رواية السيدة من تل أبيب والتميز الفني

Oct 21

ربعي المدهون: سيرته الذاتية كما وردت في مدونته: كاتب فلسطيني ولد عام 1945 في مجدل عسقلان، وهاجرت عائلته خلال النكبة عام 1948 إلى خان يونس في قطاع عزة

تلقي تعليمه حتى المرحلة الثانوية في مدارس خان يونس، والجامعي في كل من القاهرة والاسكندرية التي أبعد منها بسبب نشاطه السياسي .

عاش وتنقل بعد ذلك في كل من عمان ودمشق وبغداد وموسكو وبيروت ونيقوسيا الى أن استقر في لندن وحمل الجنسية البريطانية.

زار خلال السنوات السابقة لدواعي العمل أو السياحة، كلا من اليمن الجنوبي –سابقا، تونس، ليبيا، تركيا، ايطاليا، فرنسا، النمسا، هنغاريا، الولايات المتحدة الأميركية، واسبانيا.

عمل محررا أو مستكتبا في صحف ومجلات، الحرية، الآفق، صوت البلاد، القدس العربي، الحياة، والشرق الأوسط التي لم يزال محررا فيها، ومركز الأبحاث الفلسطيني، وكذلك في وكالتي دبليو تي إن للأخبار المصورة – وكالة أخبار تلفزيزنية أميركية، واي بي تي إن –اسوشييتدبرس، للأخبار المصورة أيضا .

المؤلفـات:

أبله خان يونس- مجموعة قصصية 1977.

الانتفاضة الفلسطينية، الهيكل التنظيمي وأساليب العمل-بحث أكاديمي.طبعتان 1988 و 1989

طعم الفراق- ثلاثة أجيال فلسطينية في ذاكرة 2001

السيدة من تل أبيب- رواية

وروايته السيدة من تل أبيب التي صدرت طبعتها الأولى عام 2009 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، وصمم غلافها رامي المدهون وتقع في 323 صفحة من الحجم المتوسط، أثارت ردود فعل واسعة، لفنيتها العالية، ولمضمونها العميق، فقد تضمنت عدة حكايات وحوادث عن فلسطينيين ويهود اسرائيليين، والفلسطيني في هذه الرواية انسان عادي مغلوب على أمره ومطارد ومشبوه أينما حلّ وأينما ارتحل، لا أحد يرحب به، بل إنهم لا يتعاملون معه كانسان عادي، ففي بلاد الغربة مجرد معرفة هويته تضعه في دائرة المشبوهين، ويتم التعامل معه بحذر شديد، وفي وطنه يتعرض للملاحقة والتعذيب خصوصا على حواجز الاحتلال العسكرية، ويتعرض للقتل حتى وهو في بيته، واليهودي الاسرائيلي أيضا هو انسان عادي له همومه وله حياته الخاصة، وقد يتعرض هو الآخر للقتل أيضا…وفلسطينيو الشتات يحلمون بالعودة الى ديارهم والتقاء ذويهم، وكذلك يهود الشتات أيضا يتوهون بين العودة الى “ارض الميعاد” حسب الدعاية الصهيونية، ويمنون أنفسهم بأرض السمن والعسل، ويصدمون بواقع مغاير اذا ما قدموا لاسرائيل.

والفلسطينيون يعيشون حالة عذاب دائم ومستمر منذ نكبتهم الأولى عام 1948، وما تبعها من نكبات وحروب شتت شملهم، فبطل الرواية وليد الدهان لم يلتق والدته منذ 38 عاما، حيث قامت حرب عام 1967 وهو طالب جامعي في القاهرة، والتقاها في العام 2005 عندما جاء قطاع غزة زائرا بجواز سفر بريطاني، ولقي ما لقي من إهانة وتأخير على معبر بيت حانون-حاجز ايرز- وتبلغ الدراما ذروتها عندما قال”بدأت أبحث عن أمّي في أمّي” فملامح والدته تغيرت كثيرا خلال 38 عاما سابقة لم يلتقيا فيها، وكذلك أصدقاء الطفولة تغيرت ملامحهم أيضا، فبعضهم استشهد وبعضهم مات ميتة طبيعية، وبعضهم جار عليه الزمن ولم يعد يجد ما يقتات به.

الواقع والخيال: الرواية واقعية تماما، على اعتبار أن الواقعية هي” ما حدث على أرض الواقع أو ما يمكن حدوثه” صحيح أن الكاتب لم يعايش ولم يكن شاهد عيان على جميع أحداث وحكايات الرواية، لكنه لم يكن بعيدا عنها، فقد سمعها من ضحاياها أو قرأ عنها أو شاهدها على شاشات التلفاز، وقد عجن الكاتب الواقع بالخيال بحيث يصعب على القارئ التمييز بينهما كما قال في لقائه في ندوة اليوم السابع المقدسية مساء 11- اكتوبر 2012…وهكذا فان خياله في روايته هذه خيال واقعي.

اللغة: غالبية الرواية لغتها فصيحة تعج بفنون البلاغة من تشبيهات واستعارات وصور جمالية، واستعمل الكاتب اللغة المحكية على لسان شخوص الرواية الشعبيين، وكان استعمالا موفقا ورائعا جاء في مكانه الصحيح، كما استعمل اللغة العبرية على لسان شخوص الرواية اليهود الاسرائيليين، وتركهم يعبرون عمّا يدور في خلدهم بلغتهم التي يتحدثونها..وأعقبها بترجمة للعربية…وهو هنا يتفوق على الآخر انسانيا وثقافيا كما صرح في لقائه في ندوة اليوم السابع الذي أشرنا اليه. وقد كسر الكاتب “هيبة وجلال اللغة”- كما قال الأديب محمود شقير باستعماله كلمات يتهيب كثيرون من استعمالها، مع أنها كلمات قاموسية ونستعملها جميعنا في حياتنا اليومية….وهي كلمات جاءت في محلها الصحيح.

عالمان مختلفان: ورد في الرواية دون اقحام عودة الفنانة الاسرائيلية القادمة من لندن، وكيف سكنت بيتا في تل أبيب لوحدها، كي تتصل بصديقها وتلتقيه، وفي حديث هاتفي مع والديها يسعدان بذلك ويتمنيان لها التوفيق والسعادة، في حين كان في الجهة المقابلة ليلى الدهمان، وهو اسم تحمله امرأتان واحدة قتل زوجها وماتت بعده، والأخرى فقدت زوجها وبقيت حيّة، وقد ضاعت الشخصية فإحداهما كانت ترتبط بعلاقة حبّ في بدايات الشباب مع″عادل البشيتي” المغترب في المانيا، والذي لا يزال يعشقها وطلب معونة السارد الرئيس في الرواية”وليد الدهمان” كي يدله عليها بعد طلاقه من زوجته الألمانية بعد زواج فاشل استمر عشر سنوات..وهنا تتداخل عدة مشاكل، فعادل لا يستطيع كشف حبّه لليلى علانية، ولا هي تستطيع ذلك، بل إن رأيها بقي مغيبا، فكشف مثل هكذا حب – وان كان عذريا- غير مقبول دينيا واجتماعيا…وسيخلق ردود فعل سلبية كبيرة قد تودي بحياتهما أو بحياة أحدهما، كما سيكون له ضحايا آخرون منهم أبناء ليلى من زوجها المتوفى…لذا بقي هذا الحبّ سرا مكتوما بين المحبّ وبين السارد وليد الدهمان.

وليد الدهمان: هو البطل الرئيس في الرواية، وفيه بعض ملامح شخصية الكاتب نفسه، ولا ضير في ذلك، فقد يكتب المبدع شيئا من سيرته في عمله الابداعي، ووليد هذا فلسطيني تنقل في عدة دول، الى أن استقر به المطاف في لندن، وهناك تعلم الانجليزية وعمل واستقر وحمل الجنسية البريطانية، وقرر زيارة والدته وذويه في قطاع غزة المحتل بعد فراق قسري دام 38 عاما بسبب حرب حزيران 1967، وفي الطائرة جلست بجانبه فنانة حسناء يهودية اسرائيلية، ما لبثت أن شرعت بالبكاء، ورفضت المحرمة الورقية التي قدمها لها لتمسح دموعها، ثم ما لبثت أن طلبتها منه فقدم لها نفس الورقة، ودار بينهما حديث أبدت فيه اعجابها بلهجته الانجليزية، مع أنه لا يجيد تلك اللهجة، لأنه تعلمها في سنّ متأخرة، لكنه يجيد الحديث بهذه اللغة…وقد يكون لها أسبابها في ذلك، ليفترقا في مطار بن غوريون، هي سافرت الى تل أبيب، وهو سافر الى قطاع غزة، ليتوقف عند معبر بيت حانون-حاجز إيريز- أكثر من تسع ساعات، شاهد فيها الكثير من الاذلال والهوان غير المبرر…وليصل الى بيت والدته في خان يونس، وليجد كل شيء قد تغير…الانسان والمكان، حتى ملامح والدته لم تعد كما كان يعرفها.

الفنانة الاسرائيلية: دانا أهوفا فنانة حسناء ارتبطت بعلاقة حب بابن رئيس عربي في ايطاليا، وهي علاقة شابتها المخاوف، فكلاهما يخشى انكشاف أمرهما، فهو يخاف من الفضيحة ومن امكانية أن تكون عميلة للموساد الاسرائيلي، وهي تخاف من ردود الفعل لاقامتها علاقة مع ابن رئيس عربي قد يخلف والده في الحكم، ويكنّ العداء لدولتها اسرائيل…وكان لها عشيق اسرائيلي، التقت وليد الدهمان في الطائرة التي أقلتهما من لندن الى مطار تل أبيب…

التصوير الدرامي والتشويق: من يقرأ الرواية سيجد نفسه أمام دراما تلفزيونية أو سينمائية، فرغم مرارة المضمون إلا أن الكاتب استطاع تصوير مشاهد وحكايات وأحداث الرواية، وكأنه يرسم أو يصور بالكلمات…وعنصر التشويق يطغى على الرواية بشكل لافت.

21-10-2012



اترك تعليق