الفراشات والخريف لمحمد شاكر عبدالله

Jan 26

بداية العام 2013 صدرت عن دار فضاءات في عمان مجموعة “الفراشات…والخريف” القصصية للصحفي المقدسي محمد شاكر عبدالله.

والقارئ لنصوص هذه المجموعة سيجد من بدايتها أن الصواب لم يحالف كاتبها عند تقديمه لها تحت عنوان”هذه المجموعة القصصية”ص5 ، فقد قدّم للقارئ معلومات كان عليه أن يتركها له ليكتشفها هو من خلال قراءته لها، والكاتب عندما يفسر نصوصه يفسدها ويقتلها دون أن يدري، بل انه  شكك في تصنيفه لنصوصه بأنها قصص، واعتبرها “انعكاسات لفترات من  حياتي”ص7 أي سيرة ذاتية، بل زاد على ذلك “لن تعدم هذه المجموعة لونا من هذه الألوان تنضم اليه، أو ناقدا  يجد من رحابة الميدان النقدي واتساع آفاقه ما يسمح له باعتبارها من هذا الصنف القصصي أو ذاك”ص7.

وما أريد قوله بهذا الخصوص أن جمالية النصوص الأدبية تكمن في الاختلاف حول تفسيرها أو فك رموزها، لأن ذلك يخرجها من دائرة المباشرة والتقرير، وعلى الكاتب أن يترك للقارئ متعة الاستكشاف والتسلية والتشويق والبحث عن المعرفة، وما الاختلاف على تفسير النصوص الأدبية إلا دلالة على قوتها وتميزها. لذا فان على الكاتب أيّ كاتب أن لا يفسر نصوصه، حتى وان فهمها القراء خطأ.

أما نصوص كاتبنا محمد شاكر عبد الله التي نحن بصددها، فقد تفاوتت بين القصة والحكاية والمقالة الأدبية والاجتماعية وحتى التاريخية والدينية، وشيء من السيرة الذاتية، ولا أعلم لماذا أعاد صياغة بعض القصص الديني بأسلوبه الخاص، فمثلا في نصه الأول”مملكة الشر”ص11، أعاد لنا قصة قابيل وهابيل، والقصة التي تليها”السّتّ والجارية”ص23 أعاد لنا قصة أبينا ابراهيم عليه السلام مع زوجته سارة وجاريته هاجر، غير انه في نص كاتبنا كان اسم السيدة فرحة، وانجبت”سلامة” في حين كان اسم الجارية نعمات وانجبت”سليم” والسيد الزوج اسمه سلمان، ويتطابق تسلسل هذين النصين مع النص القصصي الديني، غير ان الكاتب قام بتفسير ما كتب، ففي نص”مملكة الشر” اختتمه في الفقرة الأخيرة ص21 بتفسير هو في غنى عنه، وهذا التفسير جاء على حساب النص.تماما مثلما حصل في النص الثاني، غير أنه في النص الثاني زاد فقرة تفسيرية أخرى ص32.

وهنا لا بد من التنويه بأن استلهام التراث الديني أمر جميل ومطلوب ومفيد، لكن اعادة صياغته بكلمات الكاتب ليس في صالحه، لأنه مهما امتلك من ملكة اللغة وجمالياتها فلن يستطيع مجاراة النص القرآني أو حتى الاقتراب منه.

ولننظر كيف استلهم الراحل العظيم محمود درويش قصة النبي يوسف عليه السلام:

أنا يوسف يا أبي

أَنا يُوسفٌ يَا أَبِي .

يَا أَبِي إِخْوَتِي لاَ يُحِبُّونَني , لاَ يُرِيدُونَني بَيْنَهُم يَا أَبِي .

يَعْتَدُونَ عَلَيَّ وَيَرْمُونَني بِالحَصَى وَالكَلاَمِ .

يُريِدُونَني أَنْ أَمُوت لِكَيْ يمْدَحُونِي .

وَهُمْ أَوْصَدُوا بَاب بَيْتِكَ دُونِي .

وَهُمْ طَرَدُونِي مِنَ الَحَقْلِ.

هُمْ سَمَّمُوا عِنَبِي يَا أَبِي .

وَهُمْ حَطَّمُوا لُعَبِي يَا أَبِي .

حَينَ مَرَّ النَّسيِمُ وَلاَعَبَ شَعْرِيَ غَارُوا وَثَارُوا عَلَيَّ وَثَارُوا عَلَيْكَ .

فَمَاذَا صَنَعْتُ لَهُمْ يَا أَبِي .

الفَرَاشَاتُ حَطَّتْ عَلَى كَتْفَيَّ، وَمَالَتْ عَلَيَّ السَّنَابِلُ، وَ الطَّيْرُ حَطَّتْ على راحتيَّ .

فَمَاذَا فَعَلْتُ أَنَا يَا أَبِي .

وَلِمَاذَا أَنَا ؟

أَنْتْ سَمَّيْتَني يُوسُفاً، وَهُم أَوْقَعُونِيَ فِي الجُبِّ، وَاتَّهَمُوا الذِّئْبَ؛ وَ الذِّئْبُ أَرْحَمُ مِنْ إِخْوَتِي …

أَبَتِ !

هَلْ جَنَيْتُ عَلَى أَحَدٍ عِنْدَمَا قُلْتُ إِنِّي :

رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً، والشَّمْس والقَمَر

رَأّيْتُهُم لِي سَاجِدِينْ ؟؟

واسمحوا لي على الإطالة في الاستشهاد بدرويش، التي رأيت أنها ضرورية لنرى كيف استغلها جيدا، ودون اثقال على القارئ، ودون أن يأتي بتفصيل القص الديني القرآني، بل حام حوله، وسحبه على قضيته، مبينا تخلي بعض الأخوة العربان عن شعبه ووطنه.

أما قصة”الفراشات والخريف” التي حملت المجموعة اسمها، فهي تتحدث عن يوم انفصال سوريا من الجمهورية العربية المتحدة، وفسخ الوحدة التي أبرمت بين مصر جمال عبد الناصر وسوريا شكري القوتلي في 21 شباط 1958، وتم الانقلاب عليها في 28 أيلول 1961. والقصة تتحدث عن مشاعر فتى فلسطيني-قد يكون الكاتب نفسه- وحلمه بأن لا ينجح الانفصال، ولو استغنى الكاتب عن الفقرتين الأخيرتين في القصة ص88 لكانت القصة متكاملة، فهما فقرتان تفسيريتان لا ضرورة لهما.

وفي نصّ”البابيونة” ص89 وهي تتحدث عن طالب معهد في فترة ما قبل حزيران 1967  اشترى”بابيونة”-ربطة صغيرة تثبت في باقة القميص عند طرفي الطوق-ص89. وارتدى بدلته وقميصه وثبت”البابيونة” ومشى مختالا الى محطة الباصات في شارع سليمان-باب العمود- في القدس. فاذا شرطي يشتمه بدون ذنب، ولاحقا تبين السبب عندما قال له الشرطي: ” يا مقلعط ترتدي ملابس الوزراء والسفراء، تعتدي على المقامات الرفيعة، يا صعلوك …يا تافه…” ص93.

ورغم غرابة الحدث -مع اعتقادي أنه واقعي- فقد جاء السرد متسلسلا ومشوقا، إلا أن الجمل التفسيرية كانت على حساب النص مثل السطور الأربعة الاخيرة صفحة 89 فهي تفسير للسؤال الذي قبلها، ولو ترك الكاتب الاجابة للقارئ لكان التساؤل إبداعا، وكذلك الاسئلة التي وردت في الجزء الأخير من ص 93″هل صنعت البابيونة وصممت لتكون حكرا على فئة من الناس دون سواهم؟…………………..واذا صح ذلك فلماذا يسمحون ببيعها في المحلات والمتاجر؟” وكذلك الفقرة ما قبل الأخيرة في القصة ص94 هي تفسيرية زائدة، وجاءت على حساب النص القصصي.

لغة الكاتب: لغة الكاتب فصيحة بليغة سلسلسة، واستعماله للهجة المحكية كان قليلا جدا وفي مكانه الصحيح.

الأسلوب: استعمل الكاتب أسلوب السرد القصصي، والحكائي، لكن الأسلوب الصحفي التقريري كان واضحا في نصوصه، ولو استغنى عن الجمل والفقرات التفسيرية، لكان ذلك لصالح نصوصه.

وفي النهاية تبقى هذه التجربة الأولى للكاتب في مجال النشر في كتاب، وبالتأكيد فانه سيتروى في نشر  نصوصه القادمة، وسيتخلص من الهفوات الفنية التي وقع فيها.

25-1-2013



اترك تعليق