“الشيخ” جميل السلحوت يطفئ النهار لينير الجحيم بقلم: الأسير حسام زهدي شاهين*سجن ايشل-بئر السبع

Apr 20

وأخيراً تمكنت من الحصول على روايتي “ظلام النهار” و”جنّة الجحيم”لأديبنا وكاتبنا المبدع الشيخ جميل السلحوت، بعد انتظار طويل شابه القليل من الشك في إمكانية تحصيلهما بعد أن تم منع إدخال الكتب إلى داخل السجون، غير أن النصر كان حليف إرادة المثابرة التي يمتاز بها النضال الفلسطيني. ولا أخفيكم أنني إستمتعت كثيراً بقراءتهما لدرجة جعلتني أضحك حدّ البكاء، أو أستفز حد الغضب، وأن أعيش المواقف التي خلقها الكاتب، حيث تمكن من بث الروح فيها بكلمات حوارية بسيطة قادرة على جذب القارىء، واستجلاب خياله نحو الإنخراط في مجرياتالأحداث “الزمكنية”، فـ “المس كينون تلك العجوز الإنجليزية السمينة”، التي تبحث عن أثار قديمة لإثبات يهودية القدس، وباءت بالفشل هي وطاقمها، هي الصورة المعاكسة للنجاح الذي حققه الشيخ جميل وهو ينقب في موروثنا الثقافي –الكامن في دواخلنا- عن ما يحتويه من مكنونات صائبة أو خاطئة، مرتبطة بمنظومة العادات والتقاليد والأعراف التي تحكم مجتمعنا الفلسطيني.
وإن كانت الروايتان تتحدثان عن الفترة الزمنية الواقعة بين النكبة والنكسة، إلا أن المشاكل التي تستعرضانها لازالت تعترض طريق تقدم مجتمعنا حتى اليوم، وما “الطفل الذي وجده خليل في الجحر”ص 40 إلا تعبير دقيق عن المستقبل الذي ندفنه في مقبرة الجهل والتخلف، جراء تمسكنا بالأفكار الرجعية التي ترفض مواكبة العلم والتقدم، فالحاج عبد الرؤوف الذي يمارس “الطب الشعبي” غير آبه بالمضار التي يلحقها بالناس، حتى وإن أدى ذلك إلى بتر يد خليل، مبرراً النجاح بقدرته على العلاج، وملقياً الخطأ على إرادة الله. وأبو كامل الذي يؤمن به وبقدرته على إجتراح المعجزات وبقدرة الفتاحين، هما صورتان حيّتان عن الكثير من الحالات التي لازالت ماثلة في حياتنا الراهنة، فتزويج أبو كامل لإبنته زينب، إبنة الثلاثة عشر ربيعاً، التي أخذت تلعب بدميتها بعد أن إشتراها لها والدها يوم عقد قرانها على مرعي، وطريقة تعامله الفجّة مع زوجته، وخنوع المرأة لإرادة الرجل الذكورية، كلها قضايا تحتاج منا إلى وقفة جادة وشجاعة في مواجهتها، فإن كان الزواج المبكر في مجتمعنا قد إنحسر كثيراً فهذا لايعني أن مشكلة إضطهاد النساء قد إنتهت، فهي لازالت جاثمة فوق “سلة” أخلاقنا بأشكال مختلفة.
ومع ذلك وفي ظل غياب القانون، أو إنعدامه لغياب السلطة نظراً لإستمرار الإحتلال، فإننا نجد أنفسنا ملزمين بالتعاطي مع القضاء العشائري في حلّ الكثير من النزاعات والخلافات العائلية، مثمنين دور رجال الإصلاح في هذا المضمار، هذا الدور الذي يعبر عنهم في “الحاج حامد الخليلي”، مع الأخذ بعين الإعتبار أن الكاتب يشير وينوّه في روايته إلى التمييز بين الغثّ والثمين من بين هؤلاء الرجال، وهذه حبكة ذكية ومعتدلة من الشيخ جميل في معالجة هذا المفهوم، خاصة وأنّه إبن منطقة وعائلة يُلمّ رجالاتها جيداً بهذا
القانون الاجتماعي.
وبالخروج من “ظلام النهار”، والولوج إلى جنة الجحيم”، يضعنا الكاتب مباشرة أمام أحد أكبر الهموم التي تواجه مجتمعنا الفلسطيني، والمجتمعات العربية بشكل عام، ألا وهو همّ التعاطي السلبي مع الديمقراطية والإنتخابات المتولدة عنها، ففي المواسم الإنتخابية وبسبب حاجة المرشح إلى أصوات، يعلو صوت “الميكافيلية” وتختلط القيم حابلها بنابلها، وتسمو لغة المادة على لغة البرامج والعقل، وتصبح كل الأطراف شريكة في جريمة أخلاقية لها إنعكاساتها السلبية على النظام السياسي والإجتماعي برمته، فأبوسالم، الرجل الذي يبيع نفسه لمن يدفع أكثر، ويداهن كافة المرشحين، هو نجم هذا الموسم بغض النظر عن النتيجة التي وصل إليها بعد الإنتخابات، لأن التاريخ سيعيد نفسه في الموسم القادم، الأمر الذي يدعونا إلى زيادة الوعي الشعبي في هذا المجال. والشيخ جميل لا تفوته النباهة إلى تجسيد الأمل على شكل “الرجل الطيّب ذو اللحية والملابس البيضاء” الذي يحاكي خليل في أحلامه قائلاً: “التعليم جنة في هذا الجحيم” )ص 122 ، فالتعليم هو الخطوة الأولى على طريق إجتثاث هذه الآفات من أحشاء مجتمعنا، خاصة وأن هناك الكثير من المتعلمين يمثلون جزءا من المشكلة وليس من الحلّ، ولكن توعية المتعلم تكون أسهل كثيراً من توعية الجاهل، فالوعي والثقافة هما الوعاء الحقيقي لتجاوز أزمتنا.
وينتقل بنا الشيخ جميل بسلاسة متناهية لمعالجة مشكلة حياة الإغتراب سعيًا وراء لقمة العيش، مثل يوسف ونايف أو بهدف التحصيل العلمي مثل “الأساتذة”، وفي كلا الحالتين هناك آثار مترتبة على كلا المسارين، ففي الحالة الأولى كانت الضحيّة مجدداً المرأة متمثلة بزوجتي نايف ويوسف، وفي المسار الثاني نحن بحاجة إلى رفد مجتمعنا بمتعلمين في كافة المجالات والتخصصات، وسواء كان الحديث عن السلبيات أو الإيجابيات التي يمكن أن تكون معكوسة في الحالتين، المطلوب هو ضبط ساعة الإغتراب على مواقيت مصلحة الوطن والمجتمع. ويعود أديبنا ليذكرنا في نهاية الرواية بمصيبة الزواج المبكر ولكن من جانب الرجل في هذه المرة، ويضيف إشكالية التفاوت التعليمي والإجتماعي، فسالم أصبح نادماً على زواجه من إبنة عمّه بعد أن أصبح أستاذاً “في مدرسة مخماس″، مع أنها ضحيّة للعادات والتقاليد أكثر منه.
وفي النهاية لايسعنا إلا الإشادة بالطريقة الرائعة التي وظف فيها الشيخ جميل قلمه ليخرج علينا بهذه الرواية الرائعة في جزئيها الأول والثاني، ولكنني كنت أتمنى لوأن طريقة منتجة وصف الكلمات كان مختلفا، ناهيكم عن عدد من الأخطاء المطبعية واللغوية التي يمكن تداركها في الطبعة الثانية، الى جانب أنه كان من الأفضل أن تكون الروايتان بنفس الحجم والمقاييس كونهما مكملتان لبعضهما البعض، وهذا مأخذي على دار النشر التي كان يجب أن تنتبه الى هذه الحيثيات، فشكل وحجم الرواية وطريقة طباعتها كلها أمور لها تأثيرها على نفسية القارئ، فـ”الشيخ” جميل السلحوت الذي يصادف تاريخ ميلاده ذكرى النكسة أنجب لنا أدبا يرفع أعلام ثقافتنا عاليا، وإن كانت”جاسيكا” تستخدم النص التوراتي”لتنسني يميني إن نسيتك يا قدس″ فان لسان حال القارئ يقول: لتنسنا أعمارنا إن نسينا شبرا منك ياقدس. يطفئ النهار لينير الجحيم
*الأسير حسام زهدي شاهين من السواحرة الشرقية- القدس، أمين سرّ حركة الشبيبة الفتحاوية.وقع في الأسر في شباط 2004 وحكم مدة 22 عاما بتهمة النشاط في كتائب شهداء الأقصى.

“الشيخ” جميل السلحوت يطفئ النهار لينير الجحيم بقلم: الأسير حسام زهدي شاهين*سجن ايشل-بئر السبع

وأخيراً تمكنت من الحصول على روايتي “ظلام النهار” و”جنّة الجحيم”لأديبنا وكاتبنا المبدع الشيخ جميل السلحوت، بعد انتظار طويل شابه القليل من الشك في إمكانية تحصيلهما بعد أن تم منع إدخال الكتب إلى داخل السجون، غير أن النصر كان حليف إرادة المثابرة التي يمتاز بها النضال الفلسطيني. ولا أخفيكم أنني إستمتعت كثيراً بقراءتهما لدرجة جعلتني أضحك حدّ البكاء، أو أستفز حد الغضب، وأن أعيش المواقف التي خلقها الكاتب، حيث تمكن من بث الروح فيها بكلمات حوارية بسيطة قادرة على جذب القارىء، واستجلاب خياله نحو الإنخراط في مجرياتالأحداث “الزمكنية”، فـ “المس كينون تلك العجوز الإنجليزية السمينة”، التي تبحث عن أثار قديمة لإثبات يهودية القدس، وباءت بالفشل هي وطاقمها، هي الصورة المعاكسة للنجاح الذي حققه الشيخ جميل وهو ينقب في موروثنا الثقافي –الكامن في دواخلنا- عن ما يحتويه من مكنونات صائبة أو خاطئة، مرتبطة بمنظومة العادات والتقاليد والأعراف التي تحكم مجتمعنا الفلسطيني.وإن كانت الروايتان تتحدثان عن الفترة الزمنية الواقعة بين النكبة والنكسة، إلا أن المشاكل التي تستعرضانها لازالت تعترض طريق تقدم مجتمعنا حتى اليوم، وما “الطفل الذي وجده خليل في الجحر”ص 40 إلا تعبير دقيق عن المستقبل الذي ندفنه في مقبرة الجهل والتخلف، جراء تمسكنا بالأفكار الرجعية التي ترفض مواكبة العلم والتقدم، فالحاج عبد الرؤوف الذي يمارس “الطب الشعبي” غير آبه بالمضار التي يلحقها بالناس، حتى وإن أدى ذلك إلى بتر يد خليل، مبرراً النجاح بقدرته على العلاج، وملقياً الخطأ على إرادة الله. وأبو كامل الذي يؤمن به وبقدرته على إجتراح المعجزات وبقدرة الفتاحين، هما صورتان حيّتان عن الكثير من الحالات التي لازالت ماثلة في حياتنا الراهنة، فتزويج أبو كامل لإبنته زينب، إبنة الثلاثة عشر ربيعاً، التي أخذت تلعب بدميتها بعد أن إشتراها لها والدها يوم عقد قرانها على مرعي، وطريقة تعامله الفجّة مع زوجته، وخنوع المرأة لإرادة الرجل الذكورية، كلها قضايا تحتاج منا إلى وقفة جادة وشجاعة في مواجهتها، فإن كان الزواج المبكر في مجتمعنا قد إنحسر كثيراً فهذا لايعني أن مشكلة إضطهاد النساء قد إنتهت، فهي لازالت جاثمة فوق “سلة” أخلاقنا بأشكال مختلفة.ومع ذلك وفي ظل غياب القانون، أو إنعدامه لغياب السلطة نظراً لإستمرار الإحتلال، فإننا نجد أنفسنا ملزمين بالتعاطي مع القضاء العشائري في حلّ الكثير من النزاعات والخلافات العائلية، مثمنين دور رجال الإصلاح في هذا المضمار، هذا الدور الذي يعبر عنهم في “الحاج حامد الخليلي”، مع الأخذ بعين الإعتبار أن الكاتب يشير وينوّه في روايته إلى التمييز بين الغثّ والثمين من بين هؤلاء الرجال، وهذه حبكة ذكية ومعتدلة من الشيخ جميل في معالجة هذا المفهوم، خاصة وأنّه إبن منطقة وعائلة يُلمّ رجالاتها جيداً بهذاالقانون الاجتماعي.وبالخروج من “ظلام النهار”، والولوج إلى جنة الجحيم”، يضعنا الكاتب مباشرة أمام أحد أكبر الهموم التي تواجه مجتمعنا الفلسطيني، والمجتمعات العربية بشكل عام، ألا وهو همّ التعاطي السلبي مع الديمقراطية والإنتخابات المتولدة عنها، ففي المواسم الإنتخابية وبسبب حاجة المرشح إلى أصوات، يعلو صوت “الميكافيلية” وتختلط القيم حابلها بنابلها، وتسمو لغة المادة على لغة البرامج والعقل، وتصبح كل الأطراف شريكة في جريمة أخلاقية لها إنعكاساتها السلبية على النظام السياسي والإجتماعي برمته، فأبوسالم، الرجل الذي يبيع نفسه لمن يدفع أكثر، ويداهن كافة المرشحين، هو نجم هذا الموسم بغض النظر عن النتيجة التي وصل إليها بعد الإنتخابات، لأن التاريخ سيعيد نفسه في الموسم القادم، الأمر الذي يدعونا إلى زيادة الوعي الشعبي في هذا المجال. والشيخ جميل لا تفوته النباهة إلى تجسيد الأمل على شكل “الرجل الطيّب ذو اللحية والملابس البيضاء” الذي يحاكي خليل في أحلامه قائلاً: “التعليم جنة في هذا الجحيم” )ص 122 ، فالتعليم هو الخطوة الأولى على طريق إجتثاث هذه الآفات من أحشاء مجتمعنا، خاصة وأن هناك الكثير من المتعلمين يمثلون جزءا من المشكلة وليس من الحلّ، ولكن توعية المتعلم تكون أسهل كثيراً من توعية الجاهل، فالوعي والثقافة هما الوعاء الحقيقي لتجاوز أزمتنا.وينتقل بنا الشيخ جميل بسلاسة متناهية لمعالجة مشكلة حياة الإغتراب سعيًا وراء لقمة العيش، مثل يوسف ونايف أو بهدف التحصيل العلمي مثل “الأساتذة”، وفي كلا الحالتين هناك آثار مترتبة على كلا المسارين، ففي الحالة الأولى كانت الضحيّة مجدداً المرأة متمثلة بزوجتي نايف ويوسف، وفي المسار الثاني نحن بحاجة إلى رفد مجتمعنا بمتعلمين في كافة المجالات والتخصصات، وسواء كان الحديث عن السلبيات أو الإيجابيات التي يمكن أن تكون معكوسة في الحالتين، المطلوب هو ضبط ساعة الإغتراب على مواقيت مصلحة الوطن والمجتمع. ويعود أديبنا ليذكرنا في نهاية الرواية بمصيبة الزواج المبكر ولكن من جانب الرجل في هذه المرة، ويضيف إشكالية التفاوت التعليمي والإجتماعي، فسالم أصبح نادماً على زواجه من إبنة عمّه بعد أن أصبح أستاذاً “في مدرسة مخماس″، مع أنها ضحيّة للعادات والتقاليد أكثر منه.وفي النهاية لايسعنا إلا الإشادة بالطريقة الرائعة التي وظف فيها الشيخ جميل قلمه ليخرج علينا بهذه الرواية الرائعة في جزئيها الأول والثاني، ولكنني كنت أتمنى لوأن طريقة منتجة وصف الكلمات كان مختلفا، ناهيكم عن عدد من الأخطاء المطبعية واللغوية التي يمكن تداركها في الطبعة الثانية، الى جانب أنه كان من الأفضل أن تكون الروايتان بنفس الحجم والمقاييس كونهما مكملتان لبعضهما البعض، وهذا مأخذي على دار النشر التي كان يجب أن تنتبه الى هذه الحيثيات، فشكل وحجم الرواية وطريقة طباعتها كلها أمور لها تأثيرها على نفسية القارئ، فـ”الشيخ” جميل السلحوت الذي يصادف تاريخ ميلاده ذكرى النكسة أنجب لنا أدبا يرفع أعلام ثقافتنا عاليا، وإن كانت”جاسيكا” تستخدم النص التوراتي”لتنسني يميني إن نسيتك يا قدس″ فان لسان حال القارئ يقول: لتنسنا أعمارنا إن نسينا شبرا منك ياقدس. يطفئ النهار لينير الجحيم*الأسير حسام زهدي شاهين من السواحرة الشرقية- القدس، أمين سرّ حركة الشبيبة الفتحاوية.وقع في الأسر في شباط 2004 وحكم مدة 22 عاما بتهمة النشاط في كتائب شهداء الأقصى.



اترك تعليق