بدون مؤاخذة- الخرافة والشعوذة

Oct 15

في الوقت الذي تتسابق فيه الشعوب – بدعم من حكوماتها التي تخصص مئات ملايين بل مليارات  الدولارات لمؤسسات البحث العلمي- للظفر باكتشاف علمي يساهم في بناء الحضارة الانسانية، أو في عمل خطط وتطبيقها لتطوير مختلف المجالات من تعليم واقتصاد وصحة في بلدانها، وفي الوقت التي تخصص فيه وسائل اعلامها برامج لخدمة مشاريعها العلمية والاقتصادية والتعليمية والصحية وحتى السياسية، فاننا نجد عشرات الفضائيات العربية متخصصة في الشعوذة والدجل والنصب والاحتيال، وباتفاق مع شركات اتصالات محلية وعالمية لتقاسم ثمن المكالمة الذي قد يصل الى بضعة دولارات للدقيقة الواحدة، وتقوم هذه الفضائيات بتوظيف عدد من المحتالين والمشعوذين للرد على المتصلين وغالبيتهم من ربات البيوت الأميّات أو أشباه الأميات، ومن الرجال العاطلين عن العمل ولا يختلفون عن زميلاتهم من حيث التعليم، ويلاحظ أن المحتالين والمشعوذين يزعمون بعلم الغيب فيقرأون الطالع، ويزعمون بأن لديهم حلولا لمختلف المشاكل الصحية والاقتصادية وغيرها، ويزوجون العوانس، ويضعون حلولا لمشاكل الحب والخلافات الزوجية، مع أن “حلولهم” قد تخرب بيوتا وتدمر أُسَرا، في الأمس كنت أقلب محطات الفضائية واذا برجل يرتدي ثوبا وكوفية، وله ذقن مشذبة ويخاطبونه “بالدكتور” اتصلت عليه امرأة عمرها ثلاثون عاما –كما قالت- وأخبرته بأنها تعاني من زيادة في نبضات القلب وارتفاع في الضغط، وأن الطبيب أخبرها بأن قلبها سليم، وأنها ضغطها طبيعي، وعليها مراجعة طبيب نفسي، فسألها دكتور الفضائية: هل قمت بقص شعرك أو تغيير لونه؟ فأجابت:لا، وسألها ثانية: هل تشعرين بحركة في عينك اليسرى؟ فأجابت: لا…فقال لها: فكري جيدا بأسئلتي؟ فقالت بأها شعرت بحكة في جفنها…فقال: هذا ما سألتك إياه بطريقة أخرى غير أنك لم تفهمي السؤال….مشكلتك بسيطة…أنت مصابة بعين حاسدة، ضعي يدك اليسرى على رأسك وقولي:” حسبي الله على من حسدني” وكرريها مرات وستشفين….وهكذا كانت إجاباته لسائلات أخريات،  فتركتُ تلك المحطة التلفزيونية وانتقلتُ الى أخرى واذا بامرأة محجبة تجيب السائلين والسائلات بأنهم مسكونون بالجن الكافر، وأن قراءة آيات معينة من القرآن الكريم ستخرج هؤلاء الجن الكفرة….وهكذا، وانتقلت الى محطة أخرى واذا بامرأة سافرة كاسية عارية تعطي “نبوءات” عجيبة غريبة، وتعطي للسائل أو السائلة متى سيجدون عملا، ومتى ستنفرج مشكلاتهم الاقتصادية، ومتى سيتزوجون، وكم ولدا ذكرا سينجبون، وهكذا.
وفي محطة أخرى كان هناك “شيخ”يفسر الأحلام، وهكذا…..واثناء متابعاتي السابقة للصحافة تذكرت حوادث كثيرة سقط فيها ضحايا –غالبيتهم من النساء- تحت الضرب المبرح لإخراج الجن منهم بناء على أوامر مشعوذ يأخذ منهم أموالهم ويوصلهم الى ارتكاب جريمة القتل بحق أقرب الناس اليهم….وهكذا.
وللتذكير فقط فان هذه الشعوذات كلها ليست من الدين، بل هي خرافات وخزعبلات يلبسونها قالبا دينيا، ففي احدى الفضائيات قال مفتي السعودية قبل سنوات بأن الجن –وهو موجود في القرآن- كائنات ضعيفة لها عالمها الخاص، ولا علاقة لهم بالانسان، ولشدة ضعفهم فان”البسملة”-بسم الله الرحمن الرحيم- تطردهم من المكان الذي يتواجد فيه الانسان، وحذر من الشعوذة، واعتبر المشعوذين خارجين من الدين ودعا الحكومة الى سجنهم وحتى قتلهم.
ولمّا كان المشعوذون موجودين عند الشعوب جميعها، فما دور الحكومات العربية التي تعطي تراخيص لهذه الفضائيات التي تمارس النصب والاحتلال، وتعمل على تضليل الشعوب، ولماذا تسمح لها بذلك، أم هي سياسة مرسومة ومخطط لها؟ وهل يدخل النصب والاحتيال ضمن قانون الحريات؟ علما أن الحريات الحقيقية والنافعة غير متوفرة في دول الشعوذة والخرافات.
وهل ستتوقف هذه الخزعبلات التي تشوه ثقافتنا الحقيقية، وتسيء لديننا، وجعلت من شعوبنا أضحوكة بين الأمم؟ ومن سيوقفها؟ وما دور وسائل الاعلام وعلماء الدين في محاربة هذه الضلالات؟
15-10-2012
مدونة الكاتب جميل السلحوت: http://www.jamilsalhut.com

جميل السلحوت:بدون مؤاخذة- الخرافة والشعوذةفي الوقت الذي تتسابق فيه الشعوب – بدعم من حكوماتها التي تخصص مئات ملايين بل مليارات  الدولارات لمؤسسات البحث العلمي- للظفر باكتشاف علمي يساهم في بناء الحضارة الانسانية، أو في عمل خطط وتطبيقها لتطوير مختلف المجالات من تعليم واقتصاد وصحة في بلدانها، وفي الوقت التي تخصص فيه وسائل اعلامها برامج لخدمة مشاريعها العلمية والاقتصادية والتعليمية والصحية وحتى السياسية، فاننا نجد عشرات الفضائيات العربية متخصصة في الشعوذة والدجل والنصب والاحتيال، وباتفاق مع شركات اتصالات محلية وعالمية لتقاسم ثمن المكالمة الذي قد يصل الى بضعة دولارات للدقيقة الواحدة، وتقوم هذه الفضائيات بتوظيف عدد من المحتالين والمشعوذين للرد على المتصلين وغالبيتهم من ربات البيوت الأميّات أو أشباه الأميات، ومن الرجال العاطلين عن العمل ولا يختلفون عن زميلاتهم من حيث التعليم، ويلاحظ أن المحتالين والمشعوذين يزعمون بعلم الغيب فيقرأون الطالع، ويزعمون بأن لديهم حلولا لمختلف المشاكل الصحية والاقتصادية وغيرها، ويزوجون العوانس، ويضعون حلولا لمشاكل الحب والخلافات الزوجية، مع أن “حلولهم” قد تخرب بيوتا وتدمر أُسَرا، في الأمس كنت أقلب محطات الفضائية واذا برجل يرتدي ثوبا وكوفية، وله ذقن مشذبة ويخاطبونه “بالدكتور” اتصلت عليه امرأة عمرها ثلاثون عاما –كما قالت- وأخبرته بأنها تعاني من زيادة في نبضات القلب وارتفاع في الضغط، وأن الطبيب أخبرها بأن قلبها سليم، وأنها ضغطها طبيعي، وعليها مراجعة طبيب نفسي، فسألها دكتور الفضائية: هل قمت بقص شعرك أو تغيير لونه؟ فأجابت:لا، وسألها ثانية: هل تشعرين بحركة في عينك اليسرى؟ فأجابت: لا…فقال لها: فكري جيدا بأسئلتي؟ فقالت بأها شعرت بحكة في جفنها…فقال: هذا ما سألتك إياه بطريقة أخرى غير أنك لم تفهمي السؤال….مشكلتك بسيطة…أنت مصابة بعين حاسدة، ضعي يدك اليسرى على رأسك وقولي:” حسبي الله على من حسدني” وكرريها مرات وستشفين….وهكذا كانت إجاباته لسائلات أخريات،  فتركتُ تلك المحطة التلفزيونية وانتقلتُ الى أخرى واذا بامرأة محجبة تجيب السائلين والسائلات بأنهم مسكونون بالجن الكافر، وأن قراءة آيات معينة من القرآن الكريم ستخرج هؤلاء الجن الكفرة….وهكذا، وانتقلت الى محطة أخرى واذا بامرأة سافرة كاسية عارية تعطي “نبوءات” عجيبة غريبة، وتعطي للسائل أو السائلة متى سيجدون عملا، ومتى ستنفرج مشكلاتهم الاقتصادية، ومتى سيتزوجون، وكم ولدا ذكرا سينجبون، وهكذا.وفي محطة أخرى كان هناك “شيخ”يفسر الأحلام، وهكذا…..واثناء متابعاتي السابقة للصحافة تذكرت حوادث كثيرة سقط فيها ضحايا –غالبيتهم من النساء- تحت الضرب المبرح لإخراج الجن منهم بناء على أوامر مشعوذ يأخذ منهم أموالهم ويوصلهم الى ارتكاب جريمة القتل بحق أقرب الناس اليهم….وهكذا.وللتذكير فقط فان هذه الشعوذات كلها ليست من الدين، بل هي خرافات وخزعبلات يلبسونها قالبا دينيا، ففي احدى الفضائيات قال مفتي السعودية قبل سنوات بأن الجن –وهو موجود في القرآن- كائنات ضعيفة لها عالمها الخاص، ولا علاقة لهم بالانسان، ولشدة ضعفهم فان”البسملة”-بسم الله الرحمن الرحيم- تطردهم من المكان الذي يتواجد فيه الانسان، وحذر من الشعوذة، واعتبر المشعوذين خارجين من الدين ودعا الحكومة الى سجنهم وحتى قتلهم.ولمّا كان المشعوذون موجودين عند الشعوب جميعها، فما دور الحكومات العربية التي تعطي تراخيص لهذه الفضائيات التي تمارس النصب والاحتلال، وتعمل على تضليل الشعوب، ولماذا تسمح لها بذلك، أم هي سياسة مرسومة ومخطط لها؟ وهل يدخل النصب والاحتيال ضمن قانون الحريات؟ علما أن الحريات الحقيقية والنافعة غير متوفرة في دول الشعوذة والخرافات.وهل ستتوقف هذه الخزعبلات التي تشوه ثقافتنا الحقيقية، وتسيء لديننا، وجعلت من شعوبنا أضحوكة بين الأمم؟ ومن سيوقفها؟ وما دور وسائل الاعلام وعلماء الدين في محاربة هذه الضلالات؟15-10-2012



اترك تعليق