت عدتها لتحمي ذاتها، ولكن العوامل التي ذكرتها سابقاً وفي الفعل الحقيقي الفاشل والمشتت والواقع في السقوط جعلتها فريسة سهلة دوما للأعداء، والثانية عكس ذلك تماما. إذن عناصر هذه القصة ليست للتسلية بل للعبر والاستنتاجات واستخلاص القيم الإيجابية والسلبية وتبني ما يدفع العدوان وطرح ما يؤدي إلى الخيبة والضياع.

كما قلت سابقاً، هذه القصة مليئة بإسقاطاتها على الواقع، وأكاد أشعر، أن الأستاذ السلحوت قد وضع فيها خلاصة تجاربنا في الخيبة والضياع والاسترخاء والسقوط في أحابيل الخبث والدهاء، والانصياع لغريزة الشهوة والتفريط في الحمى والعرض والأبناء الضعاف (الخراف)، ولكنه أيضاً وضع الصورة المقابلة والمضادة والمناقضة لهذا الاستسلام والخواء، حين جعل الحظيرة الثانية حسنة التنظيم والإدارة والقيادة والتخطيط والحذر مما جعلها مصونة الحمى والعرض والضعفاء. على القراء أن يستوعبوا ويستنتجوا ويختاروا من الموقفين، والعاقل بالضرورة يعرف ماذا سيختار. هذه القيم التربوية تستحق أن تدرس لطلاب مدارسنا بدل كثير مما في مناهجنا من هراء وغثاء.

لا أعرف متى كتب الأستاذ السلحوت هذه القصة، ولكن نشرها في هذا اليوم لم يأت من عبث، ونشرها اليوم بالذات يحمل هذه القصة دلالة تضاف إلى دلالاتها التي ذكرتها سابقاً.

القصة “شهية” وتفتح شهية القارئ وتجره جرا لكي يتابع تفاصيلها وأحدائها وحركتها وإيقاع الأفعال فيها، كلها أفعال ماضية، ولكن القارئ لا يشعر بهذا الماضي وكأنه بعيد، بل يكاد يلتصق بالحاضر وبالفعل الحالي، كما أن صور القصة مرسومة بعناية فائقة، عناية فنان محترف، صورة تجد فيها الحركة، بل تجد اللون، بل أكاد اشم فيها رائحة دم الضحايا (الخروفان)، وأكاد اشعر بالرعب الذي تبعثه هجمات تلك الذئاب على القطيع في حين من كلفوا بالحماية إما نياما كسالى متصارعين فيما بينهم، وإما سقطوا في مستنقع الغواية الخبيثة. هذه القصة تفرض على القارئ تحليلاً مطولا لأسلوب السرد وللغة أكثر مما فعلت، ولكني لن أطيل أكثر من ذلك، وأترك لقراءات أخرى أن تضيءِ على نقاط أخرى لم أعالجها. تحياتي للأستاذ جميل وأتمنى أن يطيل الله في عمره ليتحفنا بمثل هذه الأفكار الإبداعية والخلاقة والمنيرة.



اترك تعليق