بدون مؤاخذة- دولة فلسطينية في غزة

Oct 24

اذا ما عدنا قليلا الى الوراء في دراسة فاحصة ومتمعنة، سنجد أن من أخطر القرارات التي اتخذتها الجامعة العربية بخصوص القضية الفلسطينية، هو قرار مؤتمر القمة العربية في الرباط عام 1974 باعتبار منظمة التحرير ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني، فلم يكن ذلك القرار دعما لنضالات الشعب الفلسطيني وقيادته المتمثلة في منظمة التحرير بمقدار ما كان تنصلا من الدول العربية من التزاماتها القومية تجاه قضية العرب الأولى، وهي القضية الفلسطينية، وصك براءة لهم من دم الفلسطينيين المسفوك، وللأمانة التاريخية فان الزعيم العربي الوحيد الذي حذر من مخاطر ذلك القرار هو العاهل الأردني الراحل الملك الحسين بن طلال، لكنه خضع لقرار الأغلبية العربية، وقد انطلى ذلك القرار الخديعة على الشعب الفلسطيني وقيادته السياسية، فطبلوا واحتفلوا وتغنوا بذلك القرار الذي كان بمثابة الحبل الممدود لهم كي يشنقوا قضيتهم بأنفسهم.

وجاء ذلك القرار تحت شعار معروف كان يجري الحديث فيه خارج وسائل الاعلام وهو” أنه لا يستطيع التنازل عن أي حق فلسطيني إلا من قبل الفلسطينيين أنفسهم” وحتى أن أحد الفلسطينيين الذي كان ذا نفوذ في دولة عربية شقيقة كان يقول” بأن أي زعيم عربي لو استطاع استرجاع الأراضي الفلسطينية في حرب حزيران 1967 كاملة وفي مقدمتها القدس، وحتى لو استطاع الوصول الى تطبيق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 والمعروف بقرار التقسيم، فسيتهم بالخيانة، في حين لو استطاع الفلسطينيون تحرير أريحا سلما أو حربا فسيكونون ثوارا ومناضلين في عيون شعبهم وأمتهم”.

وتوالت الأحداث وتعرضت منظمة التحرير وفصائلها الى مؤامرات كثيرة، وصلت ذروتها في اجتياح الجيش الاسرائيلي للبنان في حزيران 1982، مستهدفا الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان، وقاوم الفلسطينيون وحلفاؤهم في الحركة الوطنية اللبنانية الغزو الاسرائيلي بقدراتهم وبامكانياتهم المحدودة، ودون أي دعم عربي رسمي، وكانت النتيجة خروج منظمة التحرير  من لبنان الى تونس، وتشتيت مقاتلي فصائلها في عدة دول مثل اليمن الجنوبي –الذي كان دولة في حينه- والى سوريا وليبيا وتونس. وعندما احتل الجيش العراقي دولة الكويت في آب-أغسطس- 1990 وتحالف اغلبية القادة العرب مع أمريكا وحلف الأطلسي وشنوا حربا على العراق باسم تحرير الكويت في كانون ثاني-يناير- 1991 مقابل وعد من الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب بحل الصراع مع اسرائيل، وكان مؤتمر مدريد في أكتوبر 1991 الذي شاركت فيه دول عربية بوفود منفردة رضوخا لشرط اسرائيل وبضغط أمريكي بعدم قبول مشاركة العرب في وفد واحد، وشاركت منظمة التحرير ضمن الوفد الأردني، لتدخل لاحقا في مفاوضات سرية مع اسرائيل، وتوصلت الى اتفاقات أوسلو المعروفة للجميع، والتي تم توقيعها في أيلول-سبتمبر- 1993، وكان لاسرائيل حساباتها في ذلك، وأولها تصفية منظمة التحرير وفصائلها، أو تصفية الجانب المقاوم فيها، في حين كانت المنظمة تسعى الى موطئ قدم لها على الأرض الفلسطينية، واعترفت منظمة التحرير باسرائيل في حين اعترفت اسرائيل بمنظمة التحرير ولم تعترف بدولة فلسطين، وقبلت منظمة التحرير بتأجيل قضيتي القدس والمستوطنات  واللاجئين الى مرحلة الحل النهائي ظنا منها بأنها ستحصل على دولة في العام 1999، واستغلت اسرائيل ذلك جيدا، فقد سارعت ولا تزال في تهويد القدس، وزيادة مصادرة الأراضي والبناء الاستيطاني، ثم جرت عملية اغتيال اسحق رابين رئيس الوزراء الاسرائيلي على يدي متطرف يهودي، ليخلفه في انتخابات العام 1996 بنيامين نتنياهو الذي يؤمن بأن حدود اسرائيل تتعدى حدود فلسطين التاريخية بكثير، وأنها تطل على الصحراء العربية والمقصود الجزيرة العربية كما ورد في كتابه Aplace between nations  وترجم الى العربية تحت عنوان”مكان بين الأمم”. ونتنياهو تلميذ مناحيم بيجين الذي تتلمذ على يدي جابوتنسكي أحد الآباء الصهيونيين، وفيّ للمبادئ الصهيونية التوسعية، ويسعى الى تطبيقها بغض النظر عن مواقف وردود الآخرين، مستغلا الدعم الأمريكي الأعمى لاسرائيل في مختلف المجالات، وهو من المؤمنين بأن لا مكان لدولتين بين النهر والبحر، وما تصريحاته حول حلّ الدولتين إلّا من باب العلاقات العامة لخداع الرأي العام العالمي، ولكسب الوقت لتنفيذ مشروعه الاستيطاني، وقد نجح في ذلك الى أبعد الحدود، فالبناء الاستيطاني في القدس وبقية أجزاء الضفة الغربية جعل امكانية قيام دولة فلسطينية أمرا خياليا غير قابل للتطبيق على أرض الواقع…وقد أدركت القيادة الفلسطينية أهداف نتنياهو جيدا، وتوقفت عن المفاوضات المباشرة العبثية، مشترطة العودة اليها بوقف الاستيطان والتزام بالشرعية الدولية، ولما وجدت نفسها وحيدة في الساحة، لجأت وتلافيا للفيتو الأمريكي في مجلس الأمن الدولي الى الجمعية العمومية للأمم المتحدة في دورتها عام 2011، لطلب عضوية دولة فلسطين في المنظمة الدولية، والقى الرئيس محمود عباس كلمته الشهيرة أمام الجمعية العامة، ثم أعاد الكرّة في دورتها الحالية عام 2012 لطلب العضوية غير الكاملة، وسيطلب التصويت عليها في أواخر شهر تشرين الثاني-نوفمبر- القادم بعد انتخابات الرئاسة الأمريكية، وتشير الدلائل أن الطلب الفلسطيني-اذا ما قُدّم- سيحظى بالموافقة هذه المرة رغم الرفض الأمريكي والاسرائيلي، وتهديد أمريكا بقطع مساهمتها المالية للأمم المتحدة اذا ما وافقت على الطلب الفلسطيني، أي أن أمريكا وهي الدولة الأعظم ستهدم النظام الدولي القائم من أجل عيون اسرائيل، متحملة ما سينتج جراء ذلك من نزاعات وحروب لا ضوابط لها.

الموقف العربي الرسمي: واستمرارا للضغوط الأمريكية الاسرائيلية، ولمنع السلطة الفلسطينية من طلب التصويت على الدولة غير كاملة العضوية في الأمم المتحدة، يأتي الحصار المالي على السلطة الفلسطينية، وتشارك فيه دول عربية كون قادتها من “كنوز أمريكا واسرائيل الاستراتيجية” وهم يؤيدون المطالب الفلسطينية في وسائل الاعلام لحفظ ماء الوجه أمام شعوبهم، لكنهم حقيقة يشاركون في الضغوط الأمريكية الاسرائيلية، وهم بذلك لا يحركون ساكنا أمام التهديدات الاسرائيلية والتي وردت اكثر من مرة على لسان ليبرمان وزير الخارجية الاسرائيلي بالخلاص من الرئيس الفلسطيني، تماما مثلما تخلصوا من سلفه الراحل ياسر عرفات وسط صمت عربي رسمي مريب….ويبدو أن هناك مخططا لدفع السلطة الفلسطينية للانهيار، وبالتالي الخلاص منها، وما الحديث عن الدولة الواحدة إلا مجرد رصاصة يائسة في الفضاء، فاسرائيل التي تملك القوة العسكرية، وتنفذ سياساتها بها لن تقبل ذلك مطلقا، خصوصا وهي تطالب بيهودية الدولة مدعومة من الدولة الأعظم التي تستطيع فرض الحلول العادلة لو شاءت، فكيف ستقبل اسرائيل بدولة واحدة سيكون اليهود فيها أقلية؟

انها ستقبل ذلك بافتعال حرب تقتل فيها آلاف الفلسطينيين وتطرد من يتبقى منهم الى الدول المجاورة، وجلّ ما يسعى اليه نتنياهو هو ادارة مدنية على السكان لا على الأرض لأقلية فلسطينية في الضفة الغربية، وشعاره في ذلك مقولة جابوتنسكي-معلمه الأول-” لا يضير الديموقراطيات وجود أقلية قومية فيها”.

الدولة الفلسطينية: لا شك بأن مبدأ حق تقرير المصير للشعوب، وحقها في الاستقلال واقامة دولها المستقلة، يؤرق الادارات الأمريكية المتعاقبة بخصوص الشعب الفلسطيني، وهم يريدون دولة فلسطينية بالشروط الاسرائيلية، لذلك سكتوا على تدمير نتنياهو لامكانية قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولم يأت الانسحاب الاسرائيلي الشكلي من قطاع غزة عام 2005 وابقائه محاصرا برا وجوا وبحرا عفو الخاطر، بل هون تنفيذ للمخطط الصهيوني طويل المدى، والذي يرى امكانية قيام دولة فلسطينية في قطاع غزة تمتد الى سيناء بمساحة اثني عشر الف كيلو متر مربع، يتم شراؤها من مصر واستصلاحها  وبناء مدن فيها بمساعدات دولية،-في حين أن مساحة الضفة الغربية هي خمسة آلاف كيلو متر- وقد وزعت جماعات استيطانية يهودية ذلك بمنشورات أكثر من مرة، ويبدو أن هناك تفاهمات مع دول عربية، كما يبدو أن هناك تفاهمات مع جماعات الاسلام السياسي المتمثلة بحركة الاخوان المسلمين، حيث تعترف بهم امريكا وتخرجهم من تصنيفاتها لهم كجماعات ارهابية، وتوافق على استلامهم الحكم كما جرى في مصر وغيرها، مقابل رضوخهم للشروط الأمريكية، وإلا كيف يمكن تفسير مشاركة الدول العربية بالحصار المالي على السلطة الفلسطينية؟ وكيف يمكن تفسير زيارة أمير قطر “لإمارة” حماس في غزة؟ وهل هذه الزيارة بريئة هدفها إعادة بناء قطاع غزة الذي دمره الاسرائيليون في حربهم على القطاع عام 2008؟ وهل كان من غير الممكن تقديم هذه المساعدات بدون زيارة الأمير؟

أما بالنسبة للضفة الغربية فإن المخطط لها وفي أحسن الأحوال هو ترتيب إعادة أجزاء منها الى الأردن،  ضمن شروط سيتم الاتفاق عليها لاحقا بعد انهيار السلطة الفلسطينية، مع التذكير أن فك الارتباط الذي أعلنه العاهل الأردني الراحل الملك حسين بن طلال عام 1988هو قرار غير دستوري، فالضفة الغربية وجوهرتها القدس، هي جزء لا يتجزأ من المملكة الأردنية الهاشمية حسب الدستور الأردني، وقد تم احتلالها في حرب حزيران 1967 وهي كذلك.

24-10-2012



اترك تعليق