رواية “من الشاطئ البعيد” في اليوم السابع

ر

القدس:20-9-2012:ناقشت ندوة اليوم السابع الثقافية الدورية الأسبوعية في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس رواية “من الشاطئ البعيد” للروائي المقدسي عيسى القواسمي، والتي صدرت قبل بضعة أسابيع عن دار راية للنشر في حيفا.

بدأ النقاش ابراهيم جوهر الذي أدار الندوة، فأشاد بقدرة الكاتب على الروي وبلغته الجميلة، وأخذ عليه تسرعه في النشر.

وبعده قالت نزهة ابو غوش:

الشخصيات في الرواية:

1-  شخصيّة الرّاوي الّذي قام بدورها الكاتب عيسى قواسمي نفسه، هو روائي من مدينة القدس، مثقّف يعرف كلّ شيء. كان يستمع لمحدّثيه ويسألهم، ويناقشهم، ولم يعزل نفسه جانبًا عنهم، وإِنّما تدخّل في معظم الأَحداث مع باقي الشّخصيّات، حتى أَنّه جعل من شخصيّته إِنسانًا له ماضٍ وذكريات مؤلمة، حيث عاش قصّة حبّ في مدينة عكّا مع فتاة حيفاويّة، لم يرتبط بها.

وصف الكاتب الشّخصية وصفًا داخليًّا فقط، ولم نتعرّف على شكله الخارجي، حيث ظهرت على شخصيّة الرّاوي الكثير من الانفعالات ، مثل الفرح والحزن والألم كنتيجة للأَحداث الّتي كان يسمعها. بدا مهذّبًا في سلوكه مع الآخرين، المتحدّثين في الرّواية مثل علياء ومصطفى وميشيل، من مدينة النّاصرة شمال فلسطين؛ كما أنّه بدا إنسانًا صاحب مباديء وقيم تندمج الفلسفة في معظم أقواله. لكنّا لم ندخل إِلى عمق شخصيّته.

شخصيّه الرّاوي شخصيّة إِيجابيّة بنّاءة تحرّك  مجرى الأحداث. يبدو أنّ رسالة الكاتب وهدفه من خلق تلك الشّخصيّة، أن يوحي للقارىء بمدى صدق الأَحداث وواقعيّتها، إِذ هو بنفسه من سأل وناقش، وسمع وعرف من أَفواه المتحدّثين أنفسهم عن مأْساتهم عام 1948.

2- شخصيّة علياء:

علياء هي شّخصيّة رّئيسيّة في الرّواية. شخصيّة نامية متطوّرة ساهمت في تطوير الأحداث بشكل كبير. ولدت في مدينة حيفا الفلسطينيّة، روت معظم الأحداث عمّا حدث لها ولأُسرتها من كوارثّ ومصائب أَيّام النّكبة وبعدها. عاشت في بيئة مغلقة في كنيسة الفرنسيسكان في مدينة النّاصرة منذ أن كانت في سنّ الثّالثة من عمرها، حتّى بلوغها سنّ الزّواج. بعدها عاشت في بيت الزّوجيّة في المدينة نفسها. كانت شخصيّة علياء ذكية ونشيطة ولمّاحة. فهمت كلّ ما دار حولها من أَحداث النّكبة حيث دخول المحتلّ وتدميره الأحياء وتفجيره البيوت، منها بيت أُسرتها، حيث قتلت والدتها والدّاية أُم خليل والمولود في آن واحد. كذلك تهجيره المواطنين عبر السّفن إِلى جنوب لبنان ومنهم والدها فارس بطل الرّواية.

علياء هي الأُخت الأصغر لأُختها سلوى. كانت شخصيّة  قويّة متحدّية، حيث تحدّت المختار بقوّة ورفضت قبول الزّواج من ابن أَخيه، كما أنّها كانت امرأة لا تيأس وتمتلك الأمل رغم كلّ ما مرّ عليها من أحداث. استخدمها الكاتب لتروي أَحداث روايته من بدايتها حتّى النّهاية، كما استخدمها كشخصيّة وسيلة لإِيصال أفكاره وبعض فلسفته عن الحياة والقدر والحرب و… فكانت حينها شخصيّة زائدة لا تخدم أحداث الرّواية، وذلك من البداية وحتّى صفحة23. أظهر الكاتب صفات علياء من الدّاخل ولم يتطرّق إِلى الصّفات الخارجيّة للشّخصيّة.

3- شخصيّة فارس: فارس هو بطل رواية  “من الشّاطىء البعيد”. شخصيّته نامية ومتطوّرة منذ أن فقد زوجته ومولودهما عام النّكبة، وفقده لبناته علياء وسلوى بعد أن أودعهما الدّير- حسب الإِشاعات بأنّ الدّير قد أُحرق- مرورًا لحياته في مخيّم الميّة ميّة في جنوب لبنان، وزواجه وبناء أُسرة من ثلاثة أبناء؛ وعودته مجاهدًا وسجنه، ثمّ تحريره كصفقة لتبادل الأسرى حتّى استشهاده أخيرًا. بدت شخصيّة فارس شخصيّة حزينة متألّمة، لم تنس الماضي، وهي مستسلمة أَحيانًا لكنّها لم تفقد أمل العودة للوطن. استخدم الكاتب تلك الشّخصيّة لتعكس مآسي آلاف المهجّرين عن وطنهم فلسطين.

4- شخصيّة سلوى: سلوى هي الأُخت الكبرى لعلياء عاشت ضمن حدود الدّير تحت رعاية الرّاهبات حتّى كبرت وتزوّجت من ابن أخي المختار. وعاشت في مدينة النّاصرة. كانت امرأة مطيعة، بل خنوعة ترضخ لزوجها رغم عنفه وتسلّطه. تقبل قرارالآخرين لها. حزينة، متألّمة بصمت. انفجرت أخيرًا وقتلت المختار حرقًا؛  بسبب مضايقته لها وتحرّشه بها.أُصيبت بعدها بالجنون وأُودعت المصحّة النّفسيّة. استخدم الكاتب تلك الشّخصيّة؛ كي يثبت للقارىء بأَنّ هذا ما أفرزه لنا الاحتلال: تفكّك أُسرة تشريد، تشتّت، وضياع، أي لو بقيت أُسرتها ولم تتدمّر، ولو لم تعش في ذلك الدّير، لما استطاع أحد أن يقهرها ويتسلّط عليها وتصل لما وصلت إِليه.

5- شخصية سهيل وباولا الرّاهبة، وكرستين، وشخصيّة الأُم والوليد، والدّاية أُم خليل وعبد الوهاب، وسعيد وبدر؛ شخصيّات ثانوية استخدمها الرّاوي لكي تخدم أهداف الشّخصيّات الرئيسيّة.

6- شخصيّة المختار وابني أخيه شخصيّتان ثانويّتان سلبيّتان متعاونان مع المحتل، طمّاعان وجشعان ومتسلّطان. استخدمهما الكاتب لمساعدة الشّخصيّات الأُخرى ولكي يظهر بأنّ هناك شريحة سلبيّة في المجتمع.

7- شخصيّة مصطفى وميشيل: شخصيتان ثانويتان أَسهب الكاتب في وصفهما الخارجي والدّاخلي. يسكنان في مدينة النّاصرة. الأوّل كان صديقًا لفارس في السّجن وميشيل هو صديق لمصطفى. لم تخدم تلك الشّخصيتين أهداف الرّواية أبدًا، بل هما شخصيّتان مقحمتان في نهاية الرّواية . استخدمهما الرّاوي؛ من أجل أن يعبّر عمّا يجول بفكره وقلبه من آراء ومعتقدات وفلسفات، وتعبيرات وتشبيهات بلاغيّة.

وقالت رفيقة عثمان:

تجسيد شخصيَّة الكاتب في شخصيَّة الراوي:

–           تجسدَّت شخصيَّة الكاتب في شخصيَّة الراوي في رواية “من الشاطئ البعيد”، وأسهب الكاتب في عرض آرائه، وفلسفته الخاصَّة في مواضع مختلفة من النص، مما أثقل الحس الفني للرواية، وأضاف للنص عبئًا إضافيًّا لا ضرورة له؛ لدرجة لا تُشعر القارئ بالتلقائيَّة، والسرد غير المتكلف؛ بل كان تدخُّل الكاتب مقحمًا عندما تعمد الكاتب إيصال رسالة معيَّنة. كما ورد صفحة: 183، “هيَّأت لي عكا بوجوم سورها سلم النزول، والعودة درجات حيث انكسارات القلب وتقلباته في السنوات الاولى لي مع العاطفة، وذاك لأنني قبل أكثر من عشرين عامًا مضت، كنت قد تركت قلبي هنا عند إحدى فتحات السور مع فتاة حيفاوية، والزمت نفسي حينذاك أن لا أعلق أوهامي فوق أيّ سور آخر.”، كذلك صفحة: 204، عندما وضح الكاتب حول مشاركته في ندوة اليوم السابع، “نعم أنا أرتاد أحدها، وأقدمها، في مسرح الحكواتي.. هناك ندوة اسبوعية تقام كل مساء من ايام الخميس، ويتم خلالها مناقشة كتاب ما، وهذا الحال مستمر منذ أكثر من عشرين عامًا، وهناك ندوات أخرى هنا وهناك لكن ندوة اليوم السابع هي اقدمها.. وتمتاز ايضًا بالنقد الأدبي الملتزم، وبروادها الذين يمتازون بالكفاءة والحس الأدبي العالي.” اعتبر الكاتب، أي الراوي أحد أبطال الرواية، الذي أدار الحوار مع الأبطال الآخرين، وعبَّر عن آرائه الشخصيَّة من خلال نفسه بشكل مباشر.

حبَّذا لو ابتكر الكاتب شخصيَّة الراوي شخصيّة حيادية، واستبدلها بشخصيَّة خيالية مستعارة، ومتخفيَّة خلفه، أو ما تسمَّى “الذات الثانية للكاتب”؛ بحيث يستعرض الكاتب آراءه، وفلسفته الخاصَّة من خلاله، لدرجة يبدو فيها الكاتب غائبًا عن الأحداث المباشرة التي تجري أمام القرَّاء. يعتبر ابتكار شخصيَّة ضمنيَّة، أو ما تسمى الذات الثانية، ابتكارًا فنيًّا من صنع الكاتب، كما يبتكره العديد من المؤلفين. Kathlea Tilloston)).

–           استخدم الكاتب أسلوب السرد القصصي بطريقة استجوابيَّة، المتمثِّلة بالحوار الصحفي الذي يميِّز الأبحاث العلميَّة، واستخدام المقابلات، خاصَّة ما يستخدم في البحث العلمي الكيفي- Qualitative Research-، لسرد السيرة الذاتيَّة، والذاكرة الجماعيّة.

–           كانت لغة الكاتب غنية جدَا، من حيث استخدام الكاتب للمحسنات البديعيَّة، والاسترسال بالوصف الدقيق، المصاحب بالخيال، لدرجة طغت اللغة على سرد الأحداث، واعاقت الانتقال بها بطريقة سلسة، وسريعة.

–           تخلَّلت الرواية شخصيات مُقحمة، مثل شخصيَّة مصطفى صديق فارس بطل الرواية، والمُحرَّر من السجن، كان واضحًا للقارئ بأن الكاتب اراد ان يستعرض جزءًا من أدب السجون من خلال هذه الشخصيَّة، لدرجة استحوذت هذه الشخصيَّة على مساحة واسعة من النص الأدبي، خاصَّة كان من المتوقع الإسهاب حول شخصيَّة البطل الحقيقي (فارس) من خلاله، في الصفحات الأخيرة من النص، كما ورد صفحة: ( 190-193).

–           الشخصيَّة الثانية: شخصية الصبي، ابن كريستين، صديقة البطلة علياء، والذي سمي على اسم البطل فارس الصغير، أليس بالأولى ان تُسمي علياء ابنها على اسم أبيها البطل؛ كي تكون الفكرة مقنعة للقارئ؟ فيصبح البطل الصغير فارس، رمزًا للاستمرارية، والذاكرة الفلسطينيَّة التي لا تنسى ابدًا.

–           تجاهل الكاتب مصير شخصية سلوى، البطلة الثانية، اخت علياء في نهاية الرواية، لم يمنحها الكاتب حقها الكافي في الرواية، خاصَّة عندما تعرفت علياء على عمتها، لم يكن لسلوى دور يذكر بهذا المضمار.

–           اهتم الكاتب بإدخال عنصر التشويق، حيث يجذب القارئ للقراءة المستمرة.

–        اختيار الكاتب لموضوع الرواية، كان موفَّقًا؛ لتأريخ الأحداث التي مرَّ بها الشعب الفلسطيني، اثناء النكبة، والتهجير، والشتات.

جميل السلحوت:

رواية من الشاطئ البعيد لعيسى قواسمي

صدرت رواية “من الشاطئ البعيد”لعيسى القواسمي عن منشورات دار الراية للنشر في عكا، وتقع الرواية التي يحمل غلافها الأول لوحة للفنان طالب الدويك في 229 صفحة من الحجم الصغير.

هذه هي الرواية الرابعة للكاتب المقدسي عيسى قواسمي، ويتمحور موضوعها حول أسرة فلسطينية من حيفا عام النكبة، حيث فقد بطل الرواية فارس زوجته وطفله الوليد قبل أن يطلق عليه اسما، مع الداية من خلال قذيفة أُطلقت على بيت الأسرة في واد النسناس، لتتركه مع طفلتين صغيرتين وضعهما في دير في الناصرة على أمل العودة اليهما، فعاد الى حيفا بصحبة أحد أصدقائه، فاستشهد الصديق، وأصيب فارس في قدمه، ليجد نفسه على ظهر سفينة متجهة الى لبنان، حيث سبقه اخوته هناك، وتزوج في لبنان وأقام في مخيم ميه الميه. وتبقى طفلتاه تحت رعاية الراهبات في الدير، وتحت وصاية مختار قرية صفورية،  الذي زوّج الكبرى سلوى من ابن أخيه عندما بلغت الثامنة عشرة، وكان ابن أخيه هذا عاقرا يسمسر الأراضي للوكالة اليهودية، ومرتبطا بالمخابرات الاسرائيلية، وقد أساء معاملة زوجته سلوى، في حين كان عمّه يطمع بها، مما دفعه الى قتل ابن أخيه، غير أن سلوى أشعلت النار بالمختار فأحرقته، وأودعوها مستشفى الأمراض العقلية، وقد رفضت البنت الصغرى علياء طلب المختار يدها لابن أخيه الآخر، وتزوجت من سهيل ابن صاحب المخبز المجاور للدير، وبمباركة راهبة الدير التي كانت ترعاها…وعاشت حياة سعيدة مع زوجها، وأنجبت منه، أمّا زوج سلوى فبعد أن اكتشف أنه عاقر فقد حاول استرضاء زوجته، ودبّر عودة لأبيها من لبنان عن طريق يعقوب رجل المخابرات الاسرائيلي الذي عمل له جواز سفر اسرائيلي  سيستلمه في قبرص، غير أن الأب فارس رفض ذلك، لأنه كان منتظما في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وقد وقع في الأسر  عندما أصيب بجروح في رجله على الحدود اللبنانية واستشهد زميلاه عندما اجتازا الحدود، وأودع السجن الى أن تحرر في صفقة تبادل الأسرى عام 1985 بين اسرائيل والجبهة الشعبية القيادة العامة بقيادة أحمد جبريل، وفي الأسر زارته ابنته علياء وزوجها، ثم ما لبث أن استشهد عام 1989 في معركة على الحدود اللبنانية.

وواضح أن الكاتب قد استفاد من تجاربه السابقة في طريقة السرد الروائي، واستعمل لغة جميلة-رغم بعض الأخطاء النحوية- وأسلوب التشويق واضح في الرواية.

هفوات في المصطلح وفي البناء الروائي:

استعمل الكاتب مصطلح “النازحين” على مهجري نكبة العام 1948، وهذا المصطلح يطلق على من تركوا ديارهم في هزيمة حزيران 1967، بينما يطلق على من شُرّدوا من ديارهم عام النكبة الأولى” لاجئون” أو “مهجّرون”..كما وقع في أخطاء أخرى مثل انضمام فارس الى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في بداية ستينات القرن الماضي، والجبهة الشعبية هي الذراع العسكري لحركة القوميين العرب، وتأسست بعد حرب حزيران 1967، وجاء في الصفحة بعد وقوع انفجار في حيّ واد النسناس في حيفا”بعد أن تشاور مع صديقه عبد الوهاب قرّرا الاتجاه شمالا نحو مدينة الناصرة” ومعروف أن الناصرة تقع جنوب حيفا وليس شمالها…كما وقع في خطأ يتعلق بعمر علياء، ففي بداية الرواية قال بأن عمرها عندما هُجّروا من حيفا عام 1948 كان عمرها لا يتجاوز الثلاثة أعوام، وفي الرسالة التي وصلتها من والدها وهو في الأسر قبل العام 1985 جاء في الصفحة 210على لسان الأب”حينما ولدتِ قبل أكثر من خمسين عاما مضت في بيتنا أنا وأمّك سعاد” فكيف يكون ذلك؟

وعندما تحدث عن لقاء الأب بابنتيه عام 1965 عن بعد عند بوابة “المندلبوم” في القدس، تحدث عن جنود انجليز يرتبون الزيارة، وهذا غير صحيح، فقوات الطوارئ الدولية هي من كانت ترتب تلك الزيارات،  وانتهى وجود القوات البريطانية في 15 أيار 1948، وكذلك الحديث عن زيارة علياء وزوجها للأب فارس في سجن عسقلان، كانت الزيارة تتم من خلف زجاج مقوّى، وزيارة السجون من خلف الزجاج لم تعرف إلّا بداية تسعينات القرن الماضي…كما جاء في أكثر من موقع في الرواية حديث علياء عن والدها فارس بالحديث عن فارس باسمه، وكأنه شخص غريب عنها وليس والدها.

تمنيت لو أن الكاتب أنهى روايته عند الصفحة 202، فحديثه عن نفسه وعن مشاركته في ندوة اليوم السابع، كان مقحما لإطالة صفحات الرواية، وكذلك بقية الصفحات.

3 تموز 2012

وقال محمد موسى سويلم:

من الشاطئ البعيد، نعم بعيد في عمر الزمن قريب من الروح ، كتب عيسى القواسمي تلك الرواية من أفواة وذاكرة المهجرين،  وهذة الذاكرة هى جزء من التاريخ الشفوي للنكبة، وهو التاريخ الذي يجب أن يحفظ ويوثق كي لا ننسى تلك الايام التي فرقت الأمّ والابن والأب  والبنت ، والتي شتت الأسر أيّما تشتيت، فالتاريخ الشفوي هو جزء لايتجزأ من تاريخ الشعوب.

لقد كتب على غرار من كتبوا في هذا الموضوع الهام أمثال غسان كنفاني في رائعته  عائد الى حيفا، وديمة  السمان في رحلة ضياع، وسلمان ناطور ستون عاما في الصحراء  والكثير ممن أثروا الأدب الفلسطيني،  لقد وضع هولاء أفضل السبل لافشال مقولة الكبار يموتون والصغار ينسون.

رواية من الشاطى البعيد الذي كان للقدر نصيب كبير في أدوارها مثل التقاء العمة  مع بنت أخيها،  وسجن الأب ليرى ابنته، ووفاة صديقه  لينجو هو،  وكيف يمر الزمان وعلى الباغي  وتدور الدوائر بعد أن منع من العودة رغم محاولاتة المتكررة وعلى رأى الشاعر :

أحرام على بلابلة الدوح          حلال على الطير من كل جنس

رواية في التآخي والتكافل الاجتماعي والانساني ودور الأديرة والكنائس في تقديم العون والمساعدة والرعاية، وعلى رأى المثل (اللي ما لو أب الو الرب ) وعن ظلم ذوي القربى مثل المختار وابن اخية  وعلى رأى المثل (ولا عشانها يتيمة الكل بلطها ) وعن دور المخاتير السيء في كثير من الروايات.

اطلب من كل روائيي الوطن أن يسيروا على خطى من كتبوا حول النكبة وأثرها من المآسي…المعاناة…العذاب الذي ولدتة يد الغدر الجبان على أمتي، كما أطالب أن يكون هناك أدب اسمة أدب النزوح،  أسوة بأدب السجون والمعتفلات، حتى يظل الأحفاد على مطلعين على الماضي الجميل لأجدادهم، ويعرفون حجم النكبة وما ارتكبته عصابات يهود في حقنا، وأطلب أيضا أن يكون في معاهدنا وجامعاتنا تخصيص  مادة دراسية  حول الأدب  والتاريخ الشفوي والرواية التسجيلية عن كل القرى المهجرة في كل فلسطين.

وقال موسى أبو دويح:

كتب عيسى القواسميّ روايته الرّابعة (من الشّاطئ البعيد)، الّتي صدرت طبعتها الأولى عن دار راية للنّشر سنة (2012م) في (230) صفحة من القطع المتوسّط.

أهدى عيسى روايته (إليها) وقال: كتبْتكِ لأقول عنك ما لم أقلْه بين سطور الحكاية. أنتِ وإن لم يستوعبْك الوجود ستحيَيْن في الحلم أجمل.

وقسّمها إلى واحد وعشرين قسمًا أعطاها أرقامًا متسلسلة من (1- 21) يقع كلّ قسم منها في عشر صفحات، أحيانًا تقلّ قليلاً أو تزيد قليلاً أحيانًا أخرى.

يتّصف عيسى بالغموض في كلّ ما يكتب؛ حيث تقرأ له الرّواية، وتشعر أثناء القراءة بكلام منمّق مدبّج، وعندما تنتهي من قراءة الرّواية تكون كالقابض على الرّيح.

إلا أنّ عيسى في هذه الرّواية الرّابعة الّتي نناقشها اليوم في ندوة اليوم السّابع في القدس، اختلف كثيرًا عنه في رواياته الثّلاث الّتي سبقت هذه الرّواية؛ حيث أصبح واضحًا في كلامه، مفهومًا في رموزه، وقليلاً جدًا ونادرًا ما عاد إلى رمزيّته وغموضه في هذه الرّواية؛ حيث تجد في كلّ قسم منها فقرة أو فقرات قليلة، أو جملة أو جملاً قليلة تستعصي على الفهم، وتعيد قراءتها مرّةً ومرّة فلا تظفر بطائل.

وسرُّ أو سبب وضوح عيسى في هذه الرّواية أنّه كتب واقعًا معاشًا وأحداثًا حقيقيّةً حدثت فعلاً، ولم يكتب خيالاً  ولا تصوّرات. فأحداث روايته متسلسلة ومتلازمة ومتصوَّرة منذ نكبة )1948م( وإلى أيّامنا هذه، أو أيّام ما سُمّي بالرّبيع العربيّ أي سنة (2011م-2012م).

فالشّاطئ البعيد هو شاطئ عكّا أو شاطئ من شواطئ لبنان، ومعلوم أنّ أهل شمال فلسطين هاجروا أو هُجّروا إلى لبنان وعاشوا في مخيماتها ومنهم من هاجر إلى سوريا وعاش في مخيماتها.

وسَفَرُ الكاتب إلى شمال فلسطين، إلى النّاصرة وحيفا وعكّا، أظنّه سفرًا حقيقيًّا؛ حيث اتّصل الكاتب ببعض شخوص الرّواية وأخذ عنها أحداث الرّواية الرّئيسة، وأضاف إليها بقلمه السّيّال وخياله الخصب ما شاء الله له أن يضيف، فجاءت الرّواية من أحسن ما كتب عيسى القواسميّ. ومع كلّ هذا التّقريظ للرّواية، إلاّ أنّها لم تَخْلُ من الأخطاء المطبعيّة والنّحويّة الّتي صارت ملازمةً لكثير ممّا يصدر من الكتب في هذه الأيّام، وهي أخطاء كثيرة، وأنا هنا أختار أسوأها وأفحشها:

1.   صفحة (171): (كان شرشف الطّاولة الخمريّ مطرز) والصّواب: مطرّزًا.

2.   صفحة (174): (على حدثٍ هامّ) والصّواب: على حدث مهمّ. ووردت هذه الكلمة (هامّ) كثيرًا في الرّواية.

3.   صفحة (182): (وكان السّور نفس السّور الّذي تصدّى للغزاة) والصّواب: وكان السّور هو السّور نفسه.

4.   صفحة (185): (كنت في ذات الغرفة) والصّواب: في الغرفة ذاتها.

5. صفحة (187): (إنّ في داخل كلّ إنسان منّا كائنان) والصّواب كائنَيْنِ؛ لأنّها اسم إنّ منصوب وعلامة نصبه الياء لأنّها مثنى.

6.   صفحة (192): (كانت تنعشنا وتحينا) والصّواب: وتحيّينا بياءين لا بياء واحدة.

7.   صفحة (195): (قد غفى في سباته) والصّواب: غفا بألف قائمة لا بألف على شكل الياء.

8. صفحة (203): (بات هؤلاء المستوطنين اليهود) والصّواب هؤلاء المستوطنون؛ لأنّها بدل مرفوع من اسم بات.

9. صفحة (205): (ولا شكّ لديّ أنّ للاستعمار الّذي لم يفارق المنطقة بعد دور كبير في إدارة هذه الدّفّة) والصّواب: دورًا كبيرًا؛ لأنّها اسم أنّ منصوب ونعته منصوب.

10.   صفحة (208): (لقد استُقبل هناك بحفاوةٍ هو والأسرى الآخرين) والصّواب: الآخرون؛ لأنّها نعت للأسرى، والواو قبل الأسرى واو عطف وليست واو معيّة.

11.   صفحة (212): (لكي ينقذونني) والصّواب: ينقذوني؛ لأنّه فعل مضارع منصوب    بكي وعلامة نصبه حذف النّون.

12.   صفحة (218): (من المتعارف عليه أنّ بين حنطة الإدراك ونكهة المعرفة هنالك خيط دقيق من التّساؤلات) والصّواب: خيطًا دقيقًا من التّساؤلات؛ لأنّها اسم إنّ منصوب ونعته منصوب. وأنا لا أعرف ماذا يقصد الكاتب في قوله: (حنطة الإدراك).

13.   صفحة (219): (في رحلة لم تنتهي بعد) والصّواب: تنتهِ بحذف الياء لأنّه فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف الياء. وفيها (في السّتينيّات من العمر) والصّواب: في السّتينات.

14.   صفحة (226): (أعطني جزءًا منك لكي أكونك) والصّواب جزءً منك لكي أكون إيّاك، بحذف الألف من كلمة جزء واستبدال إيّاك بكاف الخطاب في (أكونك).

15.   صفحة (228): (يا ابن الطّين) والصّواب: يا بن الطّين، بحذف ألف ابن بعد النّداء. ولقد وردت كلمة ابن أو ابنة أو ابنتي بعد النّداء كثيرًا في هذه الرّواية.

وقال جمعة السمان:

رواية أبدع الكاتب في رسمها لوحة تراثية.. تعيش مدى عمر الزمن، تذكّر بمأساة شعب عانا من ويلات الإحتلال الكثير.

الكلمة رشيقة.. وتسلسل الأحاث مرتب وجميل.. ودرجة التشويق عالية.. والصور أجمل من الجميل.. لكن وللأسف أضاعت هذه الصور الجميلة الهدف.. وأحبطت سمو النص صاحب المعنى الجميل.

لقد بعثر الكاتب الصور الكلاميّة الجميلة بين أقدام الكلمات.. فتاه القارئ عن متابعة النص.. وتاه عن المعنى الجميل.. وفقدت الصورة معناها في زحمة الكلمات

حيث أن عدد صور الرواية فاق عدد كلماتها.. وهذا دليل على نعمة خيال واسع  أنعم الله بها على الكاتب.. علما بأن المصلحة الوطنية الفلسطينية كانت تقتضي أن يتغلب النص الروائي صاحب الهدف.. علي أي صورة جمالية لنكسب كل قارئ على هذه المعمورة مؤيد لقضيتنا.

وأكتفي بذكر هذه الأخطاء الّتي وردت في الرّبع الأخير من الرّواية لأنّني سئمت، وصرت ألاحظ أنّ بعض أعضاء ندوة اليوم السّابع يسأمون من ذكر الأخطاء.

وكان هنا مداخلات لبعض الحضور أمثال: محمد عليان، راتب حمد، د.اسراء ابو عياش، ديمة السمان، نسب أديب حسين، رفعت زيتون،نبيل الجولاني، محمد زيادة، طارق السيد وآخرين.

التعليقات

جميل السلحوت

جميل حسين ابراهيم السلحوت
مولود في جبل المكبر – القدس بتاريخ 5 حزيران1949 ويقيم فيه.
حاصل على ليسانس أدب عربي من جامعة بيروت العربية.
عمل مدرسا للغة العربية في المدرسة الرشيدية الثانوية في القدس من 1-9-1977 وحتى 28-2-1990

أحدث المقالات

التصنيفات