بدون مؤاخذة- ما وراء الاساءة لخاتم النبيين

Sep 16

لا أبيح لكم سراً عندما أقول بأنني تهيبت كثيراً قبل محاولتي المتواضعة هذه في الكتابة عن الاساءات التي صدرت من جهات تعيش جاهلية القرن الحادي والعشرين للرسول الأعظم صلوات الله عليه ، وسبب تهيبي هو ايماني العميق بأن الرسالة السماوية التي أتى بها خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام ، وسيرته العطرة لا يستطيع النيل منها حاقد مغمور هنا أو هناك يبحث عن الشهرة التي تدخله مزابل التاريخ ، وأنا من المؤمنين بالحكمة القائلة : لا يضر السحاب نباح الكلاب ” فما بالكم اذا كان الأمر يتعلق ” بخير الناس كلهم ” سيد الخلق أجمعين .

لكن تكرار الاساءة ، أثبت أنه ليس عفوياً ، بل تقف وراءه جهات وأفكار وسياسات وشخصيات ، تبدو أنها مرعوبة من الفكر الاسلامي الصحيح ، هذا الفكر الذي لم يأت لانقاذ العرب وحدهم ، بل جاء من الخالق الواحد الأحد لانتشال البشرية من الظلمات الى النور .

والذي دفعني الى الكتابة في هذا الموضوع هو زعم ” الديمقراطيات الغربية ” بأن هذه الاساءات الجارحة والمؤلمة تندرج تحت ” حرية الرأي ” التي تكفلها وتحميها ها الدساتير والقوانين والتشريعات في بلدانهم ، وهذا هو الكذب بعينه، وهم أول من يعلم مدى انخراطهم بهذا الكذب . ومن حق المرء سواء كان مسلماً أو من اتباع الديانات السماوية الأخرى ، أو حتى من الملحدين أو الوثنيين أن يتساءل عن مدى جديّة هذا الزعم ، وعن مدى انفلات حرية الرأي في تلك البلدان أم لا ؟

وللاجابة عن هذا التساؤل دعونا نتذكر بعض التصرفات لنرى الحقيقة الراسخة والشاهدة على عدم احترام الرأي في التصرفات ومسلكيات لا نرضى عنها أو عليها ، فمثلاً : أقام أصحاب حرية الرأي الدنيا ولم يقعدوها عندما قام جهلاء حركة طالبان في أفغانستان بتدمير تماثيل بوذا في بلادهم ، علماً أن الاسلام لا يدعو الى تدميرها ، بدلالة أن المسلمين أبقواعلى تماثيل الفراعنة في مصر منذ عهد فاتحها الخليفة الثاني عمر بن الخطاب – رضي الله عنه وأرضاه – وحتى الآن ، وهي تراث مصري يمثل حضارة المصريين القدماء قبل الاسلام بآلاف السنين ، ويجب الحفاظ على هذا التراث ، وما قام به جهلاء طالبان ما هو الا تدمير لتراث أجدادهم ، وبالتالي فهم الخاسر الأول والأخير من فعلتهم التي أدانها المسلمون قبل غيرهم ، ومع أن دعاة ” حرية الرأي ” ليسوا أيضاً من أتباع البوذية .

وهناك أمثلة أخرى مثل قيام بعض الجهلة – مسلمين كانوا أو غير مسلمين – برسومات مسيئة على قبور في أوربا وأمريكا الجنوبية لموتى من أتباع ديانة سماوية أخرى لتدنيسها، في محاولات بائسة ويائسة منهم للانتقام من أعمال اجرامية يمارسها بعض أتباع تلك الديانة بحق الانسانية وبحق المسلمين ، ومع ذلك فإن الوعي الاسلامي رفض ذلك وأدانه، وقام دعاة ” حرية الرأي ” بالبحث عنهم لمحاكمتهم وسط ضجيج اعلامي هائل ، علماً أنهم أي ” دعاة الحرية ” لم يحركوا ساكناً عندما قامت ولا تزال تقوم دولة اسرائيل بتجريف عشرات مقابر المسلمين فيها .

والجميع يتذكر كيف قامت فرنسا بمحاكمة المفكر الفرنسي المسلم جارودي عندما طالب بالبحث في مدى مصداقية ” الهولوكوست ” المذابح النازية ضد اليهود . علماً أن النازية والفاشية هما افراز ” للديمقراطيات ” الغربية ، هذا الافراز الذي أهلك البشرية بشروره ، وألحق بها خسائر تزيد عن السبعين مليون ضحية ،عدا عن الخسائر المادية الباهظة جدا ، ولا يختلف عاقلان على ادانة النازية والفاشية ، وادانة الجرائم التي ارتكبوها بحق الانسانية .

والأمثلة على أن حرية الرأي ليست منفلتة في العالم الغربي وفي جميع دول العالم كثيرة جداً . لكنها مباحة فقط في العالم الغربي ضد المسلمين وضد الاسلام، وضد نبي البشرية الذي جاء بالاسلام ، فلماذا هذا الانفلات وفي هذه المرحلة بالذات ؟؟

وقبل الخوض في هذا الموضوع يجدر التذكير بأن الدول التي تسمح لبعض معتوهيها بالاساءة للرسول الأعظم صلوات الله عليه ، وللاسلام كانت تعتبر الديانة الاسلامية الدرع الواقي من خطر الشيوعية في عهد الاتحاد السوفييتي البائد ، وكانوا يستغلون ايمان المسلمين، ودعوة الاسلام الى التوحيد في محاربة الفكر الشيوعي ، لكنهم ما لبثوا أن انقلبوا على الاسلام والمسلمين بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ومجموعة الدول الشيوعية ، ومن المضحك المبكي أن من يرفضون اقامة دولة فلسطينية هذه الأيام بحجة أنها ستكون دولة اسلامية يحكمها مسلمون ” متطرفون ” هم من كانوا يرفضون قيامها ، منذ العام 1948 وحتى بداية تسعينات القرن الماضي خوفاً من أن تكون دولة شيوعية !!

واللافت للانتباه أنه وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي مباشرة ظهر كتاب ” صراع الحضارات ” لصموئيل هنينجتون المفكر الأمريكي الشهير الذي ارتأى فيه أن الصراع بين الشيوعية والرأسمالية قد انتهى ، ليحل محله الصراع بين الاسلام والعالم الرأسمالي – الغربي – علماً أن الباحثين والأكاديميين المنصفين الدارسين للاسلام يعلمون علم اليقين أن الاسلام دين تسامح ومحبة وعدالة، ويحترم انسانية الانسان، ويرفض الظلم والعدوان ، ويشهد التاريخ أن دولة الخلافة الاسلامية قد احترمت حقوق رعاياها من غير المسلمين ، وفي العصور الوسطى وعندما اضطهدت أوروبا اليهود ، لم يجدوا لهم ملاذاً الا في الأندلس – اسبانيا – التي كانت تحت سيادة دولة الخلافة ، وأيضاً في بقية أرجاء الدولة الاسلامية ، حتى أن اليهود في الأندلس أنتجوا ثقافة يهودية خالصة .

ولمّا كان الاسلام يدعو الى رفض الظلم والعدوان ، فإن أتباعه وهم يشكلون الآن ربع سكان العالم – حوالي مليار ونصف – يسعون الى التحرر والاستقلال واستغلال مواردهم الطبيعية والنهوض بأمتهم ، وهذا ما يخيف العالم الغربي، وفي مقدمته امريكا، كونهم يستعمرون العالم الاسلامي للحفاظ على مصالحهم الاستعمارية .

وبما انهم على يقظة واستعداد تامّين لضرب أية محاولة للتحرر في العالمين العربي والاسلامي ولتضليل شعوبهم في العالم الغربي ، كي يبقوا مستعدين للانخراط في الجيوش لمحاربة العرب والمسلمين والاسلام، فإنهم يختلقون الأكاذيب ، ويستفزون مشاعر المسلمين بالاساءة للرسول الأعظم صلوات الله عليه ، لتكون هناك ردّات فعل حمقاء يتسلحون بها لخدمة أغراضهم وسياساتهم العدوانية . وما أنجح وأنجع الردود عليهم الا القيام بترجمة سيرة الرسول الأعظم الى لغاتهم ، وكذلك ترجمة القرآن الكريم ، ومبادىء الفقه الاسلامي أيضاً ، فالشعوب الغربية قارئة ومستنيرة وتفهم المقروء ، وتستطيع تمييز الغث من السمين .



اترك تعليق